عندما يصبح الشك أماناً: زواج الصينيين من المصريات

d5a02607 3d16 4c48 a3d0 91bb71a080c5


في ظل تجرع آثار الانفتاح غير المنضبط على العالم الخارجي عبر منصات التواصل الاجتماعي، برزت ظاهرة متزايدة تتمثل في زواج فتيات مصريات من أجانب من شرق آسيا، ولا سيما من الجنسية الصينية.

ولأن المسلمة لا تُزوَّج إلا لمسلم، بات لزاماً على الراغب في الزواج أن يأتي بشهادة إشهار الإسلام التي يتحصل عليها بعد نطقه الشهادة في الأزهر الشريف.

لكن المثير للاهتمام—والريب في آنٍ واحد—هو كيفية التحقق من صدق هذا التحول العقدي؛ خاصة بعد انتشار منشورات صينية تعترف جهاراً بأن اعتناق الإسلام في بعض الحالات لا يعدو كونه مجرد إجراء شكلي ووسيلة للزواج، هرباً من ارتفاع كلفته من بنات بلدهم.

وبالغوص في الأسباب التي أفرزت هذه الظاهرة، نجد في مقدمتها سبباً عقدياً وفكرياً جوهرياً؛ يتجسد في الجهل الخطير بالشريعة الإسلامية ومقاصدها، وتغييب تعلم علم العقيدة الأصيل والغاية الأسمى من الوجود.

هذا الفراغ العقدي السرطاني سرّب لدى كثيرين استخفافاً بمسائل العقيدة والولاء والبراء، وأنتج إشكالات عويصة في كيفية التعامل مع مستجدات الحياة ومطباتها، فضلاً عن ضعف التحصين أمام الشبهات والمدخلات الفكرية. وأمام هذه البنية الإيمانية المهترئة، وجدت الأطروحات النسوية خاصة من المتدثرات بعباءة الإصلاح—إلى جوار الخطابات الإلحادية—تربة خصبة وقابلية تامة للتجاوب.

فسعت بضراوة إلى تشويه صورة الرجل العربي المسلم، وترويج أنه ظالم لمن تحته، بل وإن الشريعة التي يتحاكم إليها جائرة في زعمهم؛ مما أثمر تبغيضاً ممنهجاً في الزواج التقليدي عموماً، وفي رجال العرب خصوصاً.

ومع هذا الشحن النفسي وتشويه الواقع، وقعت كثير من الفتيات في فخ “الاستحقاقية الزائفة” والهروب إلى الخيال؛ حيث صوّر لهن الفراغ الفكري أن “ابن البلد” قاصر عن إشباع تطلعاتهن- التي وجدت في رجال الأنمي أو البطل الأسيوي قدرة موهومة على هذا الإشباع؛ إذ لعبت الشاشات دوراً خطيراً عبر ضخ مسلسلات “الأنمي” والدراما الآسيوية، التي صمّمت عمداً نماذج لرجال بملامح فائقة الرقة وحماية رومانسية حالمة، تُجرّد الشريك الأجنبي من كل عيب بشري.

غير أن المفارقة المنكوسة تكمن في كشف زيف استياء الفتيات من مفهوم الطاعة والدخول تحت ولاية رجل؛ فمن تمردت على أحكام الشريعة بضغينة، واستكبرت على تكاليف الطاعة والقوامة، واستهانت بما يقدمه ابن البلد من مهر ونفقة وحقوق مسنونة، وصارت ترى في الولاية صلب “عبودية ومهانة”، باتت تقدم أضعاف ذلك الخضوع والتذلل للزوج الأجنبي عن طيب خاطر وبشغف تام!

فما رفضته الفتاة وتكبرت عنه مع ابن بلدها المسلم بحجة الحرية والاستقلالية، تفعله منقادة بكل أشكاله أمام الصورة المتخيلة لـ “رجل الأنمي” أو الكوري والصيني؛ مما يوضح بطريقة لا تترك للغموض مجالاً أن الإشكال يكمن في انحراف البوصلة الفكرية والانتكاس الذوقي، لا في الأحكام الشرعية.

يضاف إلى ذلك أن “عقدة الأجنبي” ما زالت تؤدي دورها في الوجدان الجمعي، حيث تُصوّر الأجنبي كـ “منقذ” من سلطة الأحكام الدينية والأعراف الاجتماعية. أما على المستوى الأسري، فقد رفع كثير من الأولياء أيديهم عن التوجيه بدعوى الانفتاح ومواكبة العصر، فاختلط عليهم مفهوم “منح الثقة” بواجب “تضييع الأمانة والتربية والمراقبة”؛

في حين جُرّد فريق آخر منهم من صلاحياته بسبب المنظومات القانونية الحديثة التي ألزمت الأب أو الولي بالتنحي عن دوره التربوي والشرعي، حتى بات كل من أراد ممارسة ولايته وتأديب من تحته يجد الترسانة القانونية تحرمه من حقه الأصيل في الرعاية والتوجيه.

وحين يلتقي هذا التفريط التربوي والفراغ الفكري مع تحول اعتناق الإسلام إلى مجرد إجراء بروتوكولي لإتمام العقد الإداري، تقف المرأة المسلمة على جرف هار لا تأمن فيه على دينها ونفسها؛ إذ إن تحايل الشريك وإظهاره للإسلام كذباً مع بقائه على كفره الباطن يطال أصل العقد بالفساد والبطلان في باطن الأمر عند الله، لتجد الفتاة نفسها في زيجة منزوعة البركة، قائمة على الخداع، وتضع دينها ودين ذريتها على محك خطر دائم.

ثم إن الدخول في الإسلام لم يكن يوماً وسيلة لتحقيق مآرب دنيوية أو قضاء مصالح نفعية، وإنما يتأتى لمن اقتنع به وبحث عن الحق وخالط شغاف قلبه لا طريقاً لتحصيل المصالح؛ التي لم تتوقف عند هذا الحد فحسب، بل تمتد لتتحول هذه الزيجات لدى البعض إلى ما يشبه “المشاريع الاستثمارية”؛

فبمجرد السفر إلى الصين، تُسلب من العلاقة حرمتها لتتحول الحياة الزوجية إلى مادة استهلاكية تُعرض على منصات التواصل الاجتماعي تُكتنز من خلالها الأموال تحت عناوين براقة من قبيل “حياتي مع زوجتي المصرية”.

لذا، تقع على عاتق من يقوم على تزويج الفتيات—ابتداءً من ولي الأمر وصولاً إلى المؤسسات المختصة كالأزهر الشريف—مسؤولية مضاعفة؛ فاشتراط الإسلام على غير المسلم الراغب في الزواج ثم قبوله الفوري بهذا الشرط دون رغبة أو نية مسبقة في اعتناق الدين يضع الشريك في محل شكٍ جليّ لا يقين، وهو ما يوجب جعل “صدق العقيدة” المعيار الأول والأهم قبل أي اعتبار آخَر.

ومنه فالأسلم أن تطول فترة الخطوبة قليلاً للتحقق من مدى التزام الشخص واستعداده لتعلم وتطبيق أساسيات الدين في حياته اليومية؛ فالصادق في إسلامه يُظهر بطبعه شغفاً بالتعلم، وسعياً للتعرف على أحكامه، ورقةً في التعامل مع مقدساته. إضافة إلى التحقق من وجود مصدر دخل مشروع وثابت ومعرفة الخطة المستقبلية للسكن والإقامة، لضمان ألا تكون الفتاة سلعةً تُرفع بها نسب المشاهدات وترتفع بها أرقام الحسابات.

Comments

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *