غوتيريش يحذر من شبح «التطهير العرقي» في الضفة الغربية مع تصاعد الاستيطان والتهجير

e5151bf2 21fe 4db7 a258 a0243a845e99 1790083028988

حذر الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش من أن العنف الإسرائيلي والتهجير والتوسع الاستيطاني في الضفة الغربية المحتلة ترفع خطر «التطهير العرقي»، في واحد من أكثر تحذيراته وضوحًا بشأن التحولات الجارية على الأرض في الضفة.

وقال غوتيريش، في كلمته أمام الدورة الـ81 للجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، الثلاثاء 22 سبتمبر/أيلول 2026م (11 ربيع الآخر 1448هـ): «إن العنف والتهجير والتوسع الاستيطاني من جانب إسرائيل في الضفة الغربية المحتلة تجرف الطريق إلى السلام وتثير شبح التطهير العرقي».

وأضاف: «لا يمكننا السماح لحل الدولتين بأن يختفي أمام أعيننا».

وجاء التحذير في وقت تتزايد فيه المخاوف الدولية من أن يؤدي التوسع الاستيطاني ومصادرة الأراضي وتصاعد هجمات المستوطنين وتهجير التجمعات الفلسطينية إلى إحداث تغييرات دائمة في التركيبة السكانية والجغرافية للضفة الغربية المحتلة.

الاستيطان والتهجير في قلب التحذير

لم يتحدث غوتيريش عن الاستيطان بمعزل عن التطورات الأخرى، بل جمع في تحذيره بين ثلاثة عناصر: العنف والتهجير والتوسع الاستيطاني.

وتعتبر الأمم المتحدة المستوطنات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية المحتلة منذ عام 1967، بما فيها القدس الشرقية، غير قانونية بموجب القانون الدولي، وهو موقف أكدته قرارات مجلس الأمن ومحكمة العدل الدولية.

وكانت محكمة العدل الدولية قد قالت في رأيها الاستشاري الصادر في يوليو/تموز 2024 إن استمرار الوجود الإسرائيلي في الأرض الفلسطينية المحتلة غير قانوني، وإن على إسرائيل وقف جميع الأنشطة الاستيطانية الجديدة وإجلاء المستوطنين من الأرض المحتلة.

وتترافق عمليات التوسع الاستيطاني مع ضغوط متزايدة على تجمعات فلسطينية، خصوصًا في المناطق الريفية ومناطق الرعي في الضفة، حيث وثقت الأمم المتحدة حالات نزوح مرتبطة بهجمات المستوطنين والقيود المفروضة على الوصول إلى الأراضي والمياه والمراعي.

«لا يمكن أن يختفي حل الدولتين أمام أعيننا»

ربط الأمين العام هذه التطورات مباشرة بمستقبل القضية الفلسطينية، محذرًا من أن الوقائع التي تفرض على الأرض تقوض إمكانية إقامة دولة فلسطينية قابلة للحياة.

وقال غوتيريش: «لا يمكننا السماح لحل الدولتين بأن يختفي أمام أعيننا».

ويعكس هذا التحذير مخاوف أممية متزايدة من أن التوسع المستمر للمستوطنات وشبكات الطرق والبنية التحتية المرتبطة بها يؤدي إلى مزيد من تجزئة الأراضي الفلسطينية.

وتؤكد الأمم المتحدة أن الحل السياسي الذي تدعمه يقوم على دولتين، إسرائيل وفلسطين، تعيشان جنبًا إلى جنب ضمن حدود آمنة ومعترف بها، على أساس خطوط ما قبل عام 1967 والقدس عاصمة للدولتين.

غزة.. «قتل ودمار» غير مسبوقين في سنواته أمينًا عامًا

ولم تقتصر كلمة غوتيريش على الضفة الغربية.

فبعد وصفه هجمات حركة حماس في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023 بأنها «بغيضة»، قال إن تلك الهجمات أعقبها هجوم على الفلسطينيين في غزة بحجم من القتل والدمار لم يشهد مثله خلال سنوات توليه منصب الأمين العام للأمم المتحدة.

وشدد على ضرورة عدم السماح للأزمات والحروب الأخرى في الشرق الأوسط بأن تحجب ما يجري في الأراضي الفلسطينية المحتلة.

كما ذكّر بالتدابير المؤقتة الملزمة التي أصدرتها محكمة العدل الدولية في القضية التي رفعتها جنوب أفريقيا ضد إسرائيل بموجب اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية.

وقال إن على جميع الأطراف الالتزام بالقانون الدولي وأوامر المحكمة.

محكمة العدل الدولية والقانون الدولي

وأشار غوتيريش كذلك إلى رأي استشاري لمحكمة العدل الدولية يتعلق بالتزامات “إسرائيل” تجاه الأمم المتحدة ووكالاتها في الأراضي الفلسطينية المحتلة.

وشدد على ضرورة السماح للأمم المتحدة بتنفيذ مهامها في غزة وحماية موظفيها والعاملين في المجال الإنساني.

ويأتي ذلك ضمن خلاف أوسع بين “إسرائيل” والأمم المتحدة بشأن عمل المنظمات الإنسانية الدولية في قطاع غزة والأراضي الفلسطينية المحتلة.

ولا تزال الأمم المتحدة عاجزة عن فرض أي قرار على الاحتلال الإسرائيلي بسبب الدعم اللامحدود الذي تقدمه الولايات المتحدة للكيان.

تحذير يتجاوز عبارة «التوسع الاستيطاني»

وتكتسب عبارة غوتيريش عن «شبح التطهير العرقي» أهمية خاصة؛ إذ لم يعلن الأمين العام في خطابه صدور حكم قضائي بأن تطهيرًا عرقيًا وقع بالفعل في الضفة الغربية، وإنما حذر من أن اجتماع العنف والتهجير والتوسع الاستيطاني يرفع خطر الوصول إلى هذا السيناريو.

ويضع هذا التحذير قضية التهجير في صميم النقاش الدولي بشأن مستقبل الضفة الغربية، في ظل استمرار بناء المستوطنات وتوسع البؤر الاستيطانية وتصاعد العنف ضد الفلسطينيين.

وفي الوقت نفسه، تؤكد الحكومة الإسرائيلية أن لها حقوقًا تاريخية وأمنية في الضفة الغربية، وترفض اعتبار بعض الإجراءات المتعلقة بالمستوطنات والأراضي انتهاكًا لحقوقها، فيما يظل الموقف القانوني للأمم المتحدة ومحكمة العدل الدولية أن الأراضي التي احتلتها “إسرائيل” عام 1967 أراضٍ محتلة وأن المستوطنات فيها مخالفة للقانون الدولي.

أما الموقف الشرعي الإسلامي فيعتبر الاحتلال رجس من عمل الشيطان ويوجب الجهاد في سبيل الله لاقتلاعه من كل البلاد المسلمة المحتلة.

تحذير من اتساع حروب المنطقة

ووضع غوتيريش الأزمة الفلسطينية ضمن مشهد إقليمي ودولي أوسع، محذرًا من أن النزاعات تتوالى في أنحاء الشرق الأوسط وأن ما يسمى باتفاقات وقف إطلاق النار لم يتحول في بعض الحالات إلا إلى نيران أقل حدة، فيما يواصل المدنيون دفع الثمن.

ودعا قادة الدول المجتمعين في نيويورك إلى استغلال اجتماعات الجمعية العامة لخفض التصعيد وإحياء الحوار، مؤكدًا ضرورة وقف القتال والسماح بوصول المساعدات الإنسانية واحترام القانون الدولي.

وتطرق كذلك إلى السودان، واصفًا الصراع هناك بأنه «حرب على المدنيين»، في ظل النزوح الجماعي والجوع والهجمات على المستشفيات والمنازل والعنف الجنسي والهجمات ذات الدوافع الإثنية.

لكن تحذيره بشأن الضفة الغربية حمل رسالة مباشرة بشأن مستقبل القضية الفلسطينية: استمرار العنف والتهجير والاستيطان لا يهدد حياة الفلسطينيين وممتلكاتهم فحسب، بل قد يغير الواقع على الأرض بصورة تجعل قيام دولة فلسطينية أكثر صعوبة، وتفتح الباب، بحسب تعبير الأمين العام، أمام «شبح التطهير العرقي».

ومما يصنع المفارقة أن موقف غوتيريش من الاحتلال لا يتجاوز التصريحات القلقة والتحذيرات، بينما على الأرض يتحرك الكيان بكامل حريته ويتجاوز كل قانون دولي وعرف إنساني، فيكشف موقع المنظمة الدولية في مقام الحاضر الغائب، لعجزها عن فرض أي قانون لها عليه.

Comments

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *