في الثامن من أغسطس 1988، أُعلن رسمياً عن الاتفاق على وقف إطلاق النار في الحرب العراقية الإيرانية، ليدخل السريان الفعلي حيز التنفيذ في 20 أغسطس؛ ليستيقظ الطرفان والمنطقة على واقع أكبر عملية استنزاف مالي مقابل “قوة مُعارة”.
وما أشبه اليوم بالأمس؛ فكما أُنفقت الثروات في الثمانينيات على ترسانات عسكرية ومعدات ضخمة دون امتلاك شفرات تشغيلها أو الصيانة الذاتية لقطع غيارها، نرى اليوم هرولة جديدة نحو شراء أحدث الأنظمة التقنية والحلول الأمنية والدفاعية المغلقة؛ في وهمٍ معاصر بامتلاك “القوة والمنعة”، بينما تظل المفاتيح الفعلية للشفرات المصدرية وسلاسل التوريد محتكرة خلف الحدود.
وهنا نقف أمام التساؤل الحتمي: كيف تكرر المنطقة نفس خطأ السيادة المستعارة؟
هل كل شراء يجلب الأمان السيادي؟
تستورد الحكومات أنظمة تكنولوجية بموجب صفقات باهظة التكلفة دون امتلاك سيادة حقيقية عليها؛ إذ تدفع الأموال لقاء حيازة “قدرة تشغيلية سطحية” (User Capacity)، تقتصر المعرفة فيها على كيفية تشغيل الآلات، والنظم، والبرمجيات المستوردة للاستخدام اليومي. إنها المعرفة التي تكتفي بجعل الموظف أو التقني يضغط على الأزرار الصحيحة ويتتبع خطوات أدلة الاستعمال (Manuals) لضمان دوران النظام.
لتسقط الدول بذلك في فخ “التطور المظهراني عبر الشراء” (Shopping for Technology)؛ حيث تُبرم صفقات تشتري فيها التكنولوجيا دون امتلاك معرفتها، لتُكرّس نمط عقود “تسليم المفتاح” (Turnkey Systems)—مستلمةً المنظومة جاهزة دون القدرة على صيانتها ذاتياً أو فهمها برمجياً بعيداً عن العودة المستمرة للشركة المُصنعة، مما يُحول الاستثمار التكنولوجي من خطوة ونقلة سيادية إلى استنزاف مالي متواصل وعقد إيجار دائم للخدمة.
وهنا تتهاوى الأوهام التي تفترض أن الشراء التجاري لهذه الأنظمة يمنح المشتري أماناً قومياً؛ فالسيادة لا تُقاس بالقدرة التشغيلية في أوقات السلم، بل تُختبر في لحظات الصدمة الجيوسياسية (Geopolitical Turning Points). فحينها، لا يجد المشتري نفسه إلا أمام خيارين أحلاهما مرّ: إما الخضوع للإكراه والابتزاز السياسي (Political Coercion) المُمارَس من طَرف البلد المُصنّع أو الشركة الموردة لضمان استمرارية الخدمة، وإما المواجهة والتعرض للشلل الهيكلي (Structural Paralysis) عبر العزل الرقمي الصامت، أو تعليق التحديثات الحيوية، أو تفعيل ”زر الإيقاف” (Kill Switch)—مما يُعطل البنى التحتية والمؤسسات السيادية بضغطة زر واحدة، ودون حاجة لتحريك جندي واحد.
سيناريو نزيف الثمانينيات
كانت الحرب العراقية الإيرانية الاختبار الأبرز لخطورة العيش تحت مظلة ”القوة المُعارة” عبر الخضوع لمثلث التبعية: استنزاف للخزائن، غياب للتصنيع، وتعدد صوري في الموردين. إذ تشير التقديرات إلى أن الخسائر والتكاليف الإجمالية للحرب تجاوزت مئات الملايين من الدولارات، حيث أنفق الطرفان عشرات الملايين على شراء السلاح من نحو 53 دولة طوال سنوات القتال، في عملية نزيف مالي غير مسبوقة رُتبت تدفقاتها بعقود طويلة الأجل، مما خلّف على العراق وحده ديوناً فلكية تجاوزت 80 مليار دولار عند توقف القتال.
اعتمد العراق أساساً على الاتحاد السوفيتي، فرنسا، الصين، مصر، وألمانيا، بينما تنوعت مصادر إيران بين كوريا الشمالية، الصين، وسوريا، والولايات المتحدة سراً عبر صفقة “إيران-كونترا”. غير أن هذا التعدد لم يمنح حُرية القرار، بل خلق عجزاً لوجستياً في إدارة الترسانة وتوحيدها؛ فلم يكن تعدد الموردين طوق نجاة، بل لعبة مصالح يُباع فيها السلاح ظاهرياً مقابل مقايضة المشتري لاستقلاله الميداني وقراره السيادي بقطع الغيار وعقود الصيانة.
وقد كشف الصراع عن ثغرة عميقة تمثلت في غياب التصنيع العسكري الذاتي؛ ورغم المحاولات المتأخرة التي أُطلقت خلال سنين الحرب لبناء قاعدة تصنيع محلية، فإن ضغط الميدان والارتهان المباشر للاستيراد العاجل للعتاد الجاهز امتصا الخزائن والجهود، ليظل التصنيع محصوراً في نطاق التجميع والتعديل السطحي دون نفاذ معرفي لبناء تقنية مستقلة.
ليأتي القرار الأممي 598 ويقوم بعملية تجميد للصراع لا إنهائه، تاركاً الملفات الجوهرية (كالحدود، شط العرب، والتعويضات، والأسرى) معلقة بلا حلول جذرية، لتتحول إلى أوراق ضغط وابتزاز سياسي واقتصادي بيد القوى الدولية؛ فالمنطقة لم تكن تملك رفاهية مواصلة الحرب أو إنهائها، لأن “أزرار الإيقاف” الحقيقية كانت وما زالت في عواصم أخرى.
وللخروج من هذه الدوامة التي تُكرسها المؤسسات المُورّدة، والدخول الفعلي في إطار الاستقلالية الوطنية، لم يعد الشراء التجاري التقليدي كافياً؛ بل وجب إبرام عقود الشراء السيادية باشتراط الملكية الكاملة للشفرة المصدرية (Source Code) وتوفير الوثائق البرمجية الكاملة (Technical Documentation)، لنقل مهام الاختبار، الصيانة العميقة، والتفكيك للكوادر المحلية.
إن هذا التحول من عقود الصيانة الحصرية إلى امتلاك أدوات التشخيص وتوطين قطع التبديل هو الضمان الوحيد للاستمرارية الميدانية عند تفعيل الحظر السياسي أو قطع الإمداد اللوجستي؛ فالسلاح أو المنظومة التي لا تملك مفاتيح برمجتها وصيانتها بذاتك، تظل مجرد قوة مُعارة يُمكن إطفاؤها بضغطة زر من خارج الحدود.





اترك تعليقاً