فرارًا بالدين، ونصرةً للمستضعفين: شذرات من قصص هجرة الأويغور إلى سورية

images 29

مقدمة

من المفارقات المتعلقة بالكثير من قضايا الأمة وأحداثها، أنه كلما كثرت تفاصيل القضية، كلما جنح البعض إلى اختزالها في الجزء الذي يعده -سواء صح ذلك أم لا- محور القضية  وحجر زاويتها.

خذ كمثال على ذلك، ما نحن بصدد عرضه من طرف من أطراف الوجود الأويغوري في سورية.

سنعرض لك جزءًا من ملحمة الهجرة والجهاد والفرار بالدين، ولن يتسع المقام للكثير والكثير مما ينبغي قوله حول الضغوط الجيوسياسية من جهة بكين على حكومة دمشق الجديدة، ولا أبعاد دمج المقاتلين الأويغور في الجيش السوري بعد سقوط نظام الأسد النصيري، ولا الانقسام الذي يشوب رؤية الجالية الأويغورية خارج تركستان الشرقية حول قتال التركستان في سورية من الأصل.

اليوم، ولمدة يسيرة، أعرني انتباهك لنعود لمنابع القضية الرائقة؛ لنسترجع معانٍ إيمانية كادت أن تندثر، ولنستحضر قول محمد بن سعد بن أبي وقاص: “كان أبي يعلمنا مغازي رسول الله صلى الله عليه وسلم وسراياه، ويقول: يا بني هذه مآثر آبائكم فلا تضيعوها.”

ونسجًا على هذا المنوال نقول، هذه مآثر إخوانكم، فلا تضيعوها.

شهداء على الطريق

عندما انطلق أحمد في رحلة هجرته إلى سوريا، لم يكن يعلم أنه سيصل إليها من دون رفقته الأصلية التي بدأت معه المسير الشاق من تركستان الشرقية.

قال أحمد: “بسبب الظروف الأمنية بدأنا رحلتنا مشيًا على الأقدام لمسافة بعيدة ثم بعد ذلك كانت وسيلتنا هي السيارة.”

“وقد وقع لنا حادث مؤلم في طريقنا للخروج من حدود إحدى الدول. كانت وقتها الليلة مظلمة جدا، وقد نمنا من شدة التعب، فما أحسست إلا ورفيقي يوقظني بقوة. فقد حدث أن انحرفت السيارة مما أدى إلى غرقها في أحد الأنهار الكبيرة.”

“حاولت الوصول إلى الساحل ولكن الوضع كان صعبًا جدًا في ظلمة الليل… فجأة أضعت الكل ولا أدري كيف! لم أعد أرى حركة ولا أسمع صوتًا… رأيت شيئًا واقفًا يبعد عني قليلاً؛ سبحت باتجاهه فإذا هو شجرة أمسكت بها وبقيت على هذه الحال إلى طلوع الفجر.”

“قلبت بصري في المكان لأعرف هل يوجد أحد سالم، ولكني لم أر أحدا، وفوجئت أن الساحل لم يكن يبعد عنا سوى عدة أمتار، ولكن قدر الله وما شاء فعل… والحمد لله نحسبهم شهداء لأنهم كانوا مهاجرين في سبيل الله.”

تمكن أحمد بعد ذلك من التواصل مع أشخاص آخرين كانوا في طريقهم إلى الهجرة إلى سوريا بعد أن يسر الله له المكوث في منزل أحد المتعاطفين، ثم انتقلوا إلى دولة أخرى مكثوا فيها عشرة أشهر حتى تهيأت ظروف الارتحال مرة أخرى.

قال: “وبعد توفر أسباب إكمال هذه الرحلة وصلنا بفضل الله إلى أرض الجهاد في سبيل الله الأرض المباركة أرض الشام.”

ولكن تبقى قصة هجرة أحمد لأرض الشام ناقصة بدون ذكر الجندي المجهول فيها: أخته؛ التي قال عنها “كانت تحرضني للدفاع عن أعراض المسلمين المستضعفين”؛

فيا نساء المسلمين لا تحقرن من المعروف شيئًا.

أسباب صعوبة الرحلة من تركستان الشرقية إلى سورية

من المسلم به أن هجرة التركستانيين كانت تختلف عن هجرة غيرهم؛ وأنها ربما استغرقت عام وأكثر في حالات عدة حتى بات الأمر ظاهرة.

وهو ما تحدث عنه منصور، أحد مهاجري التركستان قائلاً: “لكي نفهم سبب هذه الهجرة الصعبة… لابد أن نتكلم عن جرائم السلطة الصينية التي تحتل تركستان الشرقية. هذه الحكومة الشيوعية لا تعطي جوازات سفر لأغلب التركستانيين وخاصة المتدينين منهم؛ والسبب أنها لا تريد أن تصل أصوات التركستانيين إلى الخارج أو أن يخرجوا ويشكلوا حركات مقاومة ضد الصين.”

“فأغلب التركستانيين لا يملكون جوازات سفر، ويأخذ السفر شهورا أو سنوات لبعضهم كي يصلوا إلى بعض الدول المجاورة سيرًا على الأقدام في الجبال والغابات.”

عامين وعشرين ألف دولار

ومن أبلغ الأمثلة على مشقة الهجرة من تركستان الشرقية إلى سورية، قصة مالك ورفقته التي كلفتهم عشرين ألف دولار وعامين؛ والتي ربما تعتبر هجرة اقتصادية الكلفة ومريحة إذا ما قورنت بغيرها التي بلغت كلفتها خمسين ألف دولار واستغرقت ثلاث سنوات.

كان مالكٌ وبعضُ رفاقه قد عزموا على النفير إلى سورية للقتال في سبيل الله والمستضعفين، على خوف من الحزب الشيوعي الصيني أن يعتقلهم وينكل بهم.

مرت أول خمسة أشهر من الرحلة في الصين بعد دخولهم إليها بسلام مشوب بعدم الاستقرار؛ فقد كان مالك ينام في الحدائق العامة لكثرة تردد السلطات الصينية على المنطقة التي كانوا مختبئين فيها وتفتيشهم لها.

ثم تنقلوا بين ثلاثة بلدان إلى أن حطوا رحالهم في البلد الرابع بانتظار جوازات السفر المزورة، والتي للأسف تم اكتشاف كونها مزورة في المطار، وإيداعهم السجن على إثر ذلك.

ولكن لطف الله غالب…

بعد أن سخَّر الله لهم من دفع كفالة خروجهم، رحَّلَتهم السلطات إلى تركيا كما طلبوا، ومن هناك يسر الله لهم الدخول إلى سورية.

هجرة العوائل

كان من اللافت هجرة الكثير من أهل تركستان الشرقية رفقة عوائلهم، حتى أنه كان هناك من الكبار في السن والأطفال ممن يقدمون على خوض غمار هذه الرحلة الشاقة والخطيرة أحيانًا.

وعلل منصور هذا بقوله: “بالنسبة لنا فهم يسجنون عائلاتنا إذا غبنا عن بيوتنا مدة! “

كما أوضح السبب الذي كان يدفع بعض العائلات على إرسال أبنائهم الصغار مع بعض قوافل المهاجرين حتى إذا عجز الآباء عن السفر.

قال: “الكلفة المالية للكبار أعلى من الصغار؛ لذلك يعطون أبنائهم لبعض أصدقائهم ليأخذوهم معهم لأن بعض الآباء لا يستطيعون توفير تعليم ديني لأبنائهم… ودور تعليم القرآن صارت سرية، وإذا اكتشفت السلطات أمرها يُسجن الأطفال إلى ١٥ سنة بغض النظر عن أعمارهم.”

وأضاف: “المشكلة هو أنه الآن لا تستطيع أن تعيش كمسلم في تركستان الشرقية.”

“السلطة الصينية لا تنظر في الأعمار ولا في أي شيء حين يتعلق الأمر بالإسلام.”

خاتمة

لا يزال مستقبل الأويغور الذين قاتلوا على ثرى الشام يشوبه من الضبابية الشيء الكثير، ولكن تبقى حقيقة لا تقبل المماراة.

لقد بذل رجال من أقاصي الأرض أموالهم ودمائهم نصرة لدينهم ولإخوانهم في العقيدة.

إنها حقيقة تسمو فوق تصنيفات مراكز الأبحاث، وتوجس المتوجسين، ومصالح الدول.

إنه مصداق ما جاء عن النبي ﷺ: ((لا يزال اللهُ يغرسُ في هذا الدِّينِ غَرْسًا يَستعمِلُهم في طاعتِه)).

Comments

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *