وفاة عشرات المهاجرين ومحاولة عبور جماعية أعادت فتح سؤال أعمق: هل كان ما حدث فوضى حدودية، أم عملية ضغط سياسية استُخدمت فيها أزمة الهجرة لتأديب مدريد؟
لم تكن مأساة سبتة في نهاية يوليو/تموز مجرد حادثة هجرة جماعية انتهت بسقوط عشرات الضحايا في البحر. فقد قُتل 72 شخصًا أثناء محاولات الوصول إلى الجيب الإسباني، بينما شهدت المنطقة خلال نحو 72 ساعة تدفقًا هائلًا للمهاجرين قبل أن يعود عشرات الآلاف منهم إلى داخل المغرب.
وبالمقابل كان حجم التحرك وسرعته يثيران تساؤلات حول مدى عفويته، خصوصًا مع ورود دعوات عبر شبكات التواصل الاجتماعي لحشد الشباب والتوجه إلى مدينة الفنيدق المقابلة لسبتة، إلى جانب وصول أشخاص من مناطق مختلفة في المغرب في وقت متقارب.
لكن السؤال الأكثر حساسية هو: هل عجزت السلطات المغربية عن منع الحشود، أم أنها اختارت عدم منعها في تلك اللحظة؟
من «تدفق بشري» إلى أداة ضغط
بمقارنة بين ما جرى في يوليو 2026 ومحاولة مشابهة وقعت في سبتمبر/أيلول 2024، حين تدخلت قوات الأمن المغربية لتفريق الحشود ومنعها من الوصول إلى الحدود. تطرح هذه المقارنة احتمالًا بأن قدرة السلطات على إغلاق الطريق كانت موجودة، وأن الفارق كان في القرار السياسي وليس في الإمكانات الأمنية.
وتزداد هذه الفرضية إثارة للجدل مع حقيقة أن السلطات المغربية، بعد انتهاء موجة العبور، تمكنت من إعادة أعداد كبيرة من الأشخاص إلى مدن مختلفة بواسطة حافلات، وهو ما يدل على أن الدولة كانت قادرة على إدارة حركة الأشخاص وتنظيمها.
وإن كانت هذه الوقائع، لا تثبت وحدها وجود خطة مشتركة بين الرباط وواشنطن. وأقصى ما يمكن أن تشير إليه هو أن السلطات المغربية ربما امتلكت هامشًا واسعًا من التحكم في حركة الحشود.
لماذا أصبحت سبتة قضية سياسية؟
تنبع أهمية سبتة من موقعها الاستراتيجي ومن كونها واحدة من جيبين إسبانيين على الساحل الشمالي للمغرب، إلى جانب مليلية.
لكن القضية اكتسبت بُعدًا سياسيًا أكبر بسبب التوتر المتزايد بين مدريد وواشنطن خلال الأشهر الماضية.
إذ يربط بعض المحللين بين موقف الحكومة الإسبانية من الحرب على إيران، ورفضها السماح باستخدام قواعد عسكرية إسبانية في العمليات الأمريكية، فضلًا عن الخلاف حول إنفاق دول حلف شمال الأطلسي «الناتو» على الدفاع.
وفي هذا السياق، تظهر تصريحات أمريكية سابقة اتخذت موقفًا شديد اللهجة من إسبانيا، بما في ذلك التهديد بفرض ضغوط تجارية عليها.
غير أن المشكلة أمام أي عقوبة تجارية أمريكية مباشرة هي أن السياسة التجارية الخارجية للاتحاد الأوروبي تُدار على مستوى الاتحاد، وليس من خلال التعامل مع كل دولة عضو بصورة منفردة. ومن هنا، فإن أدوات الضغط على مدريد قد تكون محدودة عندما يتعلق الأمر بالتجارة، بينما تبقى قضية سبتة ومليلية ملفًا حساسًا خاصًا بإسبانيا.
من واشنطن إلى الرباط.. خيط سياسي مثير للجدل
وبالنظر إلى سلسلة من الكتابات والتصريحات التي سبقت أحداث سبتة. نجد مقالا نشره في مارس/آذار 2026 مايكل روبين، الباحث في معهد أميركان إنتربرايز والمسؤول السابق في وزارة الدفاع الأمريكية، دعا فيه واشنطن إلى الاعتراف بسبتة ومليلية باعتبارهما أراضي مغربية محتلة، وطرح إمكانية أن تقوم الرباط بتحرك جماهيري باتجاه الجيبين.
ثم تصريحات للنائب الأمريكي ماريو دياز-بالارت في أبريل/نيسان، تحدث فيها عن وضع سبتة ومليلية، معتبرًا أن مستقبلهما ينبغي أن يكون موضوع تفاوض بين إسبانيا والمغرب.
ولا ننسى التحليل الذي نشره أمين أيوب في موقع إسرائيلي، ربط فيه بين العلاقات المغربية-الإسرائيلية وموقف إسبانيا من “إسرائيل”، وطرح فكرة أن “إسرائيل” يمكنها دعم المطالب المغربية بشأن سبتة ومليلية.
هذه السلسلة الزمنية تجعل من الضغط على إسبانيا من بوابة سبتة فكرة لم تظهر بعد المأساة، وإنما كانت مطروحة في واشنطن وتل أبيب قبلها بأشهر.
المغرب.. ورقة سبتة في العلاقة مع إسبانيا
ليست سبتة للمغرب مجرد قضية حدودية. فهي جزء من ملف أوسع يتعلق بالعلاقة مع إسبانيا والسيادة على الجيبين الإسبانيين.
وقد سبق أن استخدمت الرباط ملف الهجرة كورقة ضغط في أزمات دبلوماسية مع مدريد، وهو ما جعل الحدود بين البلدين شديدة الحساسية أمام أي توتر سياسي.
وفي أزمة 2021، شهدت سبتة وصول آلاف المهاجرين خلال فترة قصيرة، في سياق أزمة دبلوماسية حادة بين المغرب وإسبانيا.
لذلك، فإن استخدام الهجرة كأداة ضغط ليس فكرة جديدة في المنطقة، لكن الجديد هو أن يكون هناك حقا ارتباط بين ما حدث في يوليو 2026 مع سلسلة أوسع من الضغوط الأمريكية والإسرائيلية على مدريد.
الضحايا في قلب لعبة أكبر
وسط هذه الحسابات السياسية، يبقى الجانب الأكثر مأساوية هو مصير المهاجرين أنفسهم.
فالمهاجرون معظمهم من الشباب، وبعضهم أطفال، حاولوا الوصول إلى أوروبا عبر البحر، وانتهى الأمر بوفاة العشرات منهم.
وهنا تتجاوز القضية سؤال المسؤولية السياسية بين مدريد والرباط وواشنطن؛ إذ تبرز مسؤولية الدول عن حماية الأشخاص الذين وجدوا أنفسهم عالقين في منطقة حدودية تحولت إلى ساحة للصراع السياسي.
فإذا كانت الحدود قد فُتحت بصورة متعمدة، فإن استخدام البشر أداة للضغط السياسي سيكون أمرًا بالغ الخطورة. وإذا كان ما حدث نتيجة انهيار أمني أو سوء تقدير، فإن حجم الكارثة يكشف بدوره عن فشل في حماية أرواح أشخاص كانوا يحاولون الوصول إلى أوروبا.
وفي الحالتين، يبقى السؤال الأهم: كيف تحولت حياة عشرات البشر إلى جزء من صراع على النفوذ والسيادة والمواقف السياسية؟
هل كانت سبتة «عملية» سياسية؟
يذهب بعض المحللين إلى أبعد من ذلك بكثير، حيث يصفون أحداث سبتة بأنها عملية ضغط جرى إعداد بيئتها السياسية مسبقًا، ويكفي لتأكيد ذلك تشابه الأفكار المنشورة قبل الأزمة مع ما حدث لاحقًا على الأرض.
ثم وجود دعوات أمريكية للاعتراف بمغربية سبتة ومليلية، ووجود كتابات إسرائيلية تشجع دعم المغرب، ووقوع أزمة هجرة ضخمة لاحقًا، كلها وقائع يمكن وضعها في سياق واحد.
وليس من الضروري إثبات وجود مؤامرة مكتملة حتى يصبح السؤال مشروعًا. فمجرد تحول ملف الهجرة إلى أداة ضغط متكررة في العلاقات بين الدول يفتح بابًا خطيرًا، خصوصًا عندما تكون النتيجة في الطرف الآخر من الحدود مأساة إنسانية بهذا الحجم.
سبتة بين الهجرة والجغرافيا السياسية

تكشف أزمة سبتة أن الهجرة لم تعد مجرد ملف إنساني أو أمني؛ بل أصبحت في كثير من الأحيان ورقة جيوسياسية تستخدمها الدول عندما تتوتر علاقاتها.
فالمغرب يملك موقعًا جغرافيًا يجعله بوابة رئيسية نحو أوروبا، وإسبانيا تقع في مقدمة الدول الأوروبية المتأثرة بأي اضطراب في هذه الحدود، بينما ترى قوى دولية في المنطقة موقعًا استراتيجيًا متصلًا بالبحر المتوسط ومضيق جبل طارق.
وهكذا يصبح المهاجر، الذي يرى في سبتة بوابة إلى أوروبا، جزءًا من لعبة أكبر لا يملك السيطرة عليها.
المأساة الحقيقية أن من دفعوا الثمن في البحر لم يكونوا أصحاب القرار في أي من هذه الملفات. كانوا الحلقة الأضعف في صراع أكبر منهم، بين حدود متنازع عليها، وحسابات تحالفات دولية، وأزمات بين مدريد والرباط وواشنطن.
وبينما تتبادل الحكومات الاتهامات وتبحث القوى الكبرى عن أوراق الضغط، تبقى جثث الضحايا هي الدليل الأكثر قسوة على أن تحويل الهجرة إلى سلاح سياسي قد تكون كلفته بشرية قبل أن تكون دبلوماسية.
أما ما إذا كانت أحداث يوليو 2026 قد نُفذت بالفعل ضمن خطة أمريكية-مغربية أوسع، كما يذهب بعض المحللين، فذلك يحتاج إلى وثائق أو شهادات مباشرة تثبت وجود التنسيق. وحتى ظهور مثل هذه الأدلة، تبقى الفرضية معقولة ومطروحة للتحقيق.






اترك تعليقاً