مفهوم الاستثناء: ثغرة تشرعن القتل بنص القانون

images 45

يأتي 17 شوال 1368هـ (12 غشت 1949م) ليعود بنا إلى تاريخين مفصليين بينهما 57 عاماً؛ من 1368هـ، 1427هـ (1949م إلى 2006م)، لم يشهد العالم تطوراً للعدالة الدولية بقدر ما شهد امتداداً لضبابية قانونية مُهندسة، ابتدأت من نصوص اتفاقيات جنيف الاستعراضية، ثم ترسخت ميدانياً في لبنان عبر القرار 1701—القرار الذي لم يمنع حرباً، ولم يحمِ مدنياً، بل ترك الفتيل مشتعلاً ليُستغل اليوم ضد لبنان وشعبه.

وُقّعت هذه الاتفاقية وهي تتجمَّلُ بنصوع أخلاقي يُبهر الضحايا؛ ظنّ المدني معها أنه بات محصناً بقوة التشريع الدولي. فهي التي عرَّفت نفسها في التصدير المباشر بأنها: “اتفاقية جنيف المتعلقة بحماية الأشخاص المدنيين في وقت الحرب المؤرخة في 17 شوال 1368هـ (12 آب/أغسطس 1949م)”. نصٌّ يفترض أن يُحترم فيه الإنسان لشخصه وشرفه وحقوقه العائلية وعقيدته، بل وصيغت حمايته بأغلظ الألفاظ حزماً: يُحظر، يُمنع، ويجب حماية.

لكن ما إن يسبر المدني أغوارها، حتى يجد ثغراتٍ تخنق النفس فيه هي الأولى بالخشية قبل أي تهديد عسكري؛ حيث زُرع في أحشاء الاتفاقية ثالوثٌ من المفاهيم الفتاكة: مفهوم “الضرورة العسكرية” الذي يُعطي الجيوش صلاحية تعليق الحظر واستهداف الأعيان المدنية متى ما ادّعت وجود حاجة ميدانية، ومفهوم “التناسب” الذي يُجري معادلة رقمية باردة تُفاضل بين أعداد الضحايا المدنيين وحجم المكسب العسكري المتوقع، وصولاً إلى تصنيع ذريعة “الأهداف مزدوجة الاستخدام” ومفهوم “الدروع البشرية” الذي يُجرّد المستشفى والبيت والمدني من حمايتهم القانونية بمجرد الادعاء بوجود نشاط عسكري في محيطهم.

هذه المفاهيم ليست سوى إذن صريح يُمنح للجيوش بقصف كل شيء تحت غطاء التشريع، وبذلك لم تجعل جنيف من المدني هدفاً محظوراً مطلقاً، بل جعلت منه استثناءً معلقاً ينتظر تصنيف المهاجم. فبدل أن تكون هذه النصوص أداة لإلغاء القصف، تحولت إلى “كتالوج” يُمكّن الجيوش من تبرير الدمار بلغة المادة القانونية، ليتلاشى حلم الحظر المطلق أمام استثناء المادة، وليكتشف المدني حينها بمرارة أن التشريعات الدولية الخاصة بالحرب لم تُكتب لتقييد القوة، بل صُيغت عمداً لتُدمج “حالة الاستثناء” داخلها؛ مستبدلة الحماية الفعلية برخصة مُصنّعة لإدارة القتل قانونياً.

لقد مارست المنظومة الدولية هنا عين ما تختزله القاعدة الفقهية: “مَن تَتَبَّعَ الرُّخَصَ فَقَدْ تَزَنْدَقَ”؛ حيث تحوّل تتبّع الجيوش للاستثناءات داخل نص جنيف إلى “زندقة قانونية” أفرغت التشريع من مقاصده الأخلاقية لصالح الآلة العسكرية. ولم تكن هذه الردة التي وُلدت في 17 شوال 1368هـ (12 غشت 1949م) سوى التأسيس لمسارٍ لئيم، يتلقفه واضعو القرار 1701 بعد 57 عاماً في 18 رجب 1427هـ (12 غشت 2006م)، ليعيدوا زراعة الرمادية في الجغرافية اللبنانية؛ إذ امتدت الضبابية المفاهيمية لتستقرّ في أحشائه، فبدل أن يكون القرار نصاً حاسماً يقطع دابر العدوان، أُعدّ بدقة ليكون أداة تُبقي الفتيل مشتعلاً تحت ما يُسمى ديبلوماسياً بـ “الغموض البنّاء” (Constructive Ambiguity)—وهو الاسم الحركي لزراعة الثغرات العمدية وتمليص المعتدي من التبعات، لتكريس بنية متكاملة من ‘الإفلات المشرعن من العقاب’ (Impunity).

لقد تجلّى هذا الالتفاف أولاً في استبدال المطلب القانوني الأصيل بـ “وقفٍ شامل ودائم لإطلاق النار” (Ceasefire)، بعبارة مطاطية ملغومة هي “وقف العمليات العسكرية” (Cessation of Hostilities)؛ وهي الثغرة التي منحت الآلة العسكرية إبقاء يدها على زناد “العمليات الردعية والاستباقية” تحت ذريعة الدفاع عن النفس. وبذلك، لم يُصغ القرار لإنهاء الحرب، بل لإدارتها وضمان استمرارها في حالة سيولة معلقة.

ثم اكتملت هندسة الرمادية بتفويض الحماية الدولية لقوات “اليونيفيل”، وحشرها في منطقة هجينة تُعرف بـ “الفصل السادس والنصف”—موقع برزخي يقع بين حفظ السلام المشروط (الفصل السادس) وفرضه بالقوة (الفصل السابع). فلا هي مكنتها من نزع السلاح، ولا منعت الخروقات، لتتحول القوات الدولية من أداة ردع إلى مجرد “شاهد عيان” يُوثق الدمار في تقارير لا فائدة منها.

وحين أُحيلت ملفات السيادة والحدود ومزارع شبعا والخرق اليومي للأجواء إلى آفاق زمنية معلقة لم تأتِ أبداً، تحول الجنوب اللبناني بموجب هذه النصوص إلى “جغرافية استثناء أمني” مستباحة؛ ليتأكد للجميع أن القرار 1701 لم يكن سوى امتدادٍ لـ “زندقة جنيف”، حيث أُدير القتل بالنصوص في 17 شوال 1368هـ (12 أغسطس 1949م)، وأُديرت استباحة الوطن بالرمادية في 18 رجب 1427هـ (12 أغسطس 2006م).

ولم تكن الحرب الأخيرة التي طالت مدن لبنان وقراه سوى الدليل المادي على إصرار المنظومة الدولية على إبقاء قراراتها وقوانينها كأنها كيسٌ مفقوب، تُفرَغ فيه الأوهام الحقوقية من جهة، لتتسرّب منه الحماية الفعّالة من جهة أخرى. فاليوم، وأمام وابل الدمار والانتهاك الفاضح للسيادة، يقف العالم مجدداً دون أي تشريع جديد، مكتفياً بالدعوة إلى “التطبيق الكامل للقرار 1701″—ذاته القرار الذي أثبت عقمه.

وهكذا، فإن القانون الدولي لا يُتّهم بالفشل ولا بالانهيار، بل ينكشف عن حقيقته: جلادٌ يتزيّى بثوب القاضي؛ يريد أن يُحمَد بما لم يفعل، فيحصد الجوائز بزعم وقفه القتل، في حين أنه ليس سوى النصّ الذي شرّعه بكلماته، وأدار الموت ببنوده.

Comments

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *