افتتح المسلمون في مدينة زيلينودولسك بجمهورية تتارستان الروسية مسجد «الأنجام» الجديد، ليضاف إلى شبكة المساجد المتنامية في واحدة من المناطق التي يمتد فيها حضور الإسلام لأكثر من ألف عام.
وجرى افتتاح المسجد رسميًا في 27 أغسطس/آب 2026م، الموافق لنحو 15 ربيع الأول 1448هـ، بحضور مفتي جمهورية تتارستان ورئيس الإدارة الدينية لمسلميها كامل ساميغولين، وعدد من أئمة المنطقة والمسؤولين والشخصيات العامة، إلى جانب سكان المدينة والمتبرعين والمساهمين في المشروع.
واستُهل حفل الافتتاح بتلاوة آيات من القرآن الكريم، فيما أكد مفتي تتارستان خلال المناسبة أهمية المسجد في حياة المسلمين، ليس بوصفه مكانًا للصلاة فحسب، وإنما مركزًا للتعليم وترسيخ القيم الدينية وخدمة المجتمع.
كما جرى تكريم عدد ممن شاركوا في دعم بناء المسجد وخدمة المجتمع المسلم، تقديرًا لمساهماتهم في إنجاز المشروع.
المسجد الخمسون في المنطقة
ويحمل افتتاح مسجد «الأنجام» دلالة خاصة في زيلينودولسك؛ إذ أصبح رابع مسجد داخل المدينة، والمسجد الخمسين على مستوى منطقة زيلينودولسك، بحسب مصادر محلية، في مؤشر على اتساع البنية الدينية للمسلمين في المنطقة خلال العقود الأخيرة.
ويقع المسجد عند مدخل المدينة، وتبلغ مساحة مبناه نحو 638 مترًا مربعًا، ويتألف من طابقين. وتشير التفاصيل المنشورة إلى تخصيص الطابق الأول لنحو 300 مصلٍّ من الرجال، فيما يستوعب الطابق الثاني نحو 80 مصلية، ويمكن للمجمع استقبال قرابة 500 شخص خلال الأعياد والمناسبات الدينية وفق ترتيبات الاستخدام الموسع.
من حجر الأساس إلى الافتتاح
بدأت قصة المسجد بوضع حجر الأساس في 6 يناير/كانون الثاني 2022م، الموافق 3 جمادى الآخرة 1443هـ، بمبادرة من رجل الأعمال والمحسن المحلي أنفار مينولين، وشارك عدد من سكان المنطقة في دعم المشروع.
ولم يكن اختيار عام 2022م لبداية المشروع عابرًا؛ إذ تزامن مع إحياء تتارستان ذكرى مرور 1100 عام على اعتناق بلغار الفولغا الإسلام رسميًا سنة 922م (310هـ)، وهو الحدث الذي يمثل محطة مركزية في التاريخ الإسلامي لمنطقة الفولغا.
وفي 9 سبتمبر/أيلول 2022م، الموافق 13 صفر 1444هـ، رُفع الهلال على مئذنة المسجد، في خطوة مثّلت إحدى أهم مراحل اكتمال بنائه. وفي ذلك الوقت، كان المشروع قد أصبح معلمًا بارزًا في حي «ميرني» بمدينة زيلينودولسك.
ثم شهد المسجد خلال رمضان 1444هـ، الموافق مارس/آذار وأبريل/نيسان 2023م، إقامة صلاة التراويح فيه للمرة الأولى، قبل استكمال بقية مرافقه وتجهيزاته وصولًا إلى افتتاحه الرسمي عام 1448هـ/2026م.
ليس للصلاة وحدها

وصُمم المسجد ليؤدي دورًا يتجاوز إقامة الصلوات، إذ يضم ثلاثة فصول دراسية لتعليم أساسيات الإسلام، ومكتبة، وغرفة للإمام، بما يؤهله ليكون مركزًا للتعليم الديني وخدمة المسلمين في المنطقة.
كما جُهزت مرافق مستقلة للوضوء للرجال والنساء، ومداخل مخصصة، إلى جانب شبكات المياه والكهرباء والتدفئة والخدمات الضرورية.
وأقيم في فناء المسجد مبنى مستقل لاستضافة الإفطارات والمناسبات الاجتماعية والدينية، مثل عقود النكاح والمجالس، فيما تضم المنطقة المحيطة بالمسجد مرافق للأطفال ومساحات للأنشطة والترفيه.
كما يضم المجمع مرفقًا لخدمة الجنائز وتجهيز الموتى وتوفير الاحتياجات المتعلقة بالدفن، وهو ما يعزز دوره بوصفه مركزًا متكاملًا لخدمة المجتمع المسلم، وليس مجرد مبنى لإقامة الصلوات.
تتارستان.. ألف عام من الإسلام

ويأتي افتتاح المسجد ضمن سياق تاريخي أوسع؛ فالإسلام ليس ظاهرة حديثة في تتارستان، بل تضرب جذوره في المنطقة إلى قرون بعيدة، منذ اعتناق دولة بلغار الفولغا الإسلام رسميًا في 922م (310هـ).
وعلى الرغم من التحولات السياسية والحملات التي مرت بها المنطقة، ولا سيما خلال العهدين القيصري والسوفيتي، حافظ التتار على جزء كبير من هويتهم الإسلامية، لتشهد العقود التي أعقبت انهيار الاتحاد السوفيتي إعادة افتتاح وبناء المساجد والمدارس والمؤسسات الإسلامية.
وتشير المصادر المحلية إلى وجود نحو 1600 مسجد في جمهورية تتارستان حاليًا، في مشهد يعكس حجم التحول الذي شهدته الحياة الإسلامية في الجمهورية خلال العقود الأخيرة.
ومن هذه الزاوية، لا يمثل مسجد «الأنجام» مبنى جديدًا فحسب؛ بل حلقة أخرى في مسيرة استعادة المسلمين في تتارستان لمؤسساتهم الدينية، واستمرارًا لتاريخ إسلامي بدأ على ضفاف الفولغا قبل أكثر من أحد عشر قرنًا.






اترك تعليقاً