قضية فلسطين بين الحقّ والخداع!

غرّد الكاتب الفلسطيني أدهم شرقاوي، قبل أيام، منشورًا يقول فيه: (أخطرُ إلهٍ عُبد من دونِ الله هو فلسطين)! وانهالت عليه التعليقات والهجوم بسبب هذه التغريدة، ولكن بماذا قابلهم؟ بحذف المنشور.
قول الحق، عباد الله، يلزمه شخصٌ لا يخاف في الله لومة لائم، خاصةً في زمانٍ نحن أحوج ما نكون فيه لبيان الحق، وهو من مسؤوليتنا إن كنّا نملك علمًا أن نبلّغ ونحذّر، وننهى عن المنكر ونأمر بالمعروف.

ولكنّ كثيرًا منّا لا يتحمّل تبعات قول الحق، أما علم أن رسول الله ﷺ قال:«لا يَحْقِرَنَّ أحدُكم نفسَه أن يرى أمرًا لله فيه مقالٌ فلا يقولُ فيه، فيُقال له يوم القيامة: ما منعك أن تقول فيه؟ فيقول: مخافةَ الناس، فيقول الله: فإيّايَ كنتَ أحقَّ أن تخاف»؟

ولذلك، فالأولى ألّا يُحذَف مثل هذا القول إذا كان قائمًا على حُجّة وبيان، ولعلّ ما وقع من أدهم شرقاوي يُنظَر إليه من هذا الباب، لا سيّما أنّ أصل كلامه – فيما يظهر – ليس مخالفًا لشرع الله، بل له وجهٌ معتبر في باب العقيدة،
وتحديدًا فيما يتعلّق بتقديم ما لا يجوز تقديمه على الدين.

وهنا لا بد من توضيح مهم حتى لا يُفهم الكلام في غير موضعه: إنّ قضية فلسطين قضية إسلامية عادلة، وهي من أعظم قضايا الأمة، ولا ينكر ذلك إلا جاهل أو معاند. لكن الإشكال ليس في القضية، بل في طريقة تعامل بعض الناس معها.

فما نراه اليوم – وبشكل واضح – أنّ هناك من لم يعد يزن الأمور بميزان الدين، بل صار يقدّم القضية على حساب عقديته وولائه لله ولرسوله وللمؤمنين. فنرى من يبرّر الخطأ، ويغضّ الطرف عن الانحراف، ويقدّس الأشخاص أو التنظيمات، فقط لأنهم مرتبطون بهذه القضية، أو لأنهم يدعمونها!

وهنا مكمن الخطر!

لأنّ الدين لم يجعل هذه الأرض المباركة صنمًا يُقدّس، ولا قضيةً تُقدَّم على حساب العقيدة، بل جعلها قضية تُنصر ضمن ميزان الشرع وميزان الحقّ، فالله سبحانه لم يذكر فضل هذه الأرض لنعبدها، ولا لنجعلها معيار الحق، بل لنعرف مكانتها ضمن الدين، لا فوقه.

ولهذا فإن التحذير من هذا الانحراف ليس طعنًا في فلسطين، ولا تقليلًا من شأنها، بل هو في حقيقته حماية لها من أن تتحوّل إلى شعار يُرفع بلا ميزان.
فالمسلم الصادق يجمع بين أمرين: ينصر القضية العادلة، ويحفظ في الوقت نفسه ميزان العقيدة دون أن يختل أو أن ينحرف!

وأما الخلط بين “نصرة القضية” و”تقديسها” حتى تُقدَّم على الدين، فهنا يأتي الخلل الذي ينبغي التنبيه عليه.

وفي هذا المقال، أردتُ أن أنبّه على بعض النقاط التي قد يراها البعض غير مهمّة، أو أنّ هذا ليس وقتها، لكننا نراها مهمّة، بل أشدّ أهمية في مثل هذا الوقت. خاصةً في ظل ما نعيشه اليوم؛ فالمسجد الأقصى مغلق منذ شهر، وقرارات الإعدام تصدر بحق أسرانا البواسل – فكّ الله أسرهم ونجّاهم من مكر الصهاينة –.

ومن هنا، تأتي الحاجة الملحّة إلى إعادة ضبط البوصلة والغاية في خضم هذه الأحداث المتسارعة في كل مكان، وألّا ننشغل بالعاطفة على حساب الأصول. بل لا بد أن نعيد التركيز على الأصل الذي تُبنى عليه كل القضايا: وهو العقيدة، وما يتبعها من تحقيقٍ صحيحٍ للولاء والبراء!

وهنا أريد أن أوضّح مسألة مهمّة: أنّ عداوة اليهود والصليبيين للإسلام والمسلمين أمرٌ لا خلاف فيه، فهي عداوة ظاهرة بيّنة، نعرفها وندرك حقيقتها.

فهم لا يبالون بقتل امرأةٍ أو طفل، ولا بسرقة أرض، تحقيقًا لأهوائهم وعقائدهم المنحرفة. وهذا عدوّ أخبرنا الله تعالى عنه صراحةً في كتابه الكريم، فقال: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ [المائدة: 82].

وفي المقابل، هناك عدوّ آخر لا يُلتفت إليه كما ينبغي، وهو عدوّ خفيّ، يُظهر خلاف ما يُبطن، ولا يصرّح بعداوته بنفس وضوح غيره.

أعني بذلك (الرافضة)، الذين يتجلببون بجلباب نصرة القضية الفلسطينية، ويخفون تحت طياته عداءً مستحكماً وبغضاً دفيناً. ألا يكفيكم كشفاً لحقيقتهم أنهم يرمون أم المؤمنين -المبرأة من فوق سبع سماوات- بما برأها الله منه؟ ويشتمون خيار الأمة من الصحابة الأفذاذ -رضي الله عنهم- ويطعنون في أصول الدين وكتاب رب العالمين؟ إن دماء المسلمين المسفوكة في العراق واليمن وسوريا ولبنان شاهدةٌ على زيف ادعاءاتهم.

يا من تملأ قلوبكم الغيرةُ على مسرى رسول الله ﷺ؛ دعوني أكشف لكم ما تخبئه الصدور ممن يقدسهم البعض اليوم ويخلعون عليهم ألقاب ‘الشهادة’ و’المقاومة’ والمجاهدين، بل ويعادون إخوانهم من أهل السنة لأجلهم! إن هؤلاء يعتقدون في أدبياتهم وعقائدهم ومراجعهم -كما أثبت محققهم الشيعي لعنه الله- جعفر مرتضى العاملي من جنوب لبنان، وهو المعتمد لدى ‘خامنئي’ ونظام ولاية الفقيه- أن المسجد الأقصى المبارك ليس هو الذي في فلسطين، بل يزعمون كذباً وزوراً أنه في السماء الرابعة!

وانظروا كيف يُزوّرون الحقائق على لسان الصحابة:
نسبوا أقوالًا إلى الصحابي الجليل علي بن أبي طالب – لعنهم الله – وصرّحوا أنّ هدفهم سياسي محض. أي أنّهم لا يعترفون بمسجدنا الأقصى، بل وصفوه بأوصاف مهينة، مثل أنّه “مسجد قمامة” أو “مسجد عمر”، أي أنّهم يكرهونه ويبغضونه!

بل أكثر من ذلك، هم أشدّ من يوالي الصهاينة والصليبين على هدمه. وعندما سُئلوا عن القدس، قالوا صراحة: “ما تسوى ولا قيمة”!

فيا فلسطيني أو يا مسلم، على هذا الأساس، هل ستنصرونهم؟ هل ستقدّمون الولاء لمن يسيء لعقيدتكم ويطعن في الصحابة والأئمة، لمجرّد أنّهم يظهرون نصرة لقضية فلسطين؟ أنا جئتكم لأخاطبكم في عمق القضية الفلسطينية نفسها: القضية لا تُنصر إلا بالوعي الكامل، وبإقامة ميزان شرع الله، وعدم المحاباة في عقيدة الولاء، ولا بالانبهار بمظاهر النصرة الزائفة! 

نحن لا نريد النقاش، ولا الجدل، ما نريده هو وضع النقاط على الحروف في الحروب، من دون تحريفٍ أو انحراف عن منهاج النبوّة. فالحروب، كما وصفها رسول الله بالخدعة، وجاءت لتمييز الخبيث من الطيب، وللكشف عمّن يحمل في صدره إيمانًا صادقًا، ومن إيمانًا يهتز عند المدلهمة والخطب.

قال الله تعالى: ﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَىٰ مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ حَتَّىٰ يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾ [آل عمران: 179].

وأولئك الذين تحزنون عليهم وتنصاروهم تحت حجة أنهم ناصروا القضية الفلسطينية، هذا خلل واضح في العقيدة. فلتعلموا أنّ الهالك حسن نصر الله لم ينصر غزة ولا القضية الفلسطينية، بل نصر الخميني ودعوته ومشروعه، وهو وحركة أمل الشيعية ذبح الفلسطينيين في لبنان وسوريا. وهذا تاريخ لا يُمحى.

كما جاء في مقال سابق للدكتورة ليلى، حول مقابلات مع بعض الشيعة: فنصرة فلسطين بالنسبة لهم أداة ووسيلة وليست غاية.
 
فلتكن هذه الحقيقة واضحة: فلسطين بالنسبة لهم لا شيء، هي أداة يُستغلونها للتحكم بكم وتحقيق مشاريعهم السياسية.

وقالت الدكتورة ليلى أيضًا: “ومع أنّ الخميني بحاجة إلى أهل فلسطين لإرساء أركان دعوته ومشروعه، إلا أنّه لا يتزلف لهم بإخفاء عقيدته الحقيقية عنهم، وهذا ما نراه اليوم بوضوح!

⏺️ عقيدة الولاء والبراء لا مجاملة فيها، مهما حاولتم التقريب بين السني والشيعي تحت شعار القضية الفلسطينية. ومع قرارات الإعدام بحق الأسرى – ونخصّ في ذلك أسرى غزة والمجاهدين – هل رأينا الرافضة تتكلم عنهم؟ هل رأيناهم يتخلون عن عقائدهم ويؤمنون بما تؤمنون، كما تفعلون أنتم؟
قال الله تعالى واصفًا هذا الحال في كتابه الكريم: ﴿هَٰأَنْتُمْ أُولَاء تُحِبُّونَهُمْ وَلَا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ [آل عمران: 119].
هم في نظرهم أنتم كفار، وأنتم مخالفون، ولا تحبون أهل البيت وآله، فقط لأنكم لم تجعلوا عليًّا رضي الله عنه بمرتبة الإله، ولأنكم تحبون أبي بكر وعمر رضي الله عنهما.

⏺️ وقد ورد عن الإمام أحمد بن حنبل، كما نُقل في “الرد على الزنادقة والجهمية”: “ما رأيت أقوامًا أشد حقدًا على الإسلام من الرافضة، فقد صاروا عونًا لليهود والنصارى على المسلمين في كل زمان ومكان.”

📕 وقال ابن الجوزي في “تلبيس إبليس”: “الرافضة هم أشد الناس ضلالًا، وهم أبعد عن الحق من اليهود والنصارى، لأنهم يدّعون الإسلام ويتبعون أهواءهم في التفريق بين المسلمين.”

وكخاتمة لهذا المقال، ومع الكلام المتداول على الألسنة، بل مع من يتكلمون بغير علم، يقولون:

إن خطر اليهود أشدّ من خطر الرافضة، ويضيفون: لماذا هذا التشدد؟ ألم يجب ألا نتكلم عن هذا الأمر طالما أهل السنّة ليسوا في حالة تمكين؟

  • الجواب: وهل يجب أن تكون السنّة في حالة تمكين حتى نتكلم عن خطر المجوس؟ أم سننتظر دفاع إيران عن مصالحها لنقول: “هي أقل خطر”؟ وهي عينها على مكة تحت مشروعها الخبيث ولاية الفقيه؟ أم ننتظر حتى تُهان أمتنا مرارًا وتكرارًا ويُسبّ الصحابة حتى نقول: “ليس بخطر”؟

ثمّ: أنت سُنّي… وقد قام الروافض بتكفيرك، بل اجتهدوا اجتهادًا كبيرًا في تكفير المسلمين، وزعموا أنهم جاؤوا إلى سوريا لمحاربة الكفر، ومع ذلك لم يتركوا نفوذًا أو ارتالًا من جيشهم الكافر إلا وسفكوا دماء أهل السنّة في لبنان وسوريا والعراق، وما زالت سجونهم مكتظة. فهل يمكنك بعقلك المقارنة؟
كلاهما خطر، وكلاهما يجب اقتلاعهم، وإزالة وإزاحة الروافض من طريق الأمة فيه مصالح كثيرة لنا! وهنا تكمن الحكمة.

إن الرافضة يشكلون خطرًا أكبر على الإسلام من اليهود – لعنهم الله ومكنا منهم – اليهود كفرهم واضح بيّن للمسلمين، بينما العدوّ الباطني أشد على الأمة!

وهنا موطن الاختبار والتمييز، إن فقهنا وفطنتنا له: هناك من يسيرّه عاطفته، وهناك من يسيرّه بصيرته، وشتّان بينهما!

وختمًا، تحرّروا من التبعية، وتحرّروا من التقديس الأعمى، فإن العقيدة لا تتبدّل ولا يُحابى بها أحد. إن أردتم نصرةً مؤزَّرة، فاتبعوا شريعة الله وسنة نبيه، وانصروه حقًّا، ولا تقفوا متفرّجين، ولا تلهوكم المظاهر ولا الأهواء. فالحقّ ثابت، والواجب عليكم أن تكونوا للحقِّ أهله، واللسان واليدان والسلوك على وفقه.

والحمد لله ربّ العالمين، ما كان من صواب فمن الله، وما كان من خطأ فمن أنفسنا ومن الشيطان، والله من وراء القصد.

تابع هذه المدونة على Mastodon أو Fediverse لتلقي التحديثات مباشرةً في تلقيمك.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *