بدأت التوترات بين القبائل وميليشيا الحوثي والتحشيد القبلي في “مطرح الريان” بمحافظة الجوف (شرقي اليمن) بعد اعتقال الشيخ حمد بن فدغم الحزمي من قبل ميليشيا الحوثي على خلفية نجدته ووقوفه علنا مع السيدة “ميرا صدام حسين” التي ادعت أنها ابنة رئيس العراق السابق صدام حسين.
بدأت القصة، بحسب ما تداولته وسائل إعلام يمنية، حين استنجدت ميرا صدام حسين بالشيخ حمد بن فدغم الحزمي، وهو أحد زعماء قبائل محافظة الجوف، وشكت له قيام ميليشيا الحوثي بالسطو على منزلها الكائن في صنعاء ونهب ممتلكاتها، مطالبة باسترداد منزلها، فاستجاب الشيخ لندائها. وأدى ذلك الموقف إلى استياء لدى ميليشيا الحوثي تجاهه، وانتهى باعتقاله هو وميرا صدام حسين.
وبعد اعتقاله، احتجت قبائل محافظة الجوف (قبائل دهم) على احتجاز الشيخ والسيدة ميرا، وبدأت بالتجمع في منطقة اليتمة شمال محافظة الجوف للضغط على الحوثيين من أجل الإفراج عنهما.
ونقلت صحيفة يمن مونيتور عن مصادر محلية أن عددًا من مشايخ الجوف المحسوبين على الجماعة تواطؤوا في احتجاز الشيخ حمد، قبل أن تتصاعد القضية وتثير جدلًا واسعًا في الرأي العام، وتشكل ضغطًا قبليًا متزايدًا. كما أفادت بعض المصادر بأن الشيخ تعرض لضغوط للموافقة بمنح المرأة منزلًا آخر غير منزلها.
“نّكف الكرامة”.. إطلاق سراح الشيخ وارتفاع حدة التوترات
وأطلقت الجماعة سراح بن فدغم بعد 50 يوما من اعتقاله، ولم يطلق سراح ميرا حتى هذه اللحظة بحسب المعلومات التي استطعنا الوصول إليها، وخرج بن فدغم معلنا “نكف الكرامة”، وهو نداء يمني معروف لطلب النصرة والنجدة، مانحا مهلة تنتهي اليوم الجمعة، بعد أن كانت مساء أمس الأربعاء.
وشهدت منطقة الريان وصولاً حاشداً لعدد كبير من كبريات القبائل اليمنية التي أعلنت مساندتها وتلبيتها للنداء، ومن ضمنها: قبائل بني نوف، والمرازيق، وذو محمد، ووائلة، وعبيدة، ومراد، وجهم، ونهد، والعوامر، والكرب، والصيعر، والمناهيل، والمهرة، وخولان الطيال، وأرحب، وبني ضبيان، إلى جانب وفود وممثلين بارزين توافدوا من محافظات أبين، وشبوة، وإب.
آخر التطورات
وتواصل القبائل التواجد في “مطرح الريان” لليوم الثامن، معلنة أنها لن تنفض حتى تحقيق مطالبها.
وتداول ناشطون عبر مواقع التواصل الاجتماعي مقطع فيديو يظهر فيه الشيخ حمد بن فدغم يؤكد فيه أن مطالب القبائل لا تحمل أي أبعاد سياسية أو عسكرية، قائلاً: “لدينا مطلب واضح وهو الإفراج عن المرأة وإيصالها إلى المطرح، أما الشرعية والتحالف فلديهم طائرات وقوة عسكرية، ولا علاقة لنا بأي معركة أو تحرير”.
وأضاف: “المطرح القبلي سينفض في لحظات وبمجرد تلبية هذا المطلب والتحكيم فيه”.
وكانت وزارة الداخلية التابعة لميليشيا الحوثي قد نفت نسبة ميرا إلى صدام حسين، ونشرت في مايو بيانًا قالت فيه إن هذه السيدة يمنية الجنسية. وبغض النظر عن جنسية المرأة ونسبها، فإنها في نظر القبائل امرأة لها مظلمة وتريد استرداد حقها، لذا رفض شيخ القبيلة إنهاء التصعيد إلى حين استرداد المرأة لحقها.
وفي هذا السياق يقول الصحفي والمحلل السياسي مأرب الورد:
“تبدو كثير من التحليلات التي تحاول تأطير القضية في إطار سياسي أو عسكري انعكاساً لتطلعات مشروعة لدى كثير من اليمنيين الذين أنهكتهم الحرب، وأصبحوا يتشبثون بأي تحرك قبلي أو شعبي باعتباره فرصة لمواجهة الحوثيين. غير أن هذه الرغبات، على مشروعيتها، لا تعني أنها تعكس الهدف الحقيقي الذي اجتمعت القبائل من أجله، وهو ما يقتضي الفصل بين ما يطمح إليه البعض، وبين ما أُعلن رسمياً بوصفه الهدف المباشر للنكف القبلي، ما لم تطرأ في الأيام المقبلة تطورات تغير من طبيعة المشهد.
وهنا يبرز السؤال الأهم: هل سيستجيب الحوثيون للمطلب القبلي المتمثل في تمكين المرأة من الوصول إلى أرض القبائل وإنهاء القضية، أم أنهم سيواصلون التعامل معها بالأسلوب نفسه؟
للإجابة عن هذا السؤال، لا بد من قراءة موقف الحوثيين خلال الفترة الماضية؛ فمن الواضح أنهم تعاملوا مع القضية باعتبارها ملفاً أمنياً يمسّ هيبة سلطتهم، أكثر من كونها قضية ظلم تعرضت له امرأة استنجدت بالقبائل. وفي المقابل، حاولوا إظهار القضية وكأنها انتهت بعد إعلانهم نتائج ما قالوا إنها فحوصات للحمض النووي (DNA)، رغم أن هذه الرواية لم تؤدِّ إلى إنهاء الجدل ولم تُنهِ حالة الاحتشاد القبلي.
لكن هل يعني هذا أن الحوثيين لا يشعرون بالضغط؟
المعطيات على الأرض تشير إلى العكس تماماً؛ فالقضية تطورت من نزاع بين امرأة وفارس مناع، الذي استخدم نفوذه وعلاقته بقيادات في الجماعة، إلى قضية قبلية تجاوزت حدود قبائل دهم، وأصبحت قضية رأي عام تتفاعل معها قبائل من مختلف المحافظات. ولم تعد القضية اليوم مرتبطة بقطعة أرض أو نزاع شخصي، بل ارتبطت بمعاني الكرامة والعرض وواجب نصرة المظلوم في العرف القبلي.
وتكشف طريقة تعامل الحوثيين مع الملف خلال الأسابيع الماضية عن إدراكهم لحساسية القضية وما قد تتركه من تداعيات اجتماعية وأمنية، إلا أن غرور القوة والشعور بالقدرة على فرض الأمر الواقع قد يدفعهم إلى التقليل من حجم هذه التداعيات، رغم أن القضية تحوّلت بالفعل من خلاف محدود إلى قضية وطنية يتابعها اليمنيون باهتمام.
وفي هذا السياق، تبدو محاولات الحوثيين حصر النقاش في مسألة فحوصات الحمض النووي أو إثبات عدم وجود صلة نسب بالرئيس صدام حسين، بعيدة عن جوهر القضية. فالمسألة، بالنسبة للقبائل، لا تتمحور حول إثبات النسب من عدمه، وإنما حول امرأة تقول إنها تعرضت للظلم، واستنجدت بهم، فاستجابت تلك القبائل لما تفرضه عليها الأعراف القبلية من واجب النصرة والإنصاف.” انتهى النقل.





اترك تعليقاً