ننقل إليكم فيما يلي شهادة وصلتنا من أحد متابعي “وصل” من اليمن، تسلّط الضوء على بعض جوانب معاناة اليمنيين الذين يعيشون في مناطق سيطرة ميليشيا الحوثي:
«في المناطق الخاضعة لسيطرة جماعة الحوثيين في اليمن، تتداول بين المواطنين روايات وأخبار عن ممارسات تثير مخاوف متزايدة بشأن الحريات العامة، وحقوق المعتقلين، والتعليم، والحياة الاجتماعية والصحية. ولا تبدو هذه المخاوف محصورة في جانب واحد، بل تمتد من حرية التعبير إلى المدارس، ومن السجون إلى المناسبات الوطنية، وصولًا إلى صحة الأطفال وحياتهم.
في صنعاء، يتداول مواطنون قصصًا عن اعتقال أشخاص والتنكيل بهم على خلفية إبداء آرائهم أو مخالفة الجماعة، وسط مخاوف من تضييق متزايد على حرية التعبير. كما تُتداول روايات عن تعرض أشخاص للاعتقال عند محاولتهم تصوير بعض هذه الممارسات أو نشرها، الأمر الذي يزيد من صعوبة توثيق الانتهاكات ونقل ما يحدث إلى الرأي العام.
ولا يقتصر الأمر، بحسب هذه الروايات، على إسكات الأصوات المخالفة، بل يمتد إلى محاولة التأثير في الأجيال الجديدة. فتواصل جماعة الحوثيين تجنيد الشباب واستقطاب الأطفال، فيما بدأت منذ فترة بتوزيع أوراق للتعبئة العامة على طلاب المدارس الثانوية، وسط مخاوف متزايدة من أن يتطور هذا الاستقطاب إلى تجنيد إجباري. كما تُفرض على طلاب المدارس حصص تُعرف باسم “الإرشاد”، تتضمن طرح أفكار وتوجهات تتبنى أيديولوجية الجماعة، ويرى منتقدون أنها لا تتوافق مع النسيج الثقافي والاجتماعي اليمني.
وفي الاتجاه نفسه، يُجبر مديرو المدارس على حضور دورات تُسمى” ثقافية” تمتد لعدة أيام، مع مطالبتهم بترك هواتفهم، وتلقينهم أفكارًا وأيديولوجيات تتبناها الجماعة. كما تُجبر المدارس والقطاعات الحكومية على حضور دورات مماثلة تتضمن محاضرات لزعيم الجماعة، ولا يقتصر الأمر على الحضور، إذ يخضع بعض الموظفين لاختبارات حول ما يُطرح في تلك الدورات.
ومع استمرار ذلك، تغيّرت المناهج الدراسية تدريجيًا، وبدأ إدخال دروس ومضامين تتوافق مع أيديولوجية الجماعة وتوجهاتها الفكرية والسياسية والدينية، بما يجعل المدرسة نفسها إحدى الساحات التي يجري فيها تشكيل وعي الجيل الجديد وفق رؤية سياسية وأيديولوجية محددة.
ولا تتوقف الممارسات المتداولة عند التعليم والتعبئة، إذ تتحدث روايات أخرى عن استهداف المعارضين بصورة أكثر مباشرة، من بينها تفجير منازل أشخاص يرفضون الانضمام إلى الجماعة أو يعارضونها، في ممارسات لا يقتصر أثرها على الشخص المستهدف، بل يمتد إلى أسرته وبيته وحياته كاملة.
أما السجون، فتتداول مواطنون أخبارًا عن تعرض معتقلين في سجون جماعة الحوثيين للتعذيب، وسط روايات تتحدث عن انتزاع اعترافات قسرية بشأن التجسس والعمالة تحت التعذيب. ومثل هذه الممارسات، إن ثبتت، لا تمثل مجرد تجاوزات في التعامل مع المعتقلين، بل اعتداءً على حقوق أساسية يفترض أن يحظى بها كل إنسان، مهما كانت التهمة الموجهة إليه.
ويمتد التضييق كذلك إلى المجال العام والذاكرة الوطنية. تفرض جماعة الحوثيين على المدارس الاحتفال بمناسباتها، ومنها ذكرى يوم الغدير، في الوقت الذي تمنع فيه اليمنيين من الاحتفال بذكرى ثورة 26 سبتمبر، التي تُعد مناسبة وطنية يمنية، وتعتقل بعض المشاركين في الاحتفالات. كما تتداول تقارير عن اعتقال أكثر من أربعة آلاف شخص خلال العام السابق على خلفية الاحتفال بذكرى الثورة، مع الإفراج عن بعض المعتقلين لاحقًا بكفالات مالية كبيرة.
وهنا لا يعود السؤال متعلقًا بمناسبة تُقام أو لا تُقام فحسب، بل بما يحدث عندما تتحول مناسبة وطنية إلى سبب للاعتقال، بينما تُفرض مناسبات أخرى على المدارس والمؤسسات. فالذاكرة الوطنية لا ينبغي أن تصبح ملكًا لجماعة، ولا ينبغي أن يُطلب من اليمني أن يختار بين انتمائه لوطنه وبين قدرته على العيش بأمان.
ثم يأتي الجانب الصحي، الذي قد يكون أكثر قسوة لأنه لا ينتظر موقفًا سياسيًا من الإنسان حتى يصيبه.
تُتداول معلومات عن منع إدخال لقاحات الأطفال إلى المناطق الخاضعة لسيطرة جماعة الحوثيين، بالتزامن مع الترويج لخرافات ومعلومات مضللة بشأن اللقاحات، ما قد يحرم أطفالًا في تلك المناطق من الحصول على التطعيمات اللازمة، ويزيد المخاوف المتعلقة بعودة أو انتشار أمراض يمكن الوقاية منها بالتطعيم.
وفي الوقت نفسه، تتزايد أعداد الأطفال المصابين بداء السعار في اليمن، بالتزامن مع شح مصل داء الكلب وصعوبة الحصول عليه، وسط شكاوى من توفر جرعات فاسدة نتيجة سوء التخزين، في ظل تزايد أعداد الكلاب الضالة، وهو ما يفاقم خطر الإصابة بالمرض، ولا سيما بين الأطفال.
وهكذا تتجمع صورة ثقيلة من عدة جهات: تضييق على حرية التعبير، اعتقالات، مخاوف بشأن التعذيب، تعبئة واستقطاب للأطفال والشباب، تدخل في المناهج والتعليم، فرض أنشطة أيديولوجية على المدارس والقطاعات الحكومية، تضييق على بعض المناسبات الوطنية، ومخاطر صحية تهدد الأطفال.»





اترك تعليقاً