رغم أن مساحتها لا تتجاوز 25 كيلومترًا مربعًا، فإن مزارع شبعا تُعد من أكثر المناطق الحدودية إثارةً للجدل في الشرق الأوسط. فمنذ احتلالها عام 1967، تحولت هذه الرقعة الجبلية، التي كانت يومًا مصدر رزق للمزارعين ومراعي للأهالي، إلى عقدة سياسية وقانونية وأمنية تتقاطع فيها المصالح اللبنانية والسورية والإسرائيلية، وتُستحضر باستمرار في سياق الصراع الإقليمي وسرديات “المقاومة”. وبين تضارب الخرائط، وغياب الترسيم النهائي للحدود، واستمرار الاحتلال الإسرائيلي، بقيت مزارع شبعا ملفًا مفتوحًا تتجاوز تداعياته حدود ملكية الأرض لتطال موازين القوى في المنطقة.
في هذا التقرير، نسلط الضوء على الجذور التاريخية والقانونية لقضية مزارع شبعا، وأهميتها الجغرافية والاستراتيجية، وأسباب استمرار الخلاف حولها، إضافة إلى قراءة في التطورات الأخيرة وانعكاساتها على المشهدين اللبناني والسوري ومستقبل الصراع في المنطقة.
الخلفية التاريخية والوضع القانوني المعقد
يعود أصل الخلاف حول مزارع شبعا إلى فترة الانتداب الفرنسي، حين لم تُرسم الحدود بين لبنان وسوريا بصورة نهائية، ما أوجد حالة من الغموض بشأن السيادة على المنطقة. ومع احتلال “إسرائيل” لهضبة الجولان عام 1967، بسطت سيطرتها على مزارع شبعا، واعتبرتها جزءًا من الجولان السوري المحتل، لتتحول منذ ذلك الحين إلى إحدى أكثر القضايا الحدودية تعقيدًا في المنطقة.
ويتمسك لبنان بمطالبته بالسيادة على المزارع، مستندًا إلى وثائق ملكية وسجلات عقارية وشهادات محلية، إضافة إلى قرار صادر عن لجنة لبنانية-سورية مشتركة عام 1964 اعتبر المنطقة لبنانية. في المقابل، ورغم تأييد دمشق للموقف اللبناني في مراحل سابقة، فإنها لم تُنجز ترسيمًا رسميًا ونهائيًا للحدود يثبت تبعية المزارع للبنان وفق القانون الدولي. وقد أعاد الرئيس السوري أحمد الشرع الجدل إلى الواجهة بتأكيده وجود خلاف بين دمشق وبيروت حول تبعية المنطقة، مشددًا على أن الأولوية يجب أن تكون لتحريرها من الاحتلال الإسرائيلي قبل حسم مسألة السيادة.
أما ما يسمى “إسرائيل”، فتواصل اعتبار مزارع شبعا جزءًا من الجولان السوري الذي احتلته عام 1967، وترفض الانسحاب منها بموجب القرار 425 الخاص بجنوب لبنان، مؤكدة أنها تخضع للقرارين 242 و338 المتعلقين بالأراضي السورية المحتلة.
ويستند الموقف الأممي إلى الرؤية ذاتها، إذ تصنف الأمم المتحدة مزارع شبعا باعتبارها أراضي سورية محتلة، وترى أن الوثائق التي قدمها لبنان لا تكفي لتغيير الوضع القانوني القائم. كما دعت المنظمة الدولية مرارًا لبنان وسوريا إلى إنجاز ترسيم رسمي ونهائي لحدودهما، معتبرة أن هذه الخطوة تمثل الأساس القانوني لحسم النزاع حول المزارع.
الأهمية الاستراتيجية ودورها في الصراع

لا تقتصر أهمية مزارع شبعا على كونها منطقة حدودية متنازعًا عليها، بل تنبع أيضًا من موقعها الجغرافي الحساس الذي يربط بين جنوب لبنان والجولان السوري المحتل وشمال فلسطين المحتلة. فطبيعتها الجبلية وارتفاعها المشرف على مساحات واسعة من المنطقة يمنحانها قيمة عسكرية وأمنية كبيرة، إذ تتيح مراقبة التحركات على جانبي الحدود والسيطرة على طرق ومواقع استراتيجية.
وتُعد هذه الخصائص أحد الأسباب الرئيسية لتمسك “إسرائيل” بالسيطرة على المزارع، باعتبارها جزءًا من المنظومة الدفاعية المرتبطة بالجولان المحتل، فيما يرى لبنان أنها أرض محتلة ينبغي استعادتها ضمن أي تسوية مستقبلية.
في المقابل، شكّلت مزارع شبعا أحد أبرز المرتكزات التي استند إليها حزب الله لتبرير استمرار العمل المسلح بعد الانسحاب الإسرائيلي من جنوب لبنان عام 2000، إذ يؤكد الحزب أن الانسحاب لم يكن كاملاً في ظل بقاء المزارع تحت الاحتلال، ويعتبر تحريرها جزءًا من مهمة “المقاومة”. ومنذ ذلك الحين، تحولت القضية إلى عنصر أساسي في الخطاب السياسي والعسكري للحزب، كما أصبحت إحدى أبرز نقاط التوتر على الحدود اللبنانية-الإسرائيلية، حيث تتكرر فيها المواجهات والتصعيد العسكري بين الجانبين.
التطورات الأخيرة وتأثيرها
أعاد ملف مزارع شبعا إلى واجهة النقاش السياسي ما أدلى به الرئيس السوري أحمد الشرع في يونيو/حزيران 2026، إذ أكد أن بلاده لا تعتزم الخوض في حوار تفصيلي بشأن ترسيم الحدود مع لبنان في المرحلة الحالية، مشيرًا إلى أن قضية مزارع شبعا تظل من أكثر الملفات تعقيدًا بسبب استمرار الاحتلال الإسرائيلي من جهة، واستمرار الخلاف حول تبعيتها بين دمشق وبيروت من جهة أخرى.
وشدد الشرع على أن أولوية دمشق تتمثل في إنهاء الاحتلال الإسرائيلي للمزارع قبل الانتقال إلى بحث مسألة السيادة وترسيم الحدود، محذرًا من أن إثارة هذه الملفات في الوقت الراهن قد تفتح الباب أمام خلافات جديدة في المناطق الحدودية، لا سيما في ظل التداخل الجغرافي بين عدد من القرى والبلدات. ويعكس هذا الموقف توجهًا سوريًا يضع الملفات السيادية المؤجلة ضمن إطار مرحلة لاحقة، في وقت تركز فيه دمشق على إعادة ترتيب أوضاعها الداخلية بعد التغيير السياسي الذي شهدته البلاد.
ويرى مراقبون أن تأجيل البت في الوضع القانوني للمزارع يعني استمرار حالة الغموض التي أحاطت بالمنطقة لعقود، وهو ما يُبقي الملف حاضرًا في الحسابات السياسية والأمنية. كما أن غياب اتفاق لبناني-سوري نهائي بشأن تبعية مزارع شبعا يمنح مختلف الأطراف مساحة للاستمرار في توظيف القضية ضمن مواقفها السياسية والاستراتيجية، ويجعلها إحدى القضايا المؤثرة في مستقبل العلاقات اللبنانية-السورية، وفي أي تسوية محتملة للصراع على الحدود الجنوبية للبنان.
مزارع شبعا والصراع الإقليمي الأوسع
لا يمكن النظر إلى قضية مزارع شبعا بمعزل عن المشهد الإقليمي الأوسع، إذ تتقاطع مع ملفات سياسية وأمنية وإنسانية معقدة تتجاوز مسألة ترسيم الحدود بين لبنان وسوريا. فالعلاقات بين البلدين ما تزال مثقلة بملفات عالقة، أبرزها قضية النازحين السوريين، وضبط الحدود، والتنسيق الأمني، وهي قضايا ترى كل من بيروت ودمشق أنها تتطلب معالجة متوازنة ضمن إطار شامل يعيد تنظيم العلاقات الثنائية.
وفي الوقت نفسه، يبرز ملف مزارع شبعا ضمن الجهود الدولية الرامية إلى تهدئة الحدود اللبنانية-الإسرائيلية. فمع تصاعد التوتر في جنوب لبنان، تتواصل تحركات دبلوماسية، تقودها الولايات المتحدة وشركاء دوليون، لبحث ترتيبات أمنية تشمل انسحابًا إسرائيليًا من بعض المناطق الحدودية، مقابل تعزيز انتشار الجيش اللبناني وتنفيذ التزامات قرار مجلس الأمن 1701، وهي ترتيبات يبقى نجاحها مرتبطًا بمصير القضايا الحدودية العالقة، وفي مقدمتها مزارع شبعا.
كما تحتل المزارع موقعًا محوريًا في معادلة الصراع بين حزب الله و”إسرائيل”، إذ يعتبرها الحزب أرضًا لبنانية محتلة، ويستند إلى استمرار احتلالها ضمن مبررات الإبقاء على سلاحه. وفي المقابل، يرى خصومه أن حسم الوضع القانوني للمزارع، سواء عبر ترسيم الحدود أو التوصل إلى تسوية دولية بشأنها، قد يغير طبيعة الجدل الداخلي حول السلاح ودوره، ويؤثر في التوازنات السياسية والأمنية داخل لبنان، فضلاً عن انعكاساته على النفوذ الإقليمي للقوى المنخرطة في الصراع.
تحديات الحلول المستقبلية

يبقى التوصل إلى تسوية نهائية لقضية مزارع شبعا مرهونًا بجملة من التعقيدات القانونية والسياسية التي تراكمت على مدى عقود. ويُعد ترسيم الحدود بين لبنان وسوريا الخطوة الأساسية لحسم الجدل حول تبعية المنطقة، وهو مطلب كررته الأمم المتحدة على أساس تقسيمات الحدود التي فرضها الاحتلال الغربي على بلاد الشام الكبرى.
وفي هذا السياق، يمثل الموقف السوري أحد العناصر الحاسمة في مستقبل القضية. فبينما تؤكد دمشق أولوية إنهاء الاحتلال الإسرائيلي قبل الخوض في ملف السيادة، يرى مراقبون أن أي اعتراف سوري رسمي وموثق بلبنانية مزارع شبعا من شأنه أن يعزز الموقف اللبناني على الصعيد الدولي، ويمنح بيروت أساسًا قانونيًا أقوى للمطالبة باستعادتها.
في المقابل، تتمسك “إسرائيل” بموقفها القائل إن مزارع شبعا جزء من هضبة الجولان التي احتلتها عام 1967، وترفض التعامل معها باعتبارها أراضي لبنانية، الأمر الذي يجعل أي تسوية مرتبطة أيضًا بمسار الصراع العربي-الإسرائيلي ومستقبل الجولان المحتل.
ولا يقتصر تعقيد الملف على أبعاده الحدودية، بل يمتد إلى التوازنات السياسية والأمنية داخل لبنان، حيث ترتبط قضية المزارع بالنقاش المستمر حول دور حزب الله وسلاحه. فالحزب يعتبر استمرار الاحتلال الإسرائيلي للمزارع دليلًا على أن الأراضي اللبنانية لا تزال محتلة، في حين يرى خصومه أن حسم الوضع القانوني للمنطقة قد يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من الجدل الداخلي بشأن مستقبل السلاح ودوره في المعادلة اللبنانية.
وفي ظل تشابك هذه العوامل، تبدو مزارع شبعا أكثر من مجرد منطقة حدودية متنازع عليها؛ فهي تمثل عقدة تتقاطع عندها اعتبارات السيادة والقانون الدولي والأمن الإقليمي، ما يجعل الوصول إلى حل نهائي رهينًا بتفاهمات سياسية أوسع تتجاوز حدود لبنان وسوريا إلى مجمل ترتيبات الاستقرار في “الشرق الأوسط”.
الخلاصة
على مدار عقود، تحولت مزارع شبعا من منطقة زراعية عُرفت بخصوبة أراضيها واعتماد مئات العائلات على زراعتها ورعي مواشيها، إلى واحدة من أكثر بؤر النزاع تعقيدًا في “الشرق الأوسط”. وبين الاحتلال الإسرائيلي، والخلاف حول تبعيتها القانونية، وغياب الترسيم النهائي للحدود بين لبنان وسوريا، بقي أصحاب الأرض الخاسر الأكبر، بعدما حُرم كثير منهم من الوصول إلى أراضيهم واستثمارها، لتتحول المزارع من مصدر للإنتاج والتنمية إلى ساحة للصراع والتجاذبات الإقليمية.
ويرى مراقبون أن أي تسوية مستدامة لهذا الملف لا يمكن أن تتحقق إلا عبر مسار متكامل يبدأ بترسيم الحدود اللبنانية-السورية وفق قواعد القانون الدولي، ويترافق مع معالجة الوضع القانوني للمزارع وإنهاء الاحتلال الإسرائيلي لها، بما يضمن إعادة الحقوق إلى أصحابها ويزيل أحد أبرز أسباب التوتر على الحدود الجنوبية للبنان. لكن هذا الرأي يغفل حقيقة الاحتلال الإسرائيلي كعنصر يصنع الاضطراب وعدم الاستقرار بشكل مستمر في المنطقة بطموحاته التوسعية.
ورغم صغر مساحتها، فإن مزارع شبعا تجاوزت منذ زمن حدود كونها رقعة جغرافية متنازعًا عليها، لتصبح نقطة تتقاطع عندها اعتبارات السيادة، والأمن، والقانون الدولي، والتوازنات الإقليمية. وحتى تُحسم هذه العقدة سياسيًا وقانونيًا، ستظل المزارع إحدى أكثر القضايا حساسية في المشرق، وعاملًا حاضرًا في معادلات الصراع، بينما تبقى الأرض التي كانت يومًا رمزًا للزراعة والإنتاج رهينةً للخلافات الإقليمية وانتظار تسوية طال أمدها، ويبدو أنها لن تتحقق إلا بانتفاضة كاملة على واقع الشرق الأوسط الذي فرضه الاحتلال الغربي على ساكنيه.






اترك تعليقاً