مأساة سبتة تفتح سؤالًا مؤلمًا: أين الحكومة المغربية من عائلات المفقودين؟

photo 2026 08 02 22 43 43

بينما لا تزال عائلات مغربية تنتظر أخبارًا عن أبنائها الذين فقدوا أثناء محاولات العبور من السواحل المغربية نحو سبتة، تتصاعد التساؤلات حول طريقة تعامل السلطات المغربية مع واحدة من أكثر مآسي الهجرة قسوة في المنطقة.

فالمشهد الإنساني لا يتوقف عند أرقام الضحايا التي تتغير مع استمرار عمليات البحث والانتشال؛ وراء كل مفقود أسرة تنتظر إجابة، وأم تبحث عن خبر يبدد قلقها، وأب يريد أن يعرف ما إذا كان ابنه حيًا أم أن البحر ابتلعه. وبحسب أحدث حصيلة نقلتها رويترز، ارتفع عدد الوفيات إلى 72 شخصًا، بعدما عُثر على خمس جثث إضافية قبالة الساحل، فيما تلقى أكثر من ألف شخص العلاج منذ بداية موجة العبور الجماعي.


عائلات تنتظر.. ومعلومات شحيحة

HOuDtNJX0AEiOyI

وفي الوقت الذي تحاول فيه الأسر الوصول إلى أي معلومة عن أبنائها، ظهرت في الأيام الماضية شهادات وتقارير عن عائلات تبحث عن مفقودين بعد محاولات العبور سباحة من المغرب إلى سبتة. وكانت تقارير محلية قد تحدثت قبل المأساة الأخيرة عن تزايد حالات اختفاء شباب مغاربة حاولوا الوصول إلى سبتة سباحة، وأن عائلاتهم لجأت إلى نشر صور أبنائها وأسمائهم أملاً في الحصول على أي معلومة بشأن مصيرهم.

وهنا يبرز السؤال الأكثر إلحاحًا: أين التواصل الرسمي المغربي مع هذه العائلات؟

ففي مثل هذه الكوارث، لا ينبغي أن يقتصر التعامل الرسمي على الجانب الأمني أو ضبط الحدود، بل يفترض أن يشمل أيضًا إبلاغ الأسر بمصير أبنائها، وتوضيح أعداد المفقودين والضحايا، وتنسيق عمليات التعرف على الجثامين وإعادتها إلى ذويها، وتقديم الدعم للعائلات التي تعيش حالة من الانتظار والقلق.

هل تحولت المأساة إلى قضية أمن حدود فقط؟

المشكلة أن التعامل مع الهجرة غير النظامية باعتبارها ملفًا أمنيًا فقط قد يحجب الجانب الإنساني للمأساة. فالشبان الذين حاولوا العبور ليسوا مجرد أرقام في إحصاءات الهجرة؛ إنهم مواطنون لهم أسر تنتظرهم. وحتى إذا كان عبور الحدود بصورة غير نظامية مخالفًا للقانون، فإن ذلك لا يلغي حق عائلاتهم في معرفة مصيرهم، ولا يعفي السلطات من مسؤوليتها في التواصل والبحث والاستجابة الإنسانية. وقد أظهرت المأساة حجم الأزمة؛ إذ تحدثت رويترز عن اندفاع أكثر من 50 ألف مهاجر باتجاه سبتة خلال الأحداث، فيما عاد معظمهم إلى المغرب خلال 48 ساعة، بينما قضى آخرون غرقًا أو خلال التدافع ومحاولات العبور.

وهذا الحجم الاستثنائي للأحداث يجعل الحاجة إلى معلومات رسمية دقيقة أكثر إلحاحًا، لا أقل.

الصمت الرسمي يزيد معاناة الأسر

إن غياب بيان حكومي مغربي واضح ومفصل بشأن المفقودين، يجعل المشكلة لا تتعلق فقط بالتواصل الإعلامي، وإنما بحق الأسر في المعرفة. ففي حالات الكوارث، يؤدي غياب المعلومات الرسمية إلى ترك العائلات أمام مصادر متفرقة، وشهادات متناقضة، وصور متداولة عبر مواقع التواصل الاجتماعي، وهو ما قد يزيد القلق ويجعل الأسر عرضة للشائعات. وكانت السلطات المغربية قد أظهرت في قضايا سابقة امتلاكها آليات رسمية للتعامل مع حالات الاختفاء؛ إذ قالت المديرية العامة للأمن الوطني، في مارس/آذار 2026، إن منظومة «طفلي مختفي» مخصصة للتبليغ عن حالات اختفاء الأطفال. ومن ثم، فإن السؤال المطروح ليس فقط: كم شخصًا مات؟ بل أيضًا: كم شخصًا ما يزال مفقودًا؟ ومن يتولى حصر أسمائهم؟ وهل أُبلغت عائلاتهم رسميًا؟ وما الإجراءات المتخذة للتعرف على الضحايا؟

مأساة تحتاج إلى إجابات لا إلى أرقام فقط

المسؤولية في هذه اللحظة لا تقتصر على المغرب وحده؛ فالمأساة وقعت على حدود بين المغرب وإسبانيا، وإسبانيا معنية كذلك بعمليات الإنقاذ والبحث والتعرف على الضحايا وإبلاغ ذويهم.

لكن موقع المغرب باعتباره نقطة انطلاق غالبية هؤلاء المهاجرين يجعله طرفًا أساسيًا في أي استجابة إنسانية، خصوصًا فيما يتعلق بالتواصل مع أسر المفقودين والتنسيق بشأن هويات الضحايا. كما أن ارتفاع عدد الوفيات إلى عشرات الأشخاص خلال فترة قصيرة يستدعي فتح تحقيق شفاف في ملابسات المأساة، ومعرفة كيف بدأت موجة العبور الجماعي، وكيف تعاملت السلطات على جانبي الحدود معها، وما الإجراءات التي اتُّخذت لإنقاذ الأشخاص الذين وجدوا أنفسهم في البحر.

السؤال الذي لا يمكن تجاهله لا تحتاج عائلات المفقودين إلى بيانات سياسية مطولة، بقدر حاجتها إلى الحقيقة. تريد أن تعرف: من تم إنقاذه؟ من نُقل إلى المستشفيات؟ من توفي؟ من لا يزال مفقودًا؟ وأين توجد جثامين الضحايا؟ ومتى يمكن للعائلات معرفة مصير أبنائها؟

إن ترك هذه الأسر في حالة انتظار، دون معلومات واضحة ومحدثة، يحوّل المأساة من كارثة إنسانية إلى أزمة ثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة. ولذلك، فإن المطلوب من الحكومة المغربية ليس فقط الحديث عن مكافحة الهجرة غير النظامية، بل تقديم كشف رسمي شفاف عن أعداد المفقودين والضحايا، وبيان ما تقوم به السلطات للبحث عنهم، والتواصل المباشر مع عائلاتهم، وفتح تحقيق في ملابسات المأساة.

فوراء كل رقم اسم، ووراء كل اسم عائلة تنتظر. وفي مثل هذه اللحظات، لا يكون الصمت حيادًا؛ بل قد يكون أشد ما يؤلم من الخبر نفسه.

Comments

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *