معهد الذمية.. محاولة جديدة لتزييف التاريخ الإسلامي ودعم “الإسلاموفوبيا”

e7a2d646779de108891ee37e3d822dc4

في أواخر عام 2025، مرّ إعلان قصير نسبيًا دون أن يحظى في أيامه الأولى باهتمام واسع خارج الأوساط البحثية الأمريكية، لكن خلال أسابيع قليلة، تحولت تلك المبادرة إلى واحدة من أكثر القضايا إثارة للنقاش بين الباحثين في التاريخ الإسلامي، وخبراء العلاقات الدولية، والمهتمين بقضايا الأقليات الدينية في الشرق الأوسط.

كان الإعلان يتعلق بإطلاق مؤسسة جديدة حملت اسمًا غير مألوف حتى داخل الأوساط الأكاديمية: “معهد الذمية”.

المعهد أعلن أنه سيكرس جهوده لدراسة أوضاع غير المسلمين في ظل الحكم الإسلامي عبر التاريخ، وتحليل مفهوم “أهل الذمة”، وكيف أثرت النظم الفقهية والسياسية الإسلامية في الأقليات الدينية على امتداد قرون.

لكن الاسم وحده كان كافيًا لإشعال موجة من الجدل، فمصطلح “الذمية” ليس مجرد تعبير فقهي ، بل يحمل في الذاكرة السياسية والثقافية معاني متباينة، تختلف جذريًا بين من يراه إطارًا كان ينظم التعايش في العصور الإسلامية، ومن هاجمه بحجة أنه يعكس تمييزًا قانونيًا بين المسلمين وغير المسلمين.

ولم تمض أيام على الإعلان حتى بدأت وسائل إعلام عربية وغربية، ومراكز أبحاث، وأكاديميون، وناشطون سياسيون، في طرح السؤال نفسه: لماذا يُؤسس هذا المعهد الآن؟، وهل نحن أمام مشروع أكاديمي بحت خلفه أهدافًا سياسية تتجاوز البحث العلمي؟.

الاسم الذي سبق المؤسسة

في عالم مراكز الأبحاث، لا يُختار الاسم عادةً مصادفة، فهو يمثل الرسالة الأولى التي يوجهها المركز إلى جمهوره. ولهذا، يرى باحثون أن اختيار كلمة “الذمية” بدلًا من مصطلحات أكثر حيادية مثل “الأقليات الدينية” أو “التعايش الديني” لم يكن قرارًا لغويًا فحسب، بل يحمل دلالات فكرية وسياسية تستحق التوقف عندها.

فالذمة في الفقه الإسلامي مفهوم قانوني وتاريخي نشأ في سياق الدولة الإسلامية التقليدية، ويشير إلى العلاقة التي تربط غير المسلمين بالدولة الإسلامية، وما يترتب عليها من حقوق وواجبات، ولهذا، فإن مجرد استحضاره اليوم يعيد فتح ملفات تاريخية شديدة الحساسية تتعلق بالدين، والهوية، والمواطنة، والسلطة.

من يقف وراء المعهد؟

أُطلق معهد الذمية بوصفه مبادرة بحثية تابعة لـ منتدى الشرق الأوسط ، وهو مركز أبحاث أمريكي تأسس في تسعينيات القرن الماضي، ويُعرف باهتمامه بقضايا الشرق الأوسط والإسلام والسياسة الخارجية الأمريكية.

وقد أثار المنتدى نفسه جدلًا على مدى سنوات بسبب مواقفه من عدد من القضايا المتعلقة بالإسلام السياسي والهجرة والأمن القومي، كما تعرض لانتقادات من باحثين ومنظمات حقوقية اتهمته بتبني رؤى متشددة تجاه بعض القضايا الإسلامية.

ومنذ الإعلان عن المعهد، إدعى القائمون عليه أن هدفه يتمثل في إجراء دراسات تاريخية وفقهية معمقة حول أوضاع الأقليات الدينية في ظل الحكم الإسلامي، وإتاحة منصة بحثية تجمع الوثائق والدراسات المتعلقة بهذا الموضوع.

وبحسب التعريف المنشور للمبادرة، فإن نطاق عملها يشمل: دراسة الإطار القانوني والفقهي لمفهوم أهل الذمة، وتحليل التجارب التاريخية للأقليات في الدول الإسلامية، وإصدار أبحاث ودراسات ووثائق تاريخية، ورصد تأثير الإرث التاريخي لمفهوم الذمة على النقاشات المعاصرة حول حقوق الأقليات.

هذه هي الأهداف المعلنة، لكنها لم تكن كافية لاحتواء الجدل.

لماذا أثار الإعلان كل هذا القلق؟

لم يترك الإعلان المجال طويلًا حتى بدأت تظهر مقالات وتحليلات ناقدة، خصوصًا في بعض وسائل الإعلام العربية. إحدى أبرز هذه القراءات ذهبت إلى أن:

المشروع لا يقتصر على البحث الأكاديمي، بل يمثل محاولة لإعادة بناء سردية تاريخية “مزيفة” عن الإسلام وعلاقته بالأقليات، بما يخدم رؤى سياسية معاصرة.

وذهبت بعض المقالات إلى أبعد من ذلك، معتبرة أن إنشاء المعهد قد يكون جزءًا من مشروع أوسع يهدف – بحسب وصف أصحاب هذه الآراء – إلى “تفتيت المجتمعات العربية والإسلامية” من خلال إعادة إحياء ملفات تاريخية حساسة وإبرازها في سياقات سياسية معاصرة.

فالحديث عن الأقليات في الشرق الأوسط لم يعد مجرد نقاش تاريخي، بل أصبح يرتبط مباشرة بالصراعات السياسية، والنزاعات الإقليمية، والسياسات الدولية.

الذمة.. الكلمة التي تحمل 14 قرنًا من الجدل

لفهم سبب هذا الجدل، لا يكفي النظر إلى المعهد وحده، بل ينبغي العودة إلى المصطلح الذي يحمل اسمه.

في التراث الفقهي الإسلامي، يشير مفهوم أهل الذمة إلى غير المسلمين الذين يعيشون بصورة دائمة داخل الدولة الإسلامية، ويحصلون على حماية الدولة مقابل الالتزام بمجموعة من الأحكام التي تناولها الفقهاء بتفصيل كبير.

ويمنح هذا النظام لأهل الذمة عددًا من الحقوق، أبرزها: حماية النفس والمال، وحرية ممارسة الشعائر الدينية ضمن الضوابط السائدة في كل عصر، وإدارة شؤون الأحوال الشخصية وفق تشريعاتهم الدينية في كثير من الحالات، وحماية دور العبادة في نطاق ما تقرره السلطة.

وفي المقابل، رتب عليهم التزامات، كان أشهرها الجزية، وهي ضريبة مالية ارتبطت تاريخيًا بالإعفاء من الخدمة العسكرية في كثير من الفترات، إضافة إلى الالتزام بالقوانين العامة للدولة.

و”الذمية” ليست مجرد مصطلح فقهي قديم، بل كلمة تحمل إرثًا تاريخيًا يمتد لأكثر من 14 قرنًا، وتلامس واحدة من أكثر القضايا حساسية في العلاقة بين الأغلبية والأقليات، وبين التاريخ والهوية .ولهذا، فإن أي محاولة لإعادة دراسة هذا المفهوم في القرن الـ21 بصورة مزيفة، لا يمكن أن تنفصل عن السياقات السياسية والفكرية الراهنة.

1000301701
إحدى المباني في تركيا تكشف التعايش بين الأديان في ظل الدولة العثمانية

من هم “أهل الذمة”؟

كانت كلمة “الذمة” تعني العهد أو الضمان، أي أن الدولة تتعهد بحماية هؤلاء السكان مقابل التزامهم بجملة من الأحكام القانونية التي اختلفت تفاصيلها باختلاف العصور والمدارس الفقهية.

وفي الأدبيات الفقهية التقليدية، شمل هذا الوصف في المقام الأول اليهود والنصارى ، باعتبارهم من “أهل الكتاب”، بينما توسع بعض الفقهاء في تطبيقه على جماعات دينية أخرى وفق ظروف كل دولة.

وقد استند الفقهاء إلى نصوص قرآنية ونبوية، وإلى اجتهادات الصحابة ، لصياغة منظومة قانونية تنظم العلاقة بين المسلمين وغير المسلمين داخل الدولة.

هل كانت الذمة نظامًا واحدًا؟

واحدة من أكثر الأخطاء شيوعًا في النقاشات الحديثة هي التعامل مع “الذمة” وكأنها نظام قانوني ثابت لم يتغير طوال التاريخ الإسلامي، لكن مراجعة المصادر التاريخية تكشف صورة أكثر تعقيدًا.

ففي العصر الأموي، كانت الاعتبارات السياسية والعسكرية تلعب دورًا مهمًا في إدارة شؤون الأقليات، أما في العصر العباسي، فقد تطورت المؤسسات الإدارية، وبرزت أدوار لليهود والنصارى في الطب والترجمة والإدارة والمالية. وفي الأندلس، شهدت فترات معينة مستويات عالية من التعايش الثقافي، في حين شهدت فترات أخرى توترات نتيجة الحروب. أما في الدولة العثمانية، فقد ظهر نظام “الملل” الذي منح الطوائف الدينية قدرًا واسعًا من الإدارة الذاتية في شؤون الأحوال الشخصية والتعليم والمؤسسات الدينية.

ويرى عدد من المؤرخين أن هذا النظام كان، في سياقه التاريخي، أكثر تنظيمًا من كثير من النظم الأوروبية المعاصرة له، وهو ما يجعل دراسة الذمة موضوعًا معقدًا يصعب اختزاله في أحكام عامة.

3 مصطلحات.. كثيرًا ما تُخلط معًا

من القضايا التي يعتزم معهد الذمية تناولها، بحسب ما أعلنه، توضيح الفروق بين ثلاث فئات قانونية كثيرًا ما يختلط فهمها في النقاشات الحديثة:

أولًا: الذمي، وهو غير المسلم المقيم إقامة دائمة داخل الدولة الإسلامية، ويتمتع بالحماية القانونية مقابل الالتزام بما تقرره القوانين السارية، ومنها في السياق التاريخي أداء الجزية في الحالات التي كانت تنطبق عليها.

ثانيًا: المعاهد، وهو غير المسلم الذي يعيش خارج الدولة الإسلامية، لكن دولته أو جماعته ترتبط بمعاهدة سلام أو هدنة مع المسلمين، ولا يخضع هذا الشخص للأحكام التي تنطبق على الذمي، بل تحدد العلاقة بنود الاتفاق المبرم بين الطرفين.

ثالثًا: المستأمن وهو غير المسلم الذي يدخل أراضي الدولة الإسلامية لفترة مؤقتة، كتاجر أو رسول أو طالب علم أو زائر، ويحصل على ضمان بالأمان طوال مدة إقامته.

وهذه الفروق ليست مجرد تفاصيل فقهية، بل كانت تمثل أساسًا لتنظيم العلاقات الدولية في العصور الحكم الإسلامي.

لماذا يعود هذا النقاش الآن؟

هذا هو السؤال الذي يشغل كثيرًا من الباحثين، فمفهوم الذمة، من الناحية القانونية، لم يعد معمولًا به في عصرنا هذا . ومع ذلك، فإن إعادة دراسة هذا المفهوم اليوم تتزامن مع تصاعد النقاشات العالمية حول: حقوق الأقليات الدينية، وحرية الاعتقاد، وعلاقة الدين بالدولة، وصعود الهويات الدينية في السياسة، والنزاعات الطائفية في الشرق الأوسط.

ولهذا، فإن الاهتمام الغربي المتزايد بتاريخ الأقليات في المنطقة لا يمكن فصله عن التحولات الجيوسياسية التي شهدها الشرق الأوسط خلال العقدين الأخيرين.

في المقابل، يدافع مؤيدو المشروع عن فكرته باعتبارها امتدادًا طبيعيًا للدراسات التاريخية المقارنة، ويقول هؤلاء إن دراسة أوضاع الأقليات في ظل الحكم الإسلامي لا تختلف عن دراسة أوضاع اليهود في أوروبا، أو البروتستانت والكاثوليك، أو الأقليات الدينية في الإمبراطوريات القديمة. ومن وجهة نظرهم، فإن البحث الأكاديمي لا ينبغي أن يخضع للمحاذير السياسية، بل يجب أن يناقش جميع الملفات التاريخية، مهما كانت حساسة.

كما يشير بعض الباحثين إلى أن مفهوم الذمة تعرض في العقود الأخيرة لكثير من الاستخدامات الأيديولوجية المتناقضة، سواء من جانب من يقدمه باعتباره نموذجًا مثاليًا للتسامح، أو من جانب من يزعمون بأنه دليل على الاضطهاد الديني.

“التوقيت ليس بريئًا”

لكن من جانبنا نرى الصورة بشكل مختلف، حيث أن إطلاق معهد متخصص في “الذمية” في هذا التوقيت تحديدًا لا يمكن عزله عن المناخ السياسي الدولي، ذلك أن من يصنعون “التزييف المتعمد” يعتقدون أنه سيسهم في إعادة إنتاج صورة نمطية عن التاريخ الإسلامي، أو استخدام ملفات الأقليات كورقة ضغط في النقاشات السياسية المعاصرة.

أيضا المشروع في باطنه محاولة حثيثة لإحياء خطاب يزعم أن الانقسامات الدينية كانت تضرب المجتمعات الإسلامية”، ومن ثم إعادة صياغة العلاقة بين الغرب والشرق الأوسط.

السؤال الذي يتجاوز المعهد نفسه

ربما لا تكون القضية في النهاية مرتبطة بمعهد الذمية وحده، بل بطريقة تعامل العالم مع التاريخ.

فهل يمكن إعادة قراءة مفاهيم مثل “الذمة”، و”الجزية”، و”الخلافة”، و”الملل”، قراءة أكاديمية مجردة من الاستقطاب السياسي؟، أم أن هذه المفاهيم أصبحت، بحكم حساسيتها، جزءًا من معارك الهوية والنفوذ التي يعيشها العالم اليوم؟.

هذا السؤال لا يخص معهد الذمية وحده، بل يطال عشرات مراكز الأبحاث التي تعمل على إعادة تفسير التاريخ الديني في سياقات سياسية معاصرة، والدور الذي أصبحت تلعبه تلك المراكز في صياغة النقاشات العامة، بل وفي التأثير – بصورة مباشرة أو غير مباشرة – في صناعة القرار السياسي داخل العواصم الكبرى.

حين تتحول الدراسات إلى أدوات نفوذ

لم تعد مراكز الأبحاث في الولايات المتحدة وأوروبا مجرد مؤسسات أكاديمية تنشر دراسات يقرأها الباحثون، فخلال العقود الثلاثة الأخيرة، أصبحت كثير من هذه المراكز جزءًا من البيئة التي تُصاغ داخلها السياسات العامة ، وكانت سببًا مباشرا فيما يعرف باسم “الإسلاموفوبيا”.

فهي تنتج أوراقًا بحثية، وتعقد مؤتمرات، وتقدم شهادات أمام البرلمانات، وتستضيف مسؤولين سابقين وحاليين، كما يشارك باحثوها في النقاشات الإعلامية التي تؤثر في الرأي العام. ولا يعني ذلك أن كل مركز أبحاث يحدد السياسات الحكومية، لكن من المؤكد أن كثيرًا من هذه المؤسسات يسهم في تشكيل الإطار الفكري الذي تُناقش داخله تلك السياسات.

ومن هنا، يرى بعض المحللين أن أي دراسة تتناول قضايا مثل الأقليات، أو الحريات الدينية، أو الإسلام السياسي، قد تتجاوز قيمتها الأكاديمية لتصبح جزءًا من النقاش السياسي الأوسع.

لماذا يثير ملف الأقليات كل هذه الحساسية؟

تاريخيًا، كانت قضايا الأقليات الدينية والعرقية من أكثر الملفات حضورًا في العلاقات الدولية، فقد استُخدمت في مراحل مختلفة لتبرير تدخلات سياسية، أو فرض ضغوط دبلوماسية، أو دعم إصلاحات قانونية، أو حتى لتسويق سياسات خارجية. وفي المقابل، كانت حكومات في الشرق الأوسط ترى أن بعض هذه الملفات يُستخدم أحيانًا بصورة انتقائية، بينما تؤكد منظمات حقوقية أن إثارة أوضاع الأقليات تمثل جزءًا من الدفاع عن حقوق الإنسان.

وبين هذين المنظورين، يصبح أي مشروع بحثي يتناول الأقليات موضوعًا شديد الحساسية، خصوصًا عندما يصدر عن مؤسسة أمريكية تُعرف باهتمامها بقضايا الشرق الأوسط.

الذمة بين السرديتين

من خلال مراجعة الأدبيات التاريخية، يمكن ملاحظة وجود سرديتين رئيسيتين حول مفهوم الذمة.

السردية الأولى: ترى أن نظام الذمة، إذا قورن بالمعايير التاريخية للعصور الوسطى، وفر للأقليات الدينية قدرًا من الحماية القانونية وحرية العبادة، في وقت كانت أوروبا تشهد حروبًا دينية واضطهادًا واسعًا للأقليات.

ويستشهد أصحاب هذا الرأي بأمثلة من الأندلس، وبعض مراحل الدولة العباسية والعثمانية، حيث شغل يهود ونصارى مناصب مهمة في الإدارة، والطب، والعلوم، والتجارة، واحتفظوا بمؤسساتهم الدينية.

السردية الثانية: تزعم “كذبًا” أن نظام الذمة، مهما اختلف تطبيقه، كان يقوم على تمييز قانوني بين المسلمين وغير المسلمين، من خلال اختلاف بعض الحقوق والواجبات، وعلى رأسها الجزية، وأن هذا التمييز لا ينسجم مع المفهوم الحديث للمواطنة المتساوية، ويشير أصحاب هذا الاتجاه إلى أن التطبيق التاريخي شهد، في بعض الفترات، قيودًا على بناء دور العبادة أو تولي بعض المناصب أو إظهار بعض الشعائر، وإن كانت هذه القيود تختلف باختلاف الزمان والمكان.

هل يمكن كتابة تاريخ محايد؟

هذا السؤال ربما يكون الأكثر تعقيدًا. فالتاريخ، خصوصًا عندما يرتبط بالدين والهوية، لا يُقرأ دائمًا بالطريقة نفسها، لأن المؤرخ قد يبحث عن الوثيقة، أما السياسي فقد يبحث عن الدلالة، والناشط قد يبحث عن الحجة التي تدعم موقفه.

ولهذا، فإن الوثيقة التاريخية الواحدة قد تُستخدم لإثبات أفكار متعارضة. ومن هنا، يصبح التحدي الحقيقي أمام أي مؤسسة بحثية هو القدرة على الفصل بين البحث العلمي والاستخدام السياسي لنتائج هذا البحث.

حتى الآن، لا يزال معهد الذمية في بداياته، ولم يصدر عنه من الدراسات ما يسمح بالحكم النهائي على منهجه العلمي أو أثره الفعلي، لكن مجرد الإعلان عنه يكشف إلى حد كبير الغرض من ظهوره.

ربما لا يكون الاختبار الحقيقي لمعهد الذمية هو عدد الدراسات التي سينشرها، بل كيف سيكتب هذه الدراسات.

هل سيعرض الوقائع التاريخية بكل تعقيداتها؟، وهل سيُفسح المجال لتعدد المدارس الفقهية والرؤى التاريخية؟، وهل سيقارن التجربة الإسلامية بغيرها من التجارب التاريخية وفق معايير واحدة؟، أم سيقدم قراءة انتقائية تؤكد تصورًا مسبقًا؟.

الإجابة عن هذه الأسئلة لن تأتي من البيانات التعريفية أو المؤتمرات الصحفية، بل من المنتج البحثي نفسه خلال السنوات المقبلة، فالتاريخ، حين يُقرأ بموضوعية، لا يكون أداة للانقسام، بل وسيلة لفهم الماضي وبناء حوار أكثر نضجًا حول الحاضر والمستقبل.

Comments

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *