في اليوم العالمي لضحايا الاختفاء القسري.. واقع يتكرر: إنسان يُمحى من السجلات وتُترك أسرته معلّقة بين الحياة والموت

62a3fa5c 469d 4c22 afa1 085f41929c41

في الثلاثين من أغسطس/آب من كل عام، يحيي العالم اليوم الدولي لضحايا الاختفاء القسري؛ لكن المناسبة في كثير من بلدان العالم الإسلامي لا تستدعي ذكرى جريمة انتهت، بل تفتح ملفًا لا يزال ينزف: آلاف الأشخاص الذين اقتيدوا – ليلا أو نهارًا – من بيوتهم أو الشوارع أو نقاط التفتيش أو أماكن عملهم، ثم أنكرت الجهات التي اعتقلتهم وجودهم، أو أخفت أماكن احتجازهم، أو قطعت عنهم الاتصال بالعالم الخارجي، تاركة وراءهم أسرًا لا تعرف هل تنتظر عودتهم أم تبدأ الحداد عليهم.

ويكتسب يوم 30 أغسطس/آب 2026 دلالة خاصة، إذ يتزامن مع مرور عشرين عامًا على اعتماد الاتفاقية الدولية لحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري. واختارت الأمم المتحدة للمناسبة شعار: «الضحايا أولًا.. تحرّكوا الآن»، في وقت تؤكد فيه أن الاختفاء القسري ما زال يُرتكب في جميع مناطق العالم على يد أنظمة وحكومات تنتمي للأمم المتحدة نفسها، وأن مئات الآلاف اختفوا خلال فترات الصراع والقمع في ما لا يقل عن 85 دولة معترف بها في العالم.

ورغم مرور عقود على إنشاء آليات الأمم المتحدة الخاصة بالاختفاء القسري، ما زال السؤال نفسه يتردد من فلسطين وسوريا والعراق واليمن ومصر وليبيا والسودان، إلى باكستان وبنغلاديش وتركستان الشرقية: أين هم؟

ليست «حالة فقدان».. بل جريمة تقوم على محو الإنسان من واقعه

الاختفاء القسري لا يعني ببساطة أن شخصًا أصبح مفقودًا. وفق التعريف الدولي، تقوم الجريمة عندما يُحرم شخص من حريته على أيدي موظفي دولة، أو جهات تعمل بإذنها أو دعمها أو قبولها، ثم يُنكر احتجازه أو يُرفض الكشف عن مصيره أو مكان وجوده، بما يضعه خارج حماية القانون. وقد يمتد الأمر ساعات أو أيامًا أو سنوات؛ والعنصر الحاسم هو إخفاء حقيقة الاحتجاز أو المصير.

ولهذا يوصف الاختفاء القسري أحيانًا بأنه من أكثر الانتهاكات قسوة؛ لأنه يجمع في جريمة واحدة انتهاكات عديدة: الحرية والأمان، والسلامة الجسدية، والمحاكمة العادلة، والحماية من التعذيب، والاعتراف بالشخص أمام القانون، والحق في معرفة الحقيقة، وقد ينتهي بانتهاك الحق في الحياة نفسه إذا قُتل المختفي وأُخفيت جثته. وإذا ارتُكب الاختفاء القسري في إطار هجوم واسع أو منهجي ضد السكان المدنيين، فإنه يرتقي إلى جريمة ضد الإنسانية.

والضحية هنا ليست المختفي وحده. بل إن أفراد أسرته أيضًا من الضحايا؛ فالزوجة التي لا تستطيع إثبات وفاة زوجها ولا حياته، والأم التي تنتظر طرقًا على الباب أعوامًا، والأطفال الذين يكبرون دون أن يعرفوا مصير أبيهم، جميعهم يعيشون امتدادًا للجريمة. فالأعباء النفسية والمالية والإدارية الهائلة التي تتحملها الأسر، تجعل من النساء والفتيات الأكثر تأثرًا وبصورة خاصة عندما يكون المختفي هو المعيل الرئيسي للأسرة.

فلسطين.. الاعتقال الذي قد يتحول إلى اختفاء إلى أجل غير مسمى

image 188

في فلسطين المحتلة، أصبح ملف المعتقلين من قطاع غزة واحدًا من أوضح الأمثلة الحديثة على التداخل بين الاعتقال بمعزل عن العالم الخارجي والاختفاء القسري.

ففي يونيو/حزيران 2025، وجّه خبراء أمميون رسالة إلى السلطات الإسرائيلية بشأن ما وصفوه بالاختفاء القسري والاحتجاز التعسفي لعاملين أساسيين في القطاع الصحي بغزة. وأشارت المعلومات التي تلقوها إلى اعتقال أكثر من 250 من العاملين الصحيين منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023، وبقاء نحو 150 منهم قيد الاحتجاز آنذاك، مع جهل مصير ومكان وجود عدد منهم. كما تضمنت المعلومات اتهامات واسعة بالتعذيب والعنف الجسدي والنفسي والجنسي والإهمال الطبي والتجويع.

وفي تقرير أممي صدر في 2026 عن حالة حقوق الإنسان في الأرض الفلسطينية المحتلة، قال مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان إن الاستخدام الروتيني للاعتقال الإداري، والاحتجاز دون تهمة أو محاكمة، عرّض الفلسطينيين للاحتجاز التعسفي والتعذيب وغيره من سوء المعاملة و«الاختفاء القسري». وسبق لخبراء الأمم المتحدة أن شددوا على أن رفض الاعتراف باحتجاز الفلسطيني أو إخفاء مكانه عن أسرته والجهات ذات المصلحة القانونية تتوافر فيه عناصر الاختفاء القسري.

ولا يعني وجود المعتقل داخل منظومة سجون معروفة أن خطر الاختفاء يزول؛ فالإنسان قد يكون محتجزًا لدى دولة، ومع ذلك لا تعرف أسرته أين يوجد، ولا يستطيع محام الوصول إليه، ولا تعترف الجهة المسؤولة بمكانه. هنا تحديدًا تبدأ المسافة الخطيرة بين «الاحتجاز» و«الاختفاء».

سوريا.. تغيّر السلطة وبقي السؤال: أين عشرات الآلاف؟

image 187

سجن صيدنايا .. “المسلخ البشري”

ربما يكون الملف السوري أحد أثقل ملفات المفقودين والمختفين في المنطقة. سقوط منظومات أمنية أو تبدل سلطات السيطرة لا يعيد المختفين تلقائيًا، ولا يجيب عن سؤال الأسر التي مضت عليها سنوات وهي تبحث في السجون والمقابر الجماعية والسجلات.

ولهذا لا تزال «المؤسسة المستقلة المعنية بالمفقودين في الجمهورية العربية السورية» التابعة للأمم المتحدة، في 2026 تعقد اجتماعات مع أسر الضحايا ومنظمات المجتمع المدني لتطوير آليات البحث عن المفقودين والمختفين قسرًا، ما يعكس حجم الملف الذي لم يُغلق بانتهاء مرحلة سياسية وبدء أخرى.

والأهم أن المسألة ليست حصرًا إرثًا من الماضي. ففي تحديث أممي صدر في 2026 عقب زيارة إلى الحسكة، تلقى فريق حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة شهادات عن حالات قتل واختفاء قسري واحتجاز تعسفي، بينها إفادات من أسر قالت إن أقاربها اختفوا أثناء احتجازهم لدى «قوات سوريا الديمقراطية» قسد أو قوات التحالف الدولي. وجاء ذلك بالتزامن مع نقل آلاف المعتقلين من شمال شرقي سوريا إلى العراق.

وفي أحدث تقاريره عن سوريا، رحب الفريق الأممي المعني بالاختفاء القسري بإنشاء آليات وطنية للمفقودين والعدالة الانتقالية، لكنه أشار أيضًا إلى أن ملف الحالات القديمة ما زال مفتوحًا وإلى ورود اتهامات عن حالات اختفاء جديدة بعد ديسمبر/كانون الأول 2024.

وبذلك تصبح العدالة الانتقالية بلا كشف لمصير المختفين عدالة ناقصة؛ فلا يكفي فتح أبواب السجون، بل ينبغي فتح الأرشيف، وحماية مواقع المقابر الجماعية، وفحص الحمض النووي، وتحديد هويات الجثث، ومساءلة من أمر ونفّذ وأخفى الأدلة.

مصر.. من الاختفاء القصير إلى سنوات من الغياب

image 189

في مصر، ما زالت منظمات دولية توثق استخدام الاختفاء القسري ضد أشخاص محتجزين لأسباب سياسية. وتقول منظمة العفو الدولية إن قوات الأمن، بما فيها قطاع الأمن الوطني، واصلت خلال 2025 إخضاع محتجزين للاختفاء القسري أو الاحتجاز بمعزل عن العالم الخارجي، بينما ظل التعذيب وغيره من ضروب المعاملة السيئة أمرًا متكررًا في السجون وأقسام الشرطة ومرافق الأمن الوطني.

ولم يتوقف الأمر في 2026. ففي يوليو/تموز، وثقت العفو الدولية اعتقال ما لا يقل عن 50 شخصًا على خلفية صلتهم بمجموعة شبابية على منصة «ديسكورد»، وحققت في حالات ستة رجال قالت إنهم تعرضوا للاختفاء القسري لفترات تراوحت بين ستة و40 يومًا.

أما في شمال سيناء، فقد أثارت رسالة مشتركة لخبراء أمميين في أبريل/نيسان 2026 اتهامات أشد خطورة تتعلق بسنوات عمليات مكافحة الإرهاب: اختفاءات قسرية، واحتجاز سري، وتعذيب، وقتل غير مشروع، إضافة إلى الكشف عن مقبرة جماعية قيل إنها تحتوي على رفات نحو 300 شخص. وأشارت الرسالة إلى اتهامات بتورط قوات أمن مصرية وميليشيات قبلية مدعومة حكوميًا، مع تعرض المجتمعات البدوية بصورة غير متناسبة لهذه الانتهاكات.

هنا تظهر إحدى أخطر بوابات الاختفاء القسري في العالم: تحويل الاستثناء الأمني إلى نظام دائم. يبدأ الأمر باعتقال «لأسباب أمنية»، ثم يُحجب المعتقل عن أسرته ومحاميه، ثم يظهر بعد أسابيع في نيابة أو سجن أو حتى مقبرة جماعية، وكأن الفترة التي اختفى خلالها لم تكن جريمة قائمة بذاتها.

اليمن.. جريمة لا يحتكرها طرف واحد

image 190

في اليمن، تكشف الصورة عن مأساة أخرى: تعدد الجهات التي تمارس الانتهاك.

فبحسب «هيومن رايتس ووتش»، واصلت أطراف النزاع خلال 2025، ومن بينها سلطات الحوثيين، والحكومة اليمنية، وقوات مدعومة من الإمارات مثل المجلس الانتقالي الجنوبي والقوات المشتركة، ارتكاب الاعتقال التعسفي والاختفاء القسري والتعذيب وسوء معاملة المحتجزين. وتحدثت المنظمة عن مئات اليمنيين المحتجزين في مراكز رسمية وغير رسمية.

وبعيدا عن حملة الاعتقالات الحوثية التي بدأت في مايو/أيار 2024 ضد موظفين في الأمم المتحدة ومنظمات مدنية وسفارات وشركات، ظل عشرات المحتجزين اليمنيين محرومين من التواصل مع أسرهم أو الحصول على حق في الدفاع عن أنفسهم أو متابعة أخبارهم. ولم يجد هؤلاء صوتا كما وجده موظفو الأمم المتحدة للحديث عن مأساتهم.

وقيمة هذا المثال أنه يمنع تحويل القضية إلى أداة سياسية انتقائية: ضحية الاختفاء القسري لا تتغير حقوقها بتغير شعار الجهة التي ينتمون لها. السلطات مطالبة بكشف السجون، وسلطات الأمر الواقع مطالبة بذلك، والقوات التابعة أو المدعومة من قوى خارجية لا تكتسب حصانة لأنها تعمل ضمن تحالف عسكري أو أمني.

العراق.. آلاف الرجال والفتيان وحق مؤجل منذ سنوات

image 191

في العراق، لا يزال إرث الحروب ومكافحة تنظيم «الدولة» والميليشيات والانقسامات الأمنية يلقي بظله على آلاف الأسر.

وفي أغسطس/آب 2026، قالت منظمة العفو الدولية إن عائلات آلاف ضحايا الاختفاء القسري ما زالت محرومة من الحقيقة والعدالة. وأشارت تحديدًا إلى آلاف الرجال والفتيان الذين اعتُقلوا تعسفيًا أو اختُطفوا واختفوا بعد العمليات العسكرية ضد تنظيم «الدولة»، ومن بينهم ما لا يقل عن 643 شخصًا اختفوا بعد اختطافهم من الصقلاوية بمحافظة الأنبار عام 2016، ولا يزال مصيرهم مجهولًا بعد عشر سنوات.

كما تشير تقارير العفو الدولية إلى أن مصير آلاف الرجال والفتيان الذين احتجزتهم قوات الأمن العراقية وفصائل من «الحشد الشعبي» الشيعية منذ عام 2014 لا يزال غير مكشوف، في حين لم يحرز العراق تقدمًا ملموسًا نحو اعتماد قانون طال انتظاره يجرّم الاختفاء القسري بصورة مستقلة، رغم انضمامه إلى الاتفاقية الدولية المفترضة.

والنتيجة أن الأسرة قد تعرف الجهة التي أخذت ابنها، وقد تملك أسماء شهود ومكان الاعتقال الأول، ومع ذلك تمضي السنوات دون جثة أو معتقل أو حكم قضائي أو مسؤول يُحاسَب.

ليبيا.. سلطة السلاح والسجون التي لا تظهر على الخرائط

image 192

في ليبيا، وفّرت الانقسامات السياسية وتعدد المجموعات المسلحة والسلطات الأمنية بيئة شديدة الخطورة للاحتجاز السري والاختفاء.

وفي فبراير/شباط 2026، قالت منظمة العفو الدولية إن الإفلات المنهجي من العقاب ما زال يغذي جرائم قتل وتعذيب واختفاء قسري ترتكبها ميليشيات وجماعات مسلحة، بينما بقيت العدالة والتعويض بعيدة عن الضحايا وأسرهم.

وقد وثقت العفو الدولية إخفاء السلطات في شرقي ليبيا المكان الدقيق لاحتجاز ثمانية ناشطين مشاركين في تحرك إنساني باتجاه غزة لعدة أيام في مايو/أيار، واعتبرت ذلك اختفاءً قسريًا خلال تلك الفترة.

السودان.. الحرب لا تلغي حق المعتقل في أن يُعرف مكانه

image 193

وفي السودان، حيث تسببت الحرب في تفكك هائل للمؤسسات الأمنية والقضائية، وثقت «هيومن رايتس ووتش» في أبريل/نيسان 2026 احتجاز الجيش السوداني وقوات مرتبطة به أشخاصًا بمعزل عن العالم الخارجي، وقالت إن السلطات رفضت في بعض الحالات الاعتراف بالاحتجاز أو الإفصاح عن مكان الأشخاص، بما شكّل اختفاءً قسريًا.

وشملت تحقيقات المنظمة مناطق يسيطر عليها الجيش أو استعادها من قوات الدعم السريع، بينها الخرطوم والجزيرة والقضارف والبحر الأحمر والشمالية. ووثقت حالة شاب يبلغ 25 عامًا اقتاده مسلحون من منزله في فبراير/شباط 2026، وظل مصيره مجهولًا حتى مارس/آذار رغم محاولات أسرته المتكررة لمعرفة مكانه.

وفي مارس/آذار من العام نفسه، خاطب خبراء أمميون السودان بشأن اتهامات اختطاف وإخفاء قسري وتعذيب المحامية والمدافعة عن حقوق الإنسان ازدهار جمعة سعيد.

الحرب قد تجعل البحث عن المفقودين أكثر تعقيدًا، لكنها لا تمنح أي طرف الحق في إنشاء فراغ للعدالة يبتلع الإنسان.

باكستان.. بلوشستان ودوامة «المختفين»

image 194

في باكستان، ولا سيما إقليم بلوشستان، أصبح ملف المختفين من أكثر ملفات حقوق الإنسان رسوخًا وحساسية.

وسجلت لجنة التحقيق الحكومية المعنية بالاختفاء القسري 125 حالة جديدة خلال النصف الأول من 2025 وفق منظمة العفو الدولية، بينما تقول منظمات مجتمع مدني إن أعدادًا أخرى لا تصل أصلًا إلى اللجنة، وتطرح منظمات بلوشية تقديرات أعلى بكثير. وفي فبراير/شباط 2025 أثار خبراء الأمم المتحدة اتهامات عن اختفاءات قسرية واعتقالات تعسفية وقتل خارج نطاق القضاء وسوء معاملة في سياق عمليات مكافحة الإرهاب في بلوشستان.

وحتى في 2026 استمرت الحالات الجديدة. ففي يوليو/تموز اختفى قسرًا القيادي الطلابي البلوشي جياند بلوش لمدة 11 يومًا قبل عودته إلى منزله في 3 أغسطس/آب. والمثير أن هذه كانت، وفق منظمة العفو الدولية، المرة الثالثة التي يتعرض فيها للاختفاء؛ إذ سبق أن اختفى تسعة أشهر عام 2018، وشهرًا آخر في 2024.

كما وثقت المنظمة في مايو/أيار 2026 قضية داد شاه، شقيق المدافعة عن حقوق الإنسان فوزية بلوش، الذي قالت إنه اقتيد من منزله في كراتشي على أيدي مسؤولين يُعتقد أنهم من إدارة مكافحة الإرهاب، بينما تعرض أفراد أسرته لاحقًا للمضايقة بسبب مطالبتهم بالكشف عن مصيره.

وهنا تظهر دائرة شديدة الخطورة: يختفي شخص، فتخرج أسرته للمطالبة به، ثم تتحول الأسرة نفسها إلى هدف للضغط والاعتقال والترهيب. وكثيرا ما يحصل ذلك تحت ستار ما يسمى “مكافحة الإرهاب”.

بنغلاديش.. حين انكشفت «الغرف السرية»

image 195

قدمت بنغلاديش بعد سقوط حكومة الشيخة حسينة مثالًا مهمًا على ما يمكن أن يحدث عندما يبدأ جدار الإنكار بالتصدع.

فقد أنشأت السلطات الانتقالية لجنة للتحقيق في الاختفاءات القسرية التي ارتُكبت خلال سنوات حكم رابطة عوامي. وبحلول 2026 كانت اللجنة قد وثقت نمطًا منهجيًا للاختفاء والتعذيب داخل مرافق احتجاز سرية، وتلقت 1,569 شكوى، بينما بقي مصير 287 ضحية مجهولًا بحسب منظمات حقوقية.

وأظهرت التحقيقات أن الاختفاء لم يكن سلسلة تجاوزات منفردة، بل استُخدم أداة لقمع المعارضين والنشطاء والمنتقدين، مع تشغيل مرافق احتجاز سرية بواسطة أجهزة أمنية.

لكن الخطر لم يختف بتغير الحكومة. ففي يوليو/تموز 2026 تحدثت «هيومن رايتس ووتش» عن أول حالة معروفة يُشتبه بأنها اختفاء قسري منذ انتفاضة 2024، وتتعلق بميراج شيخ، الذي شوهد آخر مرة في عهدة خفر السواحل. وهو تحذير مهم من أن تفكيك ثقافة الاختفاء يحتاج إلى إصلاح مؤسسي، لا مجرد استبدال أشخاص بآخرين.

تركستان الشرقية.. حين يصبح الغياب جزءًا من منظومة القمع

image 196

أما مسلمو الأويغور وغيرهم من المسلمين الترك في تركستان الشرقية «شينجيانغ»، فتكتسب قضية الاختفاء لديهم بُعدًا آخر بسبب منظومة الاحتجاز الجماعي والقيود الهائلة على الاتصال بين المعتقلين وأسرهم.

وفي أحدث تقييم لها في 27 أغسطس/آب 2026، قالت «هيومن رايتس ووتش» إن القمع الشديد ضد الأويغور وغيرهم من المسلمين الترك مستمر بعد عقد من تصاعده، وإن الأدلة لا تزال تشير إلى الاعتقال التعسفي واسع النطاق، والأحكام الجائرة، والمراقبة الجماعية، والقيود الدينية والثقافية، والفصل بين الأسر. وذكرت المنظمة أن مئات الآلاف تعرضوا لانتهاكات جسيمة، بينما يظل عدد كبير من الأويغور في الخارج عاجزين عن التواصل بحرية مع أسرهم داخل المنطقة.

وفي أبريل/نيسان 2026 كتب باحث أويغوري في «هيومن رايتس ووتش» أن والده ما زال مختفيًا منذ ثماني سنوات دون أن يعرف مكانه أو حالته الصحية أو الاتهامات التي قادت إلى سجنه، وأن عشرات من أفراد أسرته اختفوا داخل منظومة الاعتقال الجماعي الصينية.

وليست القضية تاريخية فحسب. ففي 2025 وجه الفريق الأممي المعني بالاختفاء القسري نداءً عاجلًا إلى الصين طالب فيه بالكشف عن مصير ومكان 40 رجلًا أويغوريًا أعادتهم تايلاند قسرًا إلى الصين في فبراير/شباط من العام نفسه. كما تناول خبراء أمميون بصورة منفصلة الاختفاء القسري للأكاديمية الأويغورية راحلة داود.

وفي يوليو/تموز 2026 أطلقت منظمة العفو تحركًا بشأن الكاتب الكازاخي جنغيس ريسخان من تركستان الشرقية، الذي اعتُقل في مارس/آذار ولم تتلق أسرته إخطارًا رسميًا بمكانه أو وضعه القانوني، ولم تتمكن من الاتصال به.

في مثل هذه البيئات، لا يبقى الاختفاء مسألة سجين واحد؛ بل يصبح وسيلة لإخضاع مجتمع بأكمله: أنت لا تعرف من أُخذ، ولماذا أُخذ، وإلى أين، وهل سيعود، وماذا قد يحدث لك إذا سألت عنه.

اختفاء قسري في كينيا لا تٌسلط عليه الأضواء .. يستهدف المسلمين

image 198

وفي كينيا، ارتبط ملف الاختفاء القسري على مدى سنوات بعمليات «مكافحة الإرهاب» التي استهدفت بصورة واسعة المسلمين والكينيين من أصول صومالية، خصوصًا في مومباسا ونيروبي ومقاطعات غاريسا وواجير ومنديرا شمال شرقي البلاد. وقد وثقت «هيومن رايتس ووتش» 34 حالة اختفاء قسري في نيروبي وشمال شرقي كينيا بين عامي 2013 و2015، وقالت إن قوات أمن كينية اعتقلت أشخاصًا ثم أنكرت احتجازهم أو امتنعت عن الكشف عن مصيرهم، وكان بين المستهدفين أئمة ومدرسون في المدارس الإسلامية وطلاب وشباب مرتبطون بالمساجد، بعدما اشتُبه في صلاتهم بحركة الشباب المجاهدين.

كما وثقت المنظمة في وقت سابق عشر حالات اختفاء قسري أخرى نسبت إلى وحدة شرطة مكافحة الإرهاب في حي ماجينغو بنيروبي عام 2014، وأكدت أن العمليات الأمنية في تلك المرحلة استهدفت بدرجة كبيرة المجتمعات المسلمة والصومالية. وظلت منظمات حقوقية تنتقد غياب التحقيق والمحاسبة عن هذه الانتهاكات، بما جعل «مكافحة الإرهاب» في كينيا، خلال تلك السنوات، مرتبطة لدى قطاعات من المسلمين بالخوف من الاعتقال السري والاختفاء خارج إطار القضاء.

عندما تعبر الجريمة الحدود

وتزداد الخطورة عندما لا تقع العملية داخل حدود دولة واحدة، بل تتعاون عدة سلطات في القبض على الشخص ونقله عبر الحدود.

من أبرز الأمثلة الحديثة قضية الشاعر المصري التركي عبد الرحمن يوسف القرضاوي، الذي اعتقلته السلطات اللبنانية في ديسمبر/كانون الأول 2024، ثم سلمته إلى الإمارات في يناير/كانون الثاني 2025 رغم تحذيرات حقوقية. وقالت منظمة العفو الدولية إنه تعرض عقب وصوله إلى الإمارات للاختفاء القسري وحُرم من الاتصال بأسرته ومحاميه، وإن هذه الحالة كانت لا تزال مستمرة حتى نهاية 2025.

تكشف مثل هذه القضايا خطورة ما يمكن تسميته بـ«الاختفاء العابر للحدود»: طلب أمني يصدر من دولة، وقبض تنفذه دولة ثانية، وتسليم إلى دولة ثالثة، ثم يغيب الإنسان عن منظومة الحماية القانونية. وهنا تصبح اتفاقيات التعاون الأمني وتسليم المطلوبين، إن افتقرت إلى الرقابة القضائية وضمانات عدم الإعادة إلى الخطر، وسيلة محتملة لتوسيع دائرة الانتهاك بدل مكافحته.

وهذه مجرد أمثلة لسلسلة طويلة ممتدة لجرائم الإخفاء القسري، تنفذها حكومات وأنظمة عبر خريطة العالم، تطالب باحترام القانون وتحاسب على مخالفة هذا القانون!

شماعة “مكافحة الإرهاب”

ولم تكن الولايات المتحدة والتحالفات العسكرية التي تقودها بمنأى عن هذا النمط من الانتهاكات؛ فمنذ إطلاق ما سُمّي «الحرب على الإرهاب» بعد هجمات 11 سبتمبر، ارتبطت السياسة الأمريكية بشبكة من الاعتقال السري وعمليات «التسليم الاستثنائي» ونقل المشتبه بهم بين دول مختلفة خارج الضمانات القضائية، وهي ممارسات قالت لجنة الأمم المتحدة لمناهضة التعذيب إنها شملت التعذيب وسوء المعاملة والاختفاء القسري داخل برنامج وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية.

ولم ينته أثر هذه المقاربة بانتهاء سجون الـCIA السرية؛ ففي شمال شرقي سوريا وثقت منظمة العفو الدولية احتجاز عشرات الآلاف من الرجال والنساء والأطفال للاشتباه بصلتهم بتنظيم «الدولة»، داخل سجون ومخيمات تديرها السلطات المحلية وقوات سوريا الديمقراطية بدعم من الحكومة الأمريكية وأعضاء آخرين في التحالف الدولي، وقالت إن المحتجزين تعرضوا للاحتجاز التعسفي والمفتوح المدة، والاختفاء القسري، وظروف احتجاز بالغة السوء، دون محاكمات عادلة أو مراجعة قضائية فعالة في حالات عديدة.

وفي عام 2026 نقل الجيش الأمريكي نحو 5,700 معتقل من هذه السجون إلى العراق، بينهم أشخاص ظلوا لسنوات بلا تهمة أو مراجعة قضائية كافية، وحذرت «هيومن رايتس ووتش» من تعرضهم لخطر الاختفاء القسري والتعذيب والمحاكمات الجائرة.

وهكذا تحولت ذريعة «مكافحة الإرهاب» في أكثر من محطة إلى مساحة استثنائية تُعلَّق فيها الضمانات التي يُفترض أنها لا تسقط حتى عن المتهم بأشد الجرائم؛ فيما تقوم قوات محلية مدعومة من واشنطن أو دول حليفة بجزء من عمليات الاعتقال والحراسة والاستجواب، بما يسمح بتوزيع المسؤولية بين أطراف متعددة، بينما يبقى المعتقل وأسرته الطرف الأضعف: بلا محاكمة عادلة، وأحيانًا بلا اتصال أو معلومة مؤكدة عن المصير والمكان.


الولايات المتحدة: تمثال الحرية أو سجن غونتنامو والسجون السرية؟

image 197

ومن أبرز رموز هذا النهج سجن غوانتانامو، الذي افتتحته الولايات المتحدة عام 2002 وما يزال قائمًا حتى اليوم، حيث احتُجز فيه على مدى قرابة ربع قرن أكثر من 700 رجل وفتى مسلم، كثير منهم دون تهمة أو محاكمة عادلة، وتعرض عدد منهم للتعذيب وغيره من ضروب المعاملة القاسية. وإلى جانبه، أدارت وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية شبكة من «السجون السوداء» السرية خارج الأراضي الأمريكية بالتعاون مع الوكلاء والعملاء المحليين من حكومات وأجهزة أمنية، نُقل إليها معتقلون سرًا عبر ما عُرف بعمليات «التسليم الاستثنائي»، وحُرم بعضهم من أي اتصال بالعالم الخارجي وأُخفيت أماكن احتجازهم عن أسرهم ومحاميهم، وهي ممارسات اعتبرتها منظمات حقوقية شكلًا من أشكال الاختفاء القسري. وقد ظلت هذه المنظومة واحدة من أكثر الصفحات قتامة في «الحرب على الإرهاب»، إذ جمعت بين الاحتجاز السري والتعذيب والحرمان من المحاكمة والإفلات من المساءلة.

لماذا تستمر الجريمة رغم كل التحذيرات؟

ليست المشكلة أن العالم لا يعرف ما يحدث. التقارير موجودة، والأسماء موثقة، والرسائل الأممية تُرسل، والنداءات تتكرر كل عام. المشكلة الأساسية هي أن تكلفة الاختفاء القسري على الجهة التي تمارسه تظل، في حالات كثيرة، أقل بكثير من فائدته الأمنية أو السياسية كما تراها تلك الجهة.

تحت عنوان «مكافحة الإرهاب» أو «حماية الأمن القومي» يُحتجز أشخاص خارج الضمانات المعتادة. وفي الحروب تختلط الأجهزة الحكومية بالميليشيات والقوات الرديفة والحلفاء الخارجيين. وفي الدول ذات القضاء الضعيف قد لا يستطيع القاضي أصلًا الوصول إلى مكان الاحتجاز. وفي حالات أخرى توجد قوانين تسمح بفترات احتجاز طويلة، أو لا يُجرّم الاختفاء القسري أصلًا بوصفه جريمة مستقلة.

ثم تأتي الحلقة الأخطر: الإفلات من العقاب.

إذا كان الضابط الذي أخفى إنسانًا يعلم أن الدولة ستنكر، والنيابة لن تحقق، والسجن لن يفتح سجلاته، والشهود سيخشون الكلام، والأسرة ستُهدد إذا رفعت صوتها، فلن يكون الاختفاء «تجاوزًا» داخل المنظومة؛ بل قد يتحول إلى أداة من أدواتها.

ولهذا حذرت آليات دولية بمناسبة 30 أغسطس/آب 2026 من نقل عبء الإثبات إلى الأسر؛ فالأسرة ليست مطالبة بأن تدخل السجن السري لتثبت أن ابنها فيه. الدولة هي التي يجب أن تحتفظ بسجل دقيق لكل محروم من حريته، وأن تتيح المعلومات، وتبحث فورًا عن المختفي، وتحقق بصورة مستقلة، وتحاكم المسؤولين.

حق لا يسقط بتقادم الأخبار

أكبر ظلم قد يقع على المختفي هو أن يصبح قديمًا.

تمر سنة، فتغطي حرب جديدة على حربه. وتمر خمس سنوات، فتغيب صورته عن وسائل الإعلام. ويتغير الحكام والوزراء والتحالفات والحدود العسكرية، لكن أمه لا تزال تنتظر الجواب نفسه.

ولهذا فإن قضية المختفين في سوريا لا تنتهي بتغير النظام السياسي، ومختفو العراق لا تنتهي قضيتهم بانتهاء المعركة مع تنظيم «الدولة»، ومختفو اليمن لا تسقط حقوقهم باتفاق سياسي بين الأطراف، ومختفو غزة لا يصبحون أرقامًا مجهولة لمجرد استمرار الحرب، ومختفو بلوشستان وتركستان الشرقية لا يفقدون حقهم في الحقيقة لأن العالم اعتاد سماع أخبارهم. وهكذا مع كل حالة اختفاء قسري في العالم.

الاختفاء القسري جريمة مستمرة ما دام مصير الشخص أو مكانه مجهولًا. وهذا المفهوم مهم للغاية: الجريمة التي بدأت قبل عشر سنوات قد تكون قانونيًا وحقوقيًا قائمة اليوم إذا استمر إخفاء المصير.

وراء كل رقم بيت ينتظر

المشكلة في لغة الإحصاءات أنها قد تُخفي الإنسان الذي يفترض أن تكشف عنه.

نقول «آلاف المختفين»، فننسى أن الرقم يعني آلاف الأسر التي توقفت حياتها عند لحظة طرق باب، أو سيارة بلا لوحات، أو حاجز أمني، أو مكالمة أخيرة.

هناك أم احتفظت بغرفة ابنها كما تركها. وزوجة لم تستطع أن تصبح أرملة ولا أن تبقى زوجة بالمعنى الطبيعي. وطفل حفظ صورة أبيه أكثر مما حفظ وجهه. وأخ طرق أبواب السجون الواحد تلو الآخر، وفي كل مرة يسمع الجواب نفسه: «ليس عندنا».

هذا هو جوهر الاختفاء القسري: لا تكتفي السلطة بحرمان الإنسان من حريته؛ بل تحرم أهله حتى من معرفة الحقيقة.

«الضحايا أولًا» يجب ألا يبقى شعارًا

في اليوم العالمي لضحايا الاختفاء القسري، لا تكفي بيانات التضامن ولا صور المفقودين ولا إعادة نشر الإحصاءات.

ما تحتاجه الأسر هو كشف كامل لسجلات الاحتجاز والسجون الرسمية وغير الرسمية، والوصول المستقل إلى جميع أماكن الاحتجاز، وحماية المقابر الجماعية والأدلة الجنائية، وإجراء فحوص الحمض النووي، وفتح تحقيقات مستقلة في كل حالة، وحماية الشهود والمحامين والأسر، وتجريم الاختفاء القسري بوصفه جريمة مستقلة، وملاحقة المسؤولين عنها مهما كانت مناصبهم أو الجهات التي ينتمون إليها، وإعادة رفات القتلى إلى عائلاتهم، وتعويض الضحايا وضمان عدم تكرار الجريمة.

أما أن يُقال للأسرة عامًا بعد عام إن «التحقيق مستمر»، بينما يبقى السجن مغلقًا والسجل سريًا والجاني في منصبه، فذلك ليس عدالة مؤجلة فحسب؛ بل استمرار للانتهاك بصيغة أخرى.

من غزة إلى دمشق، ومن القاهرة إلى بغداد وصنعاء وطرابلس والخرطوم، ومن بلوشستان إلى دكا وتركستان الشرقية، تختلف الأسماء والرايات والأجهزة، لكن المشهد يتكرر: إنسان تأخذه قوة أكبر منه، ثم يُطلب من أسرته أن تتعايش مع غيابه.

وعشرون عامًا بعد اعتماد الاتفاقية الدولية، لا يزال العالم يملك من البيانات والمواثيق أكثر مما يملك كثير من الضحايا من الإجابات.

وفي يوم المختفين قسرًا، ينبغي أن يكون المطلب أبسط وأشد وضوحًا من كل الخطابات:

أخبروا الأسر أين أبناؤها.
أعيدوا الأحياء.
اكشفوا مصير الموتى.
وحاسبوا من ظن أن بإمكانه محو إنسان من الوجود بلا حساب.

#اليوم_العالمي_للاختفاء_القسري

Comments

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *