مأساة منسية لمسلمي السنجق.. ماذا حدث للبوشناق في حاجيت؟

cdd4cfe1 dfd1 4fc4 84d7 478963677ae5 1536x865 1

في حيٍّ هادئ بمدينة نوفي بازار جنوب غربي صربيا، يجتمع مسلمون كل عام للدعاء لأشخاص قُتلوا قبل أكثر من ثمانية عقود. المكان يُعرف باسم «حاجيت»، لكنه بالنسبة إلى كثير من بوشناق السنجق ليس مجرد حي، بل اسم مرتبط بواحدة من أكثر صفحات تاريخهم الحديث إيلامًا وغموضًا.

وفي 4 سبتمبر/أيلول 2026، أحيت الجماعة الإسلامية في السنجق «يوم شهداء حاجيت»، بقراءة القرآن والدعاء للضحايا، وسط دعوات إلى حفظ الذاكرة.

لكن ما الذي حدث في حاجيت أصلًا؟ ولماذا لا يزال عدد ضحاياه، بعد أكثر من 80 عامًا، محل خلاف؟

السنجق.. منطقة مسلمة عند مفترق البلقان

image 46

السنجق منطقة تاريخية تمتد اليوم بين صربيا والجبل الأسود، وتُعد نوفي بازار أبرز مدنها ومركزًا تاريخيًا للبوشناق المسلمين.

وخلال الحرب العالمية الثانية، أصبح الإقليم ساحة شديدة التعقيد، تنازعت عليها قوات الاحتلال والمحور، والحركة الشيوعية اليوغوسلافية «البارتيزان»، وتشكيلات «التشيتنيك» الصربية، إلى جانب جماعات وقوات محلية.

وتعرض المسلمون في أنحاء من السنجق خلال الحرب لهجمات ومجازر على يد قوات تشيتنيك، بينما تشكلت في مناطق أخرى قوى مسلحة محلية للدفاع عن المدن والقرى، في سياق اختلطت فيه حماية السكان بالصراعات السياسية والتحالفات العسكرية المتغيرة.

ومع اقتراب نهاية الحرب، تغيّر ميزان القوة بصورة حاسمة.

ففي 28 نوفمبر/تشرين الثاني 1944 دخلت قوات البارتيزان مدينة نوفي بازار، وبدأت السلطة الشيوعية الجديدة بتثبيت سيطرتها على المنطقة. وهنا تبدأ قصة حاجيت التي بقيت حاضرة في ذاكرة مسلمي السنجق.

اعتقالات ثم إعدامات

تقول المصادر البوشناقية وشهادات محلية إن المرحلة التي أعقبت دخول القوات الشيوعية شهدت حملة اعتقالات استهدفت شخصيات من نوفي بازار ومناطق أخرى في السنجق، بينهم تجار ووجهاء وشخصيات سياسية ودينية وأشخاص اتُّهموا بالتعاون مع سلطات الحرب أو بمعارضة النظام الجديد.

ونُقل عدد من المعتقلين إلى السجون، ثم جرت عمليات إعدام في منطقة حاجيت، بعضها ليلًا وبعضها علنًا.

وتوجد بالفعل أسماء وتواريخ موثقة لأشخاص أُعدموا في تلك المرحلة. وينقل مؤرخون محليون عن كتاب «وقائع نوفي بازار في حرب التحرير الشعبية»، الصادر عام 1960، قائمة بأسماء أشخاص أُعدموا في ديسمبر/كانون الأول 1944 ويناير/كانون الثاني وفبراير/شباط ومارس/آذار 1945.

كما كشفت تقارير حديثة استندت إلى وثيقة قضائية من يناير/كانون الثاني 1945 عن حكم أصدرته محكمة عسكرية في نوفي بازار بإعدام 17 شخصًا رميًا بالرصاص، في دليل وثائقي على أن جانبًا من عمليات التصفية جرى تحت غطاء أحكام أصدرتها محاكم السلطة الجديدة.

لكن المصادر البوشناقية تؤكد أن كثيرًا من عمليات القتل الأخرى جرت بإجراءات مختصرة، أو من دون محاكمات معلنة وشفافة، وهو ما يجعل تحديد الحجم الكامل لما حدث أكثر صعوبة.

حاجيت يتحول إلى موقع للإعدامات

image 47

صورة نوفي بازار في نوفمبر 1944

كانت حاجيت آنذاك منطقة مفتوحة على أطراف نوفي بازار، وقد خلّف القصف الجوي الذي شهدته المدينة أثناء الحرب حفرًا كبيرة في الأرض.

وتقول شهادات وروايات محلية إن بعض تلك الحفر استُخدم لاحقًا لدفن أشخاص أُعدموا في المنطقة، وإن مواقع قبور جماعية محتملة بقيت مع مرور العقود من دون تحقيق أثري وقضائي شامل يحسم عدد المدفونين وهوياتهم.

وتصف الذاكرة الشعبية البوشناقية حاجيت باعتباره موقعًا لتصفية جزء من النخبة الاجتماعية والسياسية للمنطقة بعد الحرب، بينما لا تزال كيفية تصنيف كل من أُعدموا وأسباب استهدافهم مسألة تحتاج إلى بحث تاريخي أكثر دقة.

كم عدد القتلى؟

هذه إحدى أكثر نقاط القضية حساسية.

تقول الجماعة الإسلامية في السنجق، استنادًا إلى شهادات وبحوث محلية، إن عدد الذين قُتلوا في حاجيت بين عامي 1944 و1946 تجاوز 2500 شخص. وفي مصادر بوشناقية أخرى يتكرر رقم يزيد على 1500 قتيل. لكن الرقم ليس محسومًا أكاديميًا.

والسبب أن ملف حاجيت لم يخضع، بحسب المصادر المتاحة، لتحقيق أرشيفي وأثري شامل قادر على تحديد جميع الضحايا ومواقع الدفن وظروف كل عملية إعدام.

إعدام شخصيات بارزة

ومن أشهر الذين قُتلوا في حاجيت عاطف — أو «آتشيف» — حاجي أحمدوفيتش، أحد أبرز السياسيين المسلمين في نوفي بازار خلال الحرب، وأحمد داتسا.

وأُعدما علنًا في 21 يناير/كانون الثاني 1945. وتظهر الوثائق المتداولة أنهما كانا ضمن أشخاص أدانتهم محكمة عسكرية تابعة للسلطات الجديدة.

ولا يزال إرث حاجي أحمدوفيتش تحديدًا محل خلاف شديد؛ فالبوشناق الذين يدافعون عنه يشيرون إلى دوره في تنظيم الدفاع عن نوفي بازار أمام هجمات قوات التشيتنيك، بينما تصفه الرواية الصربية الرسمية والتقليدية كشخص تعاون مع قوى المحور خلال الحرب.

ولهذا فإن مأساة حاجيت أوسع من الجدل حول شخصية واحدة؛ فهي تتعلق كذلك بمئات الأشخاص الذين لم تحظ ملفاتهم أصلًا بما يكفي من البحث لتحديد طبيعة الاتهامات ضدهم، وما إذا كانوا قد حصلوا على محاكمات عادلة، أو أُعدموا ضمن موجة الانتقام السياسي التي رافقت تثبيت النظام الشيوعي سلطته في يوغوسلافيا.

لماذا يحيي المسلمون الذكرى في 4 سبتمبر؟

من المهم هنا التمييز بين تاريخ المجزرة وتاريخ إحياء ذكراها.

فالإعدامات الأساسية وقعت خلال الأشهر التي تلت نوفمبر/تشرين الثاني 1944، وليس في الرابع من سبتمبر.

أما اختيار 4 سبتمبر يومًا سنويًا لإحياء ذكرى ضحايا حاجيت، فيرتبط كذلك بأحداث عام 2010، عندما وقعت مواجهة بين المسلمين والشرطة الصربية على خلفية الدفاع عن أرض وقفية في منطقة حاجيت. ومنذ ذلك الحين أصبح اليوم مناسبة لإحياء ذكرى الذين قُتلوا في الحقبة الشيوعية والدفاع عن الموقع المرتبط بذاكرتهم.

وهكذا امتزجت في حاجيت ذاكرتان: ذاكرة قتلى الأربعينيات، وذاكرة الصراع الحديث على الأرض والوقف والهوية.

ذكرى هذا العام بطابع مختلف

اكتسب إحياء عام 2026 رمزية إضافية، لأنه جاء بعد أسابيع فقط من خطوة مهمة لإنهاء انقسام مؤسسي طويل بين المسلمين في صربيا.

ففي 14 أغسطس/آب وُقعت في نوفي بازار «وثيقة إعادة وحدة الجماعة الإسلامية»، في مسعى لإنهاء انقسام استمر منذ عام 2007 وأثر لسنوات في الحياة الدينية لمسلمي السنجق.

ولهذا أشار المفتي مولود دوديتش خلال مراسم حاجيت هذا العام على الوحدة، وقال إن ذكر الضحايا لا ينبغي أن يصبح وسيلة لخلق كراهية جديدة.

وقال أن البوشناق لا يطالبون بامتيازات من الدولة، بل بالعدالة والأمن والمساواة أمام القانون وحرية الدين والعيش بكرامة، داعيًا إلى مجتمع يتمتع فيه البوشناقي والصربي والألباني والغجري وغيرهم بالحماية نفسها.

تاريخ لم يُغلق ملفه بعد

قصة حاجيت ليست مجرد قصة عن قتلى مضى عليهم أكثر من ثمانية عقود.

إنها أيضًا قصة عن صعوبة كتابة التاريخ بعد الحروب، وعن الفارق بين الذاكرة الجماعية والوثيقة التاريخية، وعن ضحايا بقيت أسماء كثير منهم خارج السجلات العامة.

فهناك ما يكفي من الوثائق لإثبات وقوع إعدامات واسعة في نوفي بازار بعد وصول السلطة الشيوعية، وتوجد أسماء وتواريخ وأحكام إعدام وشهادات عن عمليات قتل في حاجيت.

لكن حجم المأساة الكامل لا يزال بحاجة إلى بحث مستقل في الأرشيفات، وتحديد مواقع الدفن، وفحص الوثائق القضائية والعسكرية، قبل الوصول إلى رقم نهائي للضحايا وتوصيف تاريخي دقيق لكل ما حدث.

وبالنسبة لمسلمي السنجق، فإن الانتظار نفسه جزء من القضية.

فبعد أكثر من ثمانين عامًا، يجتمع أبناؤهم وأحفادهم في المكان ذاته، مطالبين بشيء يبدو بسيطًا لكنه لم يتحقق كاملًا بعد:

أن تُعرف أسماء الذين قُتلوا، وأن يُعرف كيف قُتلوا، وأين دُفنوا، وأن يأخذ حاجيت مكانه في تاريخ المنطقة لا بوصفه روايةً متوارثة فقط، بل حدثًا موثقًا لا تضيع معه ذاكرة الضحايا.

Comments

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *