مدينة سبتة العربية الإسلامية المحتلة.. البوابة الإفريقية المحاصرة بالأسلاك الأوروبية

مدينة سبتة

ثغور الجغرافيا وجراح التاريخ: سبتة.. البوابة الإفريقية المحاصرة بالأسلاك الأوروبية

تتربع مدينة سبتة على شبه جزيرة بركانية ناتئة في مياه البحر الأبيض المتوسط، مشكلة مع جبل طارق في الضفة الشمالية فكّي الكماش الجغرافي الذي يتحكم في الملاحة الدولية بين المحيط الأطلسي والبحر المتوسط. هذه الإطلالة الساحرة والأهمية الجيوستراتيجية الفائقة تحولتا عبر القرون إلى لعنة تاريخية وجرح سياسي نازف في خاصرة المغرب العربي الإسلامي.

تُصنف سبتة، رفقة شقيقتها مليلية والجزر الجعفرية، كآخر المستعمرات الأوروبية القابعة فوق التراب الإفريقي. تخضع للسيادة الإسبانية التي تصفها بـ”المدينة ذات الحكم الذاتي”، بينما يتمسك المغرب بهويتها المغتصبة ويرفض الاعتراف بشرعية الوجود الإسباني فوقها.

هذه المدينة، التي كانت منطلق الفتح الإسلامي للأندلس، تجسد اليوم التناقض الصارخ: إسبانيا (الإندلس) التي كانت عربية إسلامية لقرون طويلة، تحتل اليوم ثغرًا عربيًا إسلاميًا كان بوابة ذلك الفتح.

جذور الاحتلال: من الأندلس الإسلامية إلى التاج الإسباني

لم تكن سبتة مجرد مدينة عادية. في عام 711م (92هـ) انطلق منها القائد طارق بن زياد لفتح شبه الجزيرة الإيبيرية، فتحولت إسبانيا (الأندلس) إلى جزء من العالم الإسلامي لأكثر من سبعة قرون، مزدهرة حضاريًا وعلميًا واقتصاديًا تحت حكم الأمويين والمرابطين والموحدين وغيرهم.

ومع أفول نجم الحضارة الإسلامية في الأندلس وبداية ما سُمي بـ”حروب الاسترداد”، تحول الثغر الشمالي للمغرب إلى هدف مباشر للممالك المسيحية الأوروبية التي رأت في عسكرة جنوب المتوسط ضمانة لعدم تكرار سيناريو العبور الإسلامي صوب القارة الأوروبية.

سقطت المدينة أولًا في يد البرتغاليين في 21 أغسطس 1415م بقيادة الملك جون الأول (جواو الأول) وأبنائه، ومنهم الأمير هنري الملاح، في حملة مباغتة استغلت ضعف الدولة المرينية آنذاك. تحولت من منارة تجارية وثقافية إسلامية مزدهرة إلى أول قاعدة عسكرية أوروبية خلف البحار. طُرد غالبية السكان المسلمين وحُوّل المسجد الأعظم إلى كنيسة.

مع نشوء الاتحاد الإيبيري بين تاجي البرتغال وإسبانيا عام 1580م، انتقلت إدارة المدينة تلقائيًا إلى مدريد. وحين انفصلت البرتغال مجددًا عام 1640م، آثر حكام المدينة والمستوطنون البقاء تحت لواء التاج الإسباني، وهو الوضع الذي كُرّس رسميًا عبر معاهدة لشبونة عام 1668م.

على مر التاريخ لم يستسلم المغرب العربي الإسلامي لهذا الواقع. خاض السلاطين معارك شرسة لاستعادة المدينة، أبرزها “الحصار الأكبر” الذي فرضه السلطان المولى إسماعيل واستمر نحو ثلاثة عقود (1694-1727م) دون اقتحام الأسوار العسكرية الحصينة.

المسار القانوني: معاهدات فرضت بالقوة

  • معاهدة لشبونة (1668م) إبان فترة الدولة العلوية (الشرفاء العلويون): نقلت السيادة رسميًا من البرتغال إلى إسبانيا دون اعتراف من المسلمين.
  • معاهدة مراكش (1767م) إبان فترة الدولة العلوية: بين السلطان محمد بن عبد الله والملك كارلوس الثالث، نظمت التجارة والحدود، وأقرت بأن السيادة الإسبانية تقتصر داخل التحصينات بينما الأراضي المحيطة عربية إسلامية مغربية.
  • معاهدة واد راس (1860م) إبان فترة الدولة العلوية: بعد حرب تطوان وهزيمة المغرب، فرضت توسيع حدود سبتة بالقوة إلى المساحة الحالية (نحو 18.5-19 كيلومترًا مربعًا).
  • اتفاقيات الحماية (1912م) (معاهدة فاس) إبان فترة الدولة العلوية: فرضت الحماية الفرنسية على المغرب، ثم حدد الاتفاق الفرنسي الإسباني مناطق الحماية، حيث خضعت أجزاء من شمال المغرب وجنوبه للحماية الإسبانية، بينما بقيت سبتة ومليلية خارج نظام الحماية باعتبارهما تحت السيادة الإسبانية.
  • استقلال المغرب (1956م): إبان فترة الدولة العلوية أنهى نظام الحماية الفرنسية والإسبانية، لكن إسبانيا لم تنسحب من سبتة ومليلية، معتبرة أنهما لم تكونا جزءًا من منطقة الحماية الإسبانية، بل كانتا خاضعتين للسيادة والإدارة الإسبانية.

يرى المغرب أن هذه المعاهدات جرت تحت إكراهات تاريخية وضغوط استعمارية لا تلغي إسلامية الأرض، بينما تتمسك إسبانيا بها كوثائق تثبت سيادتها. لم تنفصل سبتة عن فضاء المغرب العربي الإسلامي برغبة سكانها أو باستفتاء، بل اقتُطعت بالقوة العسكرية في منعطف ضعف مريني(الدولة المرينية).

الدولة العلوية هي الأسرة الحاكمة في المغرب منذ القرن السابع عشر وحتى اليوم. وسُمِّيت “علوية” لأنها تنتسب، بحسب نسبها التقليدي، إلى علي بن أبي طالب من خلال الحسن بن علي، وليس لأنها تتبع المذهب الشيعي أو الطائفة العلوية.

الأهمية الجيوستراتيجية والتركيبة الديمغرافية

تكمن قيمة سبتة في جغرافيتها الضيقة (حوالي 18.5 كيلومتر مربع) التي تشرف مباشرة على مضيق جبل طارق، مانحة القوة المسيطرة قدرة مراقبة حركة السفن التجارية والعسكرية.

يعيش فيها نحو 83-85 ألف نسمة، مجتمع معقد ديمغرافيًا وثقافيًا: سكان ذوو أصول إسبانية مسيحية يمسكون بزمام الإدارة والجيش والوظائف، وعرب مغاربة مسلمون (أهل البلد الأصليون) يحمل كثير منهم الجنسية الإسبانية لكنهم يعانون فجوات في التنمية والتوظيف والتمثيل، ويتركزون في أحياء هامشية.

تشهد المدينة تعايشًا حذرًا تشوبه توترات عرقية، خاصة مع تصاعد خطابات اليمين المتطرف الإسباني الذي يرى في التحول الديمغرافي لصالح الكفة المسلمة “تهديدًا للهوية الإسبانية.”

جدار الفاصل.. عسكرة الجغرافيا وأزمات الهجرة

تطوق إسبانيا سبتة بسياج حديدي مزدوج يمتد نحو 8 كيلومترات، مدعم بأسلاك شائكة وكاميرات حرارية وأجهزة استشعار، كجزء من منظومة “أوروبا القلعة” لمنع الهجرة غير النظامية. هذا الجدار يفصل سبتة عن عمقها العربي الإسلامي المغربي الطبيعي (مدينة الفنيدق) ويحولها إلى نقطة تماس مشتعلة في الأزمات الدبلوماسية بين الرباط ومدريد.

في أواخر يوليو 2026 تدفق ما يقارب 50-60 ألف مغربي عبر البر والبحر في غضون ساعات قليلة، إثر شائعات عن فتح الحدود، ما حول شوارع المدينة إلى ساحات مواجهات مفتوحة ما اضطر مدريد لإرسال وحدات من الجيش الإسباني.

مدينة سبتة
عنصر أمن مغربي يلقي صخرة على شاب يحاول عبور الحدود المصطنعة

وأكدت صحيفة “إلباييس” الإسبانية انتشال 88 جثمانًا تعود للمغاربة الذين عبرو الحدود من البحر قبالة سبتة، بينما تتواصل عمليات البحث تحت الماء.

اقرأ أيضًا: مأساة سبتة تفتح سؤالًا مؤلمًا: أين الحكومة المغربية من عائلات المفقودين؟

الخناق الاقتصادي وسياسة “الأمر الواقع”

عاشت سبتة طويلًا على “التهريب المعيشي”، حيث كان آلاف المغاربة (وخاصة النساء) يدخلون يوميًا لنقل البضائع الإسبانية وبيعها في الأسواق المغربية المجاورة.

وفي نهاية 2019 أغلق المغرب معبر “تراخال” (باب سبتة) نهائيًا أمام الأنشطة التجارية والتهريب المعيشي وشيّد منطقة اقتصادية في الفنيدق كبديل. وأصيب اقتصاد سبتة بركود حاد.

ورغم رفض المغرب فتح جمارك تجارية رسمية سابقًا لأنه يعني اعترافًا ضمنيًا بالحدود الدولية لسبتة وشرعنة الاحتلال. إلا أنه وقع اتفاق مع إسبانيا لتشغيل الجمارك التجارية على الحدود مع مدينتي سبتة ومليلية المحتلتين، في إطار استئناف العلاقات بين البلدين، عام 2022م.

مستقبل الصراع: ملف مؤجل فوق صفيح ساخن

مستقبل الصراع: ملف مؤجل فوق صفيح ساخن

تتبنى المغربية سياسة تقوم على الاستمرار في المطالبة بسبتة ومليلية عبر الوسائل الدبلوماسية، وتعتبرهما جزءًا من قضايا استكمال وحدتها الترابية، وقد أدرجت ملفهما ضمن سياق تصفية الاستعمار في المحافل الدولية.

وفي الوقت نفسه، تتجنب الرباط أي مواجهة مباشرة، معتمدة على أدواتها الدبلوماسية والاقتصادية والتعاون الأمني مع إسبانيا والاتحاد الأوروبي. وفي المقابل تحاول إسبانيا تثبيت الأمر الواقع عبر دمج سبتة أكثر في المنظومة الأوروبية.

تبقى سبتة المحتلة، بأسوارها العتيقة وأسلاكها الشائكة الحديثة، شاهدًا حيًا على تناقضات الجغرافيا السياسية. مدينة تنبض بالهوية والتاريخ العربي الإسلامي، وتدار بقوانين التاج الإسباني، وتتطلع إليها عيون المهاجرين كبوابة نحو أوروبا.

صراع سيادي مؤجل، لكنه يثبت مع كل أزمة حدودية أنه بركان خامد قد ينفجر ليعيد رسم توازنات العلاقات بين ضفتي المتوسط.

إسبانيا التي نهضت بعد قرون من الحكم العربي الإسلامي في الأندلس، تحتل اليوم الثغر الذي كان بوابة ذلك الحكم.


مصادر رئيسية: سجلات تاريخية موثقة عن فتح طارق بن زياد (711م)، الغزو البرتغالي (1415م)، معاهدات لشبونة 1668 وواد راس 1860، بيانات المعهد الوطني الإسباني للإحصاء حول السكان، وتقارير إعلامية دولية عن أزمة الهجرة يوليو 2026.

https://ar.wikipedia.org/wiki/%D8%AD%D8%B5%D8%A7%D8%B1_%D8%B3%D8%A8%D8%AA%D8%A9_(1694%E2%80%931727)

https://en.wikipedia.org/wiki/Treaty_of_Wad_Ras

https://www.eldebate.com/sociedad/20260801/cambio-demografico-ceuta-ciudad-donde-inmigracion-esta-transformando-sociedad-espanola_445680.html

https://www.elpueblodeceuta.es/sec/politica/90-habitantes-gana-ceuta-ano_1_1146272.html

Comments

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *