تدرس مصر عرضًا تركيًا محتملًا لترسيم الحدود البحرية، قد يمنحها نحو 15 ألف كيلومتر مربع إضافية، وفق تصريحات تركية متداولة. ومن شأن أي تقارب مصري تركي في هذا الملف أن يؤثر في توازنات شرق المتوسط ومشروعات الطاقة والربط البحري بين كيان “إسرائيل” وقبرص واليونان. غير أن القاهرة لا تزال رسميًا تتمسك بموقفها الرافض لمذكرة التفاهم التركية الليبية.

اجتماع إسطنبول والملفات المطروحة

وجاء هذا التطور عقب اجتماع عُقد في إسطنبول في 23 أكتوبر، وجمع وزراء خارجية ثماني دول. وعلى أحد جانبي الطاولة اجتمعت تركيا ومصر والسعودية وباكستان ضمن صيغة أطلق عليها اسم «R4»، فيما ضم الجانب الآخر بريطانيا وفرنسا وألمانيا ضمن مجموعة «E3»، قبل انضمام إيطاليا إلى الاجتماع.

وتعود مجموعة «E3»، إلى أكثر من عقدين من التنسيق الأوروبي بشأن الملف النووي الإيراني. أما صيغة «R4» فهي إطار إقليميًا أحدث، اجتمع للمرة الأولى في الرياض في مارس، ويضم تركيا والسعودية وباكستان، وهي الدول التي وقعت اتفاقًا للدفاع المشترك في أغسطس، بينما حضرت مصر الاجتماعات من دون أن تنضم رسميًا إلى الاتفاق.

وكان اجتماع إسطنبول، السابع ضمن آلية الدول الأربع، والأول الذي يجمعها بالأوروبيين مباشرة. وتصدرت جدول الأعمال ملفات إقليمية ودولية، من بينها هجمات الحوثيين على السعودية، وأمن الممرات البحرية، والملف النووي الإيراني، والقضية الفلسطينية، والحرب الروسية الأوكرانية وأمن البحر الأسود.

وفي ما يتعلق باليمن، وتفيد المعلومات بأن هجمات الحوثيين تصاعدت ووصلت إلى مطار الملك خالد في الرياض، وأوقعت قتلى وجرحى وألحقت أضرارًا بمنشآت نفطية. وأكد الاجتماع التضامن مع السعودية وحقها في الدفاع عن نفسها، من دون التزام بإرسال قوات أو طائرات أو صواريخ لمساندتها.

أما الممرات البحرية، فتركز المعلومات المتاحة على مضيق هرمز الذي تقول إنه أُغلق منذ اندلاع الحرب على إيران في فبراير، وعلى مضيق باب المندب الذي يواجه تهديدات الحوثيين. كما تشير إلى تعثر الحوار الأمريكي الإيراني، ورفضت الدول الثماني بالإجماع شن ضربة عسكرية جديدة على إيران. ونُقل عن وزير خارجية ألمانيا استعداد الدول الأوروبية الثلاث للتفاوض مع طهران، فيما قال وزير الخارجية الإيطالي أنطونيو تاياني إن المشكلة لا يمكن حلها من منظور عسكري صرف.

وشملت الملفات الأخرى التمسك بحل الدولتين للفلسطينيين والإسرائيليين وفق القرارات الدولية، إلى جانب الحرب الروسية الأوكرانية وأمن البحر الأسود. وتطرح  تساؤلًا عن إمكان معالجة هذه القضايا من دون واشنطن، وتربط ذلك بتركيبة الاجتماع: فتركيا تحتفظ بقنوات تواصل مع إيران، وباكستان دولة مجاورة لها وتمتلك السلاح النووي، والسعودية تملك ثقلًا في أسواق النفط والاستثمار، ومصر تتحكم بموقع قناة السويس والبحر الأحمر، بينما تمتلك الدول الأوروبية أدوات العقوبات وخبرة في الملف النووي الإيراني.

وتقوم المعادلة التفاوضية المحتملة تقوم على ضمان حرية الملاحة مقابل تهدئة التوتر مع إيران ورفع الحصار عنها، والحد من هجمات الحوثيين مقابل ضمان أمن السعودية وحدودها، فضلًا عن العودة إلى مذكرة تفاهم أمريكية إيرانية قيل إنها وُقّعت في يونيو. وأعلن وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو أن الدول الثماني ستواصل التنسيق عبر اجتماعات دورية.

مذكرة التفاهم التركية الليبية تعود إلى الواجهة

لكن التطور الأبرز لم يكن الصورة الجماعية للاجتماع، بل لقاءً جانبيًا جمع وزير الخارجية التركي هاكان فيدان بنظيره المصري بدر عبد العاطي. وتربط  هذا اللقاء بتصويت مجلس النواب الليبي في بنغازي على مذكرة الترسيم البحري بين تركيا وليبيا، وهي المذكرة الموقعة في إسطنبول في 27 نوفمبر 2019.

أيد مجلس النواب الليبي المذكرة بالإجماع، في تطور اعتبرته  تحولًا عن موقف شرق ليبيا السابق، وقالت إن ذلك يعني أن المذكرة باتت تحظى بقبول في شرق ليبيا وغربها. وردت القاهرة، باعتبار المذكرة باطلة ولا يترتب عليها أثر قانوني بالنسبة إلى مصر.

ووتفيد المعلومات بأن عبد العاطي نقل الموقف المصري إلى فيدان خلال اللقاء الجانبي، وإن الوزير التركي أكد تفهم أنقرة لمخاوف القاهرة واستعدادها لمواصلة التشاور والتنسيق. وفي اليوم التالي، أعلن وزير الدفاع التركي يشار غولر استعداد بلاده لتوقيع اتفاق بحري مع مصر على غرار الاتفاق التركي الليبي.

وقال غولر إن الاتفاق المقترح قد يمنح مصر نحو 15 ألف كيلومتر مربع إضافية مقارنة باتفاق محتمل مع اليونان. وكان اتفاق ترسيم الحدود البحرية بين مصر واليونان، الموقع في أغسطس 2020، كان جزئيًا، وأن جزءًا من الترسيم بقي موضع مشاورات لم تُستكمل. وفي المقابل، تصف خط التفاهم التركي الليبي بأنه ممر بحري يصل جنوب غرب تركيا بشمال شرق ليبيا، ويؤثر في مطالبات اليونان المتعلقة بجزيرة كريت ومناطق مقابلة لقبرص ومصر و”إسرائيل”.

ومن شأن انضمام مصر إلى ترتيب بحري من هذا النوع قد يوسع المساحة البحرية التي تطالب بها ويتيح فرصًا للتنقيب عن الغاز، كما قد يفتح مجالًا لتنسيق ثلاثي بين أنقرة والقاهرة وبنغازي. كما ألمح فيدان إلى أخبار إيجابية قريبة بشأن توحيد ليبيا، من دون تقديم تفاصيل إضافية.

اعتراضات يونانية وقبرصية وإسرائيلية

ومن المتوقع أن تتأثر مصالح اليونان وقبرص و”إسرائيل” والاتحاد الأوروبي من أي تفاهم مصري تركي يستند إلى المذكرة. فاليونان تعترض على الخط لأنه، يتجاهل جزيرة كريت وحقوق الجزر اليونانية، وقد وصفت المذكرة بأنها غير قانونية وباطلة. كما وصفتها قبرص بأنها غير قانونية ولاغية.

ويرتبط الموقف الإسرائيلي بمشروع الربط الكهربائي بين ما يسمى “إسرائيل” وقبرص واليونان، الذي يمر في منطقة متنازع عليها. أما الاتحاد الأوروبي فرفض الاعتراف بالمذكرة وأعلن تضامنه مع أثينا ونيقوسيا. وفي المقابل، تحركت اليونان نحو القاهرة لبحث توسيع اتفاقهما البحري شرقًا باتجاه قبرص.

وبذلك تواجه القاهرة مفاضلة بين استمرار التفاهم البحري القائم مع أثينا ونيقوسيا، وبين العرض التركي الذي يتضمن مساحة بحرية إضافية محتملة. ولا تزال مصر مصر لا تزال رسميًا متمسكة بقانون البحار ورافضة للمذكرة التركية الليبية، فيما يتواصل التشاور بين وزيري الخارجية.

وقد لقاء إسطنبول والاتصالات الثنائية قد يفتحان بابًا لإعادة رسم التفاهمات البحرية في شرق المتوسط، لكن حسم هذا الاحتمال يظل مرتبطًا بموقف القاهرة وبالمفاوضات القانونية والسياسية مع الأطراف المعنية. فالمسألة لا تتعلق بالمساحة البحرية وحدها، بل بمصالح الطاقة والملاحة والتحالفات الإقليمية ومواقف الدول المطلة على المتوسط.