في الشرق الأوسط، لا تموت الجغرافيا.. قد تتغير الحكومات، وتتبدل التحالفات، وتتطور الأسلحة، لكن بعض التلال والمرتفعات تظل قادرة على فرض نفسها على خرائط الحروب جيلاً بعد جيل.
هكذا تبدو قلعة الشقيف اليوم
بعد أكثر من ربع قرن على انسحاب إسرائيل من جنوب لبنان عام 2000، عاد اسم القلعة التاريخية ليتصدر المشهد مجدداً، عقب إعلان وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس، اليوم الأحد، رفع العلم الإسرائيلي فوقها، بالتزامن مع توسيع العمليات العسكرية شمال نهر الليطاني.
الحدث في ظاهره سيطرة عسكرية على موقع أثري، أما في جوهره، فهو يكشف عن معركة أعمق تدور حول من يمتلك “عين الجنوب”، ومن يسيطر على أكثر النقاط قدرة على مراقبة الحركة العسكرية في المنطقة الممتدة بين الليطاني والزهراني.
قلعة عمرها قرون.. وحرب عمرها عقود
تتربع قلعة الشقيف فوق تلة صخرية شاهقة شرق مدينة النبطية، على ارتفاع يسمح لها بالإشراف على مساحات واسعة من جنوب لبنان وشمال فلسطين المحتلة ، تعاقبت عليها إمبراطوريات وجيوش منذ العصور القديمة، مرّ بها الرومان، وحصّنها الصليبيون الذين أطلقوا عليها اسم “بوفور” أو “الحصن الجميل”، ثم استعادها صلاح الدين الأيوبي، قبل أن تنتقل لاحقاً إلى المماليك، لكن التاريخ الحديث منحها هوية مختلفة تماماً.
فمنذ سبعينيات القرن الماضي تحولت القلعة من معلم أثري إلى عقدة عسكرية حساسة، استخدمتها الفصائل الفلسطينية كنقطة متقدمة، ثم أصبحت أحد أبرز ميادين المواجهة خلال الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982، قبل أن تتحول إلى قاعدة إسرائيلية متقدمة طوال سنوات الاحتلال. اليوم، وبعد أكثر من أربعة عقود، تعود القلعة إلى مركز الأحداث وكأن الزمن لم يتحرك.
لماذا يريدها الجيش الإسرائيلي؟
عندما تُراجع الخرائط العسكرية للمنطقة، يتضح أن قيمة الشقيف لا ترتبط بالماضي بقدر ما ترتبط بالمستقبل، فالقلعة لا تمنح من يسيطر عليها مجرد موقع مرتفع، بل تمنحه قدرة استثنائية على الرصد والمراقبة والتحكم، فمن فوق أسوارها يمكن متابعة الحركة في محيط النبطية ويحمر الشقيف وزوطر والطيبة ودير سريان والقنطرة والخردلي، وهي مناطق تمثل عقداً أساسية في أي عمليات عسكرية جنوب لبنان.
المعضلة بالنسبة لإسرائيل أن هذه الجغرافيا نفسها كانت دائماً بيئة مثالية لحرب العصابات، فالقوات النظامية تستطيع الوصول إلى المرتفعات والسيطرة عليها مؤقتاً، لكن الاحتفاظ بها يختلف تماماً عن اقتحامها، ولهذا لا ينظر خبراء عسكريون إلى رفع العلم الإسرائيلي فوق القلعة باعتباره إنجازاً نهائياً، بل خطوة ضمن معركة أكبر تتعلق بتأمين خطوط الإمداد والسيطرة على المجال المحيط بها.
ما وراء الليطاني
اللافت في التحرك الإسرائيلي الأخير أنه يأتي متزامناً مع تجاوز القوات الإسرائيلية لنهر الليطاني، وهو الخط الذي شكّل لعقود مرجعاً أمنياً وعسكرياً في جنوب لبنان، فمنذ صدور القرار الدولي 1701 عقب حرب 2006، ارتبط الليطاني بفكرة المنطقة العازلة ومنع الوجود المسلح جنوبه، لكن العمليات الأخيرة توحي بأن إسرائيل باتت تتعامل مع المعركة بمنطق مختلف، فبدلاً من الاكتفاء بالدفاع الحدودي، تسعى إلى إنشاء حزام عملياتي أوسع يمتد إلى نقاط استراتيجية في العمق اللبناني.
ضمن هذا التصور تصبح الشقيف جزءاً من شبكة سيطرة مترابطة تضم المرتفعات والممرات الحيوية وخطوط الحركة بين الجنوب والبقاع الغربي.
القلعة التي تحكم ولا تسيطر
رغم الأهمية العسكرية الهائلة للموقع، فإن خبراء الاستراتيجية العسكرية يحذرون من الخلط بين السيطرة على القلعة والسيطرة على محيطها، فالشرق الأوسط مليء بأمثلة الجيوش التي احتلت المرتفعات وخسرت الأرض المحيطة بها. المشكلة الأساسية في الشقيف أن الموقع محاط بتضاريس معقدة من التلال والوديان والقرى المتشابكة، ما يجعل أي وجود ثابت عرضة للاستنزاف، وتاريخ القلعة نفسه يقدم الدليل، فإسرائيل احتفظت بها سنوات طويلة خلال فترة احتلال الجنوب، لكنها لم تتمكن من تحويلها إلى ضمانة أمنية دائمة، وفي نهاية المطاف انسحبت من المنطقة كلها عام 2000 رغم سيطرتها على المرتفعات الحاكمة.هنا يبرز السؤال الأهم: هل تغيرت المعادلة اليوم؟
من القلاع إلى المسيرات
قد تبدو السيطرة على قلعة تعود إلى القرون الوسطى أمراً رمزياً في عصر الطائرات المسيّرة والأقمار الصناعية، لكن الواقع العسكري يقول شيئاً مختلفاً، فالحروب الحديثة لم تُلغ أهمية الجغرافيا، بل أعادت تعريفها. المسيّرات تحتاج إلى نقاط مراقبة وتوجيه، والقدرات الاستخبارية تعتمد على مواقع الرصد المتقدمة، والتحكم بالنيران يتطلب امتلاك مواقع تمنح رؤية ميدانية واسعة، ولهذا لا تزال الشقيف تحتفظ بقيمتها رغم مرور مئات السنين على بنائها.. إنها ليست مجرد قلعة حجرية، بل منصة إشراف طبيعية يصعب استبدالها بالتكنولوجيا وحدها.
هل يعود “الشريط الأمني”؟
السؤال الذي يتردد في الأوساط اللبنانية اليوم لا يتعلق بالشقيف فقط، بل بما تمثله، فكلما تقدمت القوات الإسرائيلية داخل الجنوب وسيطرت على مرتفعات جديدة، عاد إلى الأذهان نموذج “الشريط الأمني” الذي حكم جنوب لبنان بين عامي 1985 و2000. صحيح أن الظروف السياسية والعسكرية تغيرت، لكن فكرة إنشاء منطقة نفوذ أو حزام أمني لا تزال حاضرة في النقاشات الاستراتيجية، غير أن التحدي الأكبر أمام أي مشروع من هذا النوع يتمثل في أن الأرض نفسها التي تمنح أفضلية دفاعية للجيش الإسرائيلي، تمنح في الوقت ذاته فرصاً واسعة لحروب الاستنزاف والمقاومة غير التقليدية.
المحصلة، لا تبدو معركة الشقيف معركة على قلعة أثرية بقدر ما هي معركة على الجغرافيا اللبنانية نفسها، فالقلعة ليست الهدف الحقيقي، بل ما تكشفه وما تحجبه، وما تمنحه من قدرة على الرؤية والتحكم، ولهذا السبب بالذات لم تغب عن أي حرب كبرى شهدها الجنوب منذ عقود.





اترك تعليقاً