قراءة في التطورات الميدانية والاستراتيجية في سوريا ولبنان

يشهد عام 2026 تحولات جيوسياسية وعسكرية واقتصادية متسارعة، تتجلى في صراعات ميدانية، وتنافس دولي على طرق التجارة، وصفقات إقليمية تعيد تشكيل ملامح “الشرق الأوسط”. نستعرض فيما يلي أبرز هذه التطورات وأبعادها الاستراتيجية المحتملة.

أولاً: المسار العسكري والميداني المباشر

الاجتياح والتوغل الإسرائيلي في سوريا

image 10

شهد الجنوب السوري توغلاً إسرائيلياً ملحوظاً تمثل في إقامة تسع قواعد عسكرية، اكتمل بناء سبع منها، بينما العمل جارٍ على قاعدتين إضافيتين. يأتي هذا التوسع في ظل غياب كامل للجيش والشرطة السورية. ومن أبرز الأحداث الميدانية، قيام قوات خاصة إسرائيلية بتفخيخ وتفجير مسجد الداغستاني التاريخي في مدينة القنيطرة بتاريخ 24 أبريل 2026. كان الهدف من هذه العملية تحويل موقع المسجد، الذي يعود تاريخه للقرن التاسع عشر ومبني من حجر البازلت الأسود، إلى قاعدة عسكرية.

ملف الأسلحة الكيميائية السورية

أعلنت الولايات المتحدة الأمريكية رسمياً عن استلام كميات جديدة من مخزون الأسلحة الكيميائية السورية. وقد تمت هذه العملية بتنسيق ودعم مباشر من الرئيس السوري أحمد الشرع، مما يشير إلى دور محوري له في هذا الملف الحساس.

عملية “الظلام الأبدي” في لبنان

في 8 أبريل 2026، شنت قوات الاحتلال الإسرائيلي هجوماً جوياً مكثفاً على لبنان، شاركت فيه 50 طائرة حربية ألقت 160 قنبلة خلال دقيقة واحدة. استهدفت هذه العملية شل منظومات الاتصال ومراكز القيادة وتدمير البنية التحتية اللبنانية. تبع ذلك تقدم بري للقوات الإسرائيلية التي تجاوزت نهر الليطاني نحو صيدا، مترافقة مع إصدار أوامر إخلاء عسكرية شملت 20% من مساحة لبنان. وفي المقابل، واصل حزب الله استخدام الطائرات المسيرة لاستهداف التجمعات الإسرائيلية جنوباً، إلا أن هذه الضربات لم تنجح في كبح التقدم الإسرائيلي أو إجباره على الانسحاب.

ثانياً: التنافس الدولي على خطوط النقل البرية البديلة

تحولت المنطقة إلى ميدان صراع لتمرير ثلاثة مشاريع طرق برية موازية، تهدف جميعها إلى ربط آسيا بأوروبا لتفادي الممرات البحرية المضطربة. هذه المشاريع هي:

1. طريق باكستان الجديد (المحور الإيراني)

يمتد هذا المسار الجغرافي من باكستان مروراً بإيران، العراق، السعودية، سوريا، وتركيا وصولاً إلى أوروبا. تدعم إيران وحزب الله هذا المشروع بهدف فرض الخط الإيراني كعصب ومشغل أساسي للحركة التجارية في المنطقة.

2. طريق أمريكا و”إسرائيل”

ينطلق هذا الطريق من فلسطين المحتلة ويمر عبر لبنان، سوريا، وتركيا وصولاً إلى أوروبا. تسعى واشنطن وتل أبيب من خلاله إلى إنشاء بديل بري كامل يستغني عن الممرات المائية الحيوية مثل مضيق هرمز وقناة السويس.

3. الطريق الثالث (المحور الهندي الموازي)

يبدأ هذا المسار من الهند بحراً إلى الإمارات والسعودية، ثم ينتقل عبر شبكات السكك الحديدية والموانئ الإسرائيلية، ويكمل طريقه عبر لبنان، سوريا، وتركيا نحو أوروبا. يهدف هذا الخط البديل إلى ربط دول الخليج بالموانئ الإسرائيلية لضمان تدفق السلع برياً وتأمين خطوط الإمداد.

ثالثاً: الأبعاد السياسية والاقتصادية والصفقات الإقليمية

  • الدبلوماسية الإيرانية والوساطة العُمانية

تحرك وزير خارجية إيران نحو سلطنة عُمان طالباً التوسط مع دول الخليج لعقد صلح. يقوم هذا الصلح المقترح على تفعيل شبكة الطرق المدعومة من الصين، مقابل رفض دول الخليج للمشروع البري الأمريكي-الإسرائيلي.

  • المكاسب الاستراتيجية لتركيا

تتبنى أنقرة موقف المراقب المستفيد من هذه التطورات، نظراً لأنها تمثل الممر البري الإلزامي والحلقة الأخيرة لأي من المشاريع الثلاثة المتنافسة. هذا الموقع يحول تركيا مستقبلاً إلى ما يشبه “قناة سويس برية”، مما يعزز من نفوذها الاستراتيجي.

  • صفقة الغاز والطاقة في الساحل السوري

بدأت عمليات استكشاف النفط والغاز الطبيعي في البلوك رقم 3 (حوض الشمال قرب اللاذقية) بواسطة شركات أمريكية وفرنسية، بوساطة ورعاية قطرية. تشير التقديرات التسويقية إلى مخزون ضخم يبلغ 122 تريليون قدم مكعب من الغاز و17 مليار برميل من النفط. يُفسر هذا الحراك الاقتصادي كـ “مكافأة وثمن تثبيت” للنظام السوري الجديد بقيادة أحمد الشرع، مقابل السكوت عن التحركات والاحتلال الإسرائيلي للجنوب وتسهيل تمرير مشاريع الطاقة الدولية.

رابعاً: السيناريوهات المستقبلية المتوقعة

1. ولادة الشرق الأوسط الجديد

يتوقع أن تشهد المنطقة إعادة صياغة للواقع الإقليمي بناءً على أنظمة جديدة. يعتمد هذا السيناريو على الطرق البرية كبديل للممرات البحرية المهددة بالصواريخ والميليشيات، بالتزامن مع قضم “إسرائيل” لمساحات واسعة في غزة، وجنوب سوريا، ولبنان لتأمين حدودها ومشاريعها.

2. مخاطر الحرب الأهلية في لبنان

يواجه لبنان تهديداً حقيقياً بالانزلاق نحو حرب داخلية. قد تشتعل هذه الحرب إما عبر “الفوضى الخلاقة” التي قد تشعلها “إسرائيل” لإنهاك حزب الله وتغيير هوية البلد، أو قيام الحزب نفسه بإشعالها واعتماد سياسة “الأرض المحروقة” في حال شعوره باليأس والانسداد العسكري.

3. مستقبل الدولة السورية

يتوقع تراجع دور سورية السياسي وتحويلها جغرافياً إلى مجرد “ممر بري لوجستي” لخدمة التجارة العالمية وحركة الطاقة الدولية. يهدف هذا التحول إلى تقليص قيمة طريق الحرير الصيني ومضيق هرمز الإيراني، مما يغير من مكانة سورية الإقليمية والدولية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *