سوريا تعيد ترتيب الوجود الروسي على الساحل.. هل تنتهي حقبة القواعد العسكرية؟

09int syria russia hqgz superJumbo

دمشق وموسكو تعيدان رسم حدود الشراكة بعد سقوط الأسد.. حميميم وطرطوس من قواعد عسكرية إلى مراكز تدريب مشتركة

بعد نحو عام ونصف من المفاوضات، توصلت سوريا وروسيا إلى مذكرة تفاهم تعيد تنظيم الوجود الروسي في قاعدتي حميميم وطرطوس على الساحل السوري، في خطوة تمثل تحولًا مهمًا في طبيعة العلاقة بين دمشق وموسكو، وتعيد رسم واحدة من أبرز مظاهر الحضور الروسي في الشرق الأوسط والبحر المتوسط.

وبموجب الاتفاق، ستتولى السلطات السورية إدارة المنشآت ذات الطابع المدني المرتبطة بالموقعين، بينما ستتحول المنشآت العسكرية إلى مراكز تدريب وتأهيل مشتركة بين البلدين، على أن تكتمل عملية الانتقال خلال مدة أقصاها ثلاثة أشهر.

من القواعد إلى الإدارة السورية

أبرز ما ينص عليه الاتفاق هو انتقال إدارة المنشآت المدنية إلى الدولة السورية.

وتشمل هذه الخطوة مطار حميميم، إضافة إلى الرصيف التجاري الرابع في ميناء طرطوس والمستودعات والمنشآت المرتبطة به. وتقول السلطات السورية إن هذه المواقع ستُدمج تدريجيًا في منظومة الإدارة المدنية السورية، بما يعزز سيطرة دمشق على مرافق كانت خاضعة للإدارة الروسية.

وتأتي هذه الخطوة في سياق أوسع من استعادة الدولة السورية السيطرة على بنيتها التحتية الساحلية، بعد سنوات شكل فيها الوجود الروسي عنصرًا أساسيًا في إدارة عدد من المنشآت الاستراتيجية.

وفي الوقت نفسه، لا ينص الاتفاق على إغلاق الموقعين أو خروج روسيا منهما بصورة كاملة؛ إذ ستتحول المنشآت العسكرية إلى مراكز مشتركة للتدريب والتأهيل، بما يعني أن موسكو ستحتفظ بحضور عسكري، وإن كان مختلفًا جذريًا عن شكل وجودها السابق.

نهاية مرحلة الأسد وبداية علاقة جديدة

لا يمكن فهم الاتفاق بمعزل عن التحول السياسي الذي شهدته سوريا في نهاية عام 2024.

فروسيا كانت الحليف العسكري والسياسي الأبرز لبشار الأسد خلال سنوات الحرب السورية، وتدخلت عسكريًا إلى جانب حكومته منذ عام 2015، بينما شكلت قاعدتا حميميم وطرطوس الركيزة الأساسية للعمليات الروسية في سوريا والمنطقة.

لكن سقوط نظام الأسد وفراره إلى روسيا في ديسمبر/كانون الأول 2024 غيّر الحسابات بصورة كبيرة. ومع وصول إدارة انتقالية بقيادة أحمد الشرع، أصبحت موسكو أمام واقع سياسي جديد يتطلب إعادة تعريف علاقتها بدمشق.

وبدل أن تتحول نهاية حكم الأسد إلى قطيعة بين سوريا وروسيا، اختار الطرفان مسارًا أكثر براغماتية يقوم على إعادة التفاوض حول المصالح الروسية داخل البلاد.

وهذا ما يجعل مذكرة التفاهم الحالية مختلفة عن مجرد اتفاق تقني بشأن قاعدتين عسكريتين؛ فهي مؤشر على شكل العلاقة بين البلدين بعد سقوط النظام الذي جمعهما لعقود.

طرطوس.. خسارة استراتيجية لموسكو؟

تتمتع طرطوس بأهمية خاصة بالنسبة لروسيا؛ فهي تمثل منشأتها البحرية الرئيسية على البحر المتوسط، ووجودها فيها منح موسكو قدرة على دعم عملياتها البحرية في المتوسط والوصول إلى مسارح عملياتها في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا.

أما حميميم، فتحولت منذ التدخل الروسي عام 2015 إلى مركز العمليات الجوية الروسية في سوريا.

ولهذا فإن إعادة تنظيم الموقعين تعني أن موسكو لا تواجه مجرد تغيير في إدارة منشآت سورية، بل تراجعًا في طبيعة إحدى أهم نقاط ارتكازها خارج أراضيها.

وكانت روسيا قد حصلت في عهد الأسد على ترتيبات طويلة الأمد لاستخدام طرطوس، بينما منحها اتفاق آخر حق الاستخدام الدائم والمجاني لقاعدة حميميم.

لكن التحول السياسي في دمشق جعل استمرار تلك الترتيبات بصيغتها القديمة أمرًا أكثر صعوبة.

موسكو لا تغادر بالكامل

thumbs b c 733ad271f95df4831041ed79b8c3fbab 3

مع ذلك، سيكون من الخطأ قراءة الاتفاق على أنه انسحاب روسي كامل من سوريا.

فالصيغة الجديدة تمنح روسيا إمكانية الاستمرار في الوجود داخل الموقعين من خلال مراكز التدريب والتأهيل المشتركة. وبالتالي، فإن موسكو تنتقل من وجود عسكري مباشر قائم على قواعد ذات طابع روسي واضح إلى صيغة أكثر مرونة تقوم على شراكة مع المؤسسات السورية.

وهذه الصيغة قد تكون أكثر ملاءمة للمرحلة الجديدة؛ فهي تسمح لدمشق بالتأكيد على سيادتها وإدارتها لمنشآتها، وفي الوقت نفسه تتيح لموسكو الحفاظ على جزء من نفوذها وعلاقاتها العسكرية مع سوريا.

ومن زاوية أخرى، فإن استمرار العلاقة العسكرية يمنح روسيا فرصة للحفاظ على موطئ قدم في منطقة المتوسط، حتى في حال تقلص حجم قواتها أو تغيرت طبيعة مهامها.

دمشق تبحث عن توازن جديد

بالنسبة إلى الحكومة السورية الجديدة، يحمل الاتفاق مكاسب تتجاوز مسألة السيطرة على المطارات والموانئ.

فدمشق تسعى إلى بناء علاقات خارجية متعددة وعدم الارتهان لمحور واحد، بالتزامن مع انفتاح متزايد على الدول العربية والغربية.

وفي هذا السياق، يمكن فهم الإبقاء على قناة التعاون مع روسيا باعتباره جزءًا من سياسة تقوم على إعادة تعريف العلاقات القديمة بدل قطعها بالكامل.

فروسيا كانت حليف النظام السابق، لكنها في الوقت نفسه دولة كبرى تمتلك نفوذًا عسكريًا وسياسيًا واقتصاديًا لا يمكن تجاهله بسهولة.

لذلك يبدو أن دمشق تحاول الوصول إلى معادلة تسمح لها باستعادة سيادتها على المنشآت الاستراتيجية، مع الإبقاء على علاقات عملية مع موسكو، دون العودة إلى نموذج العلاقة الذي ساد في عهد الأسد.

تراجع النفوذ أم إعادة تموضع؟

السؤال الأهم الذي يطرحه الاتفاق هو: هل نشهد نهاية النفوذ الروسي في سوريا، أم مجرد انتقاله إلى شكل جديد؟

المؤشرات الحالية ترجح الاحتمال الثاني.

فالاتفاق يقلص بوضوح الطبيعة العسكرية المباشرة للوجود الروسي، لكنه لا يلغي التعاون العسكري، ولا يغلق الباب أمام موسكو للحفاظ على موطئ قدم في الساحل السوري.

وبالتالي، فإن روسيا قد تكون بصدد إعادة تموضع بدل الانسحاب.

لكن حجم النفوذ الذي ستتمكن موسكو من الاحتفاظ به مستقبلًا سيتوقف على تفاصيل تنفيذ الاتفاق، وعلى قدرة روسيا وسوريا على تحويل مراكز التدريب المشتركة إلى إطار مستقر للتعاون، إضافة إلى التطورات الإقليمية وعلاقات دمشق الجديدة مع الولايات المتحدة وأوروبا والدول العربية.

صفحة جديدة في العلاقة السورية الروسية

يمثل اتفاق حميميم وطرطوس تحولًا واضحًا عن المرحلة التي كانت فيها روسيا صاحبة حضور عسكري واسع في سوريا، وخصوصًا خلال عهد بشار الأسد.

فدمشق تستعيد إدارة المنشآت المدنية، فيما يجري تحويل القواعد العسكرية إلى مراكز تدريب مشتركة. وفي المقابل، لا تتخلى موسكو تمامًا عن وجودها، بل تحاول الاحتفاظ بحضور عسكري أقل كلفة وأكثر قابلية للتكيف مع الواقع السياسي الجديد.

وهكذا، فإن ما يحدث ليس نهاية الشراكة السورية الروسية، بقدر ما هو نهاية لصيغة قديمة منها.

فبعد أن كانت القواعد الروسية رمزًا لدعم موسكو لنظام الأسد، يبدو أنها تتجه الآن إلى أن تصبح جزءًا من علاقة جديدة بين دولتين تحاولان التكيف مع سوريا ما بعد الأسد.

والاختبار الحقيقي لن يكون في توقيع المذكرة، بل في كيفية تنفيذها خلال الأشهر الثلاثة المقبلة، وما إذا كانت موسكو ستتمكن من الحفاظ على نفوذ استراتيجي في المتوسط دون امتلاك القواعد بالصيغة التي عرفتها المنطقة خلال العقد الماضي.

Comments

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *