يمكن النظر إلى ما يجري اليوم بين الولايات المتحدة وإيران على أنه انتقال إلى مرحلة “لا سلام ولا حرب”؛ وهي حالة لا تصل إلى اتفاق شامل، لكنها أيضًا لا تنزلق إلى مواجهة مفتوحة ومستدامة.
فبعد أشهر من الضربات المتبادلة، والهجمات على القواعد والسفن، والتوتر في مضيق هرمز، اتجه الطرفان إلى وقف إطلاق نار هش ترافق مع مفاوضات غير مستقرة وتهديدات مستمرة بالعودة إلى التصعيد. ورغم الحديث المتكرر عن قرب التوصل إلى تفاهم، لا تزال الخلافات الجوهرية قائمة حول البرنامج النووي الإيراني، والعقوبات، والدور الإيراني في المنطقة، ومستقبل الملاحة في مضيق هرمز.
اللافت أن واشنطن وطهران تبدوان غير راغبتين في حرب شاملة، لكنهما في الوقت نفسه غير مستعدتين لتقديم التنازلات اللازمة لصنع سلام حقيقي. فالولايات المتحدة تواصل سياسة الضغط العسكري والاقتصادي مع الإبقاء على خيار الضربات العسكرية مطروحًا، بينما تحاول إيران الحفاظ على أوراق قوتها الإقليمية وعدم الظهور بمظهر الطرف الذي رضخ للشروط الأمريكية.
هذا الواقع الجديد يشبه إلى حد كبير نماذج الصراع الطويل التي شهدها العالم خلال الحرب الباردة؛ حيث يستمر الردع المتبادل والاشتباك غير المباشر دون الوصول إلى معركة فاصلة. فبدلًا من المواجهة المباشرة، أصبحت المعركة تدور عبر العقوبات، والحصار البحري، والطائرات المسيّرة، والحرب السيبرانية، والضغوط الاقتصادية، والمفاوضات المتقطعة.
كما أن هناك عوامل تدفع الطرفين إلى تجنب الحرب الكاملة. الولايات المتحدة تدرك أن أي صدام واسع قد يهدد إمدادات الطاقة العالمية ويرفع أسعار النفط بصورة حادة، بينما تدرك إيران أن مواجهة مباشرة طويلة مع القوة العسكرية الأمريكية قد تفرض عليها كلفة هائلة سياسيًا واقتصاديًا وعسكريًا.
لذلك فإن المشهد الحالي لا يبدو متجهًا نحو سلام دائم أو نصر حاسم لأي طرف، بل نحو توازن توتر طويل الأمد: مفاوضات مستمرة، وقف إطلاق نار قابل للانهيار، ضربات محدودة عند الحاجة، وضغوط متبادلة تهدف إلى تحسين شروط التفاوض أكثر من حسم الحرب.
الخلاصة: ما يتشكل اليوم ليس سلامًا بين واشنطن وطهران، ولا حربًا شاملة، بل نظام ردع وصراع منخفض الوتيرة يحاول فيه كل طرف استنزاف الآخر سياسيًا واقتصاديًا مع تجنب الانفجار الكبير الذي قد يشعل المنطقة بأكملها.






اترك تعليقاً