تُوصَف المدرسة السياسية للرئيس الكيني بأنها مزيج من البراغماتية السياسية والشعبوية الاقتصادية، مع تركيز واضح على خطاب “الطبقات الكادحة” أو ما يُعرف في كينيا بـ”حركة الهَسْتلرز” (Hustler Movement). وقد بنى جزءًا كبيرًا من شعبيته على تقديم نفسه كشخص صعد من خلفية متواضعة إلى قمة السلطة، في مواجهة ما يسميه “النخب السياسية التقليدية” أو “السلالات السياسية”.
ومن أبرز ملامح نهجه السياسي:
- الاعتماد على خطاب الفئات الشعبية؛ إذ ركّز خلال حملته الرئاسية على دعم صغار التجار والشباب وأصحاب الدخل المحدود، وطرح ما سماه “الاقتصاد من القاعدة إلى القمة” (Bottom-Up Economy).
- البراغماتية في التحالفات؛ حيث يُعرف بقدرته على بناء التحالفات وإعادة التموضع السياسي وفق المتغيرات، الأمر الذي دفع بعض المحللين إلى وصفه بـ”صانع الصفقات السياسية”.
- التوجه المحافظ اجتماعيًا؛ إذ يُظهر ارتباطًا بالخطاب الديني المسيحي المحافظ، مع إبراز القيم الأسرية والدينية في خطاباته العامة.
- الانفتاح الخارجي والتعاون الدولي؛ حيث عزز خلال رئاسته علاقات كينيا مع شركائها الغربيين، ولعب أدوارًا في ملفات إقليمية متعددة داخل شرق أفريقيا.
وعليه، يمكن تلخيص المدرسة السياسية لروتو بأنها شعبوية انتخابية ذات خطاب اجتماعي موجّه للطبقات الدنيا، مقرونة ببراغماتية عالية في إدارة التحالفات والسلطة، وانفتاح على الشراكات الدولية.
ينتمي روتو إلى قبيلة الكالنجين، وهي من المكونات العرقية الكبيرة في كينيا، لكنها لم تحظَ بالحضور الرئاسي المؤثر لفترات طويلة مقارنة ببعض المجموعات الأخرى. وبما أن أي قبيلة كينية لا تستطيع منفردة إيصال مرشحها إلى سدة الحكم، فقد اعتمد روتو بصورة أساسية على بناء التحالفات وإدارة الشراكات السياسية، وهو ما مكّنه من الفوز بالانتخابات الرئاسية عام 2022.
وبعد وصوله إلى السلطة، انتهج سياسة تقوم على توسيع دائرة المشاركة السياسية لمختلف المكونات العرقية، ومن بينها سكان NFD المحتلة الذين لطالما اشتكوا من التهميش وضعف التمثيل السياسي. وقد شغل عدد منهم مناصب مهمة في الدولة، الأمر الذي أثار نقاشات وانتقادات داخل بعض الأوساط السياسية الكينية.
وفي هذا السياق، اختار روتو خلال حملته الانتخابية إقامة ما سُمّي بـ”يوم الحرية” في مدينة وجير، عاصمة مقاطعة وجير، حيث ألقى خطابًا أمام حشد جماهيري كبير حمل أبعادًا سياسية متعددة. وفي هذا المقال نحاول قراءة بعض دلالات ذلك الخطاب وانعكاساته المحتملة.
يمكن تصنيف خطاب روتو إلى ثلاثة أبعاد رئيسية:
- البعد الأول: الاعتذار لسكان شمال كينيا والاعتراف بوجود مظاهر تهميش تاريخية أثرت على المنطقة.
- البعد الثاني: التركيز على الاستثمار في قطاع التعليم ومنحه أولوية كبيرة ضمن خطط التنمية.
- البعد الثالث: الحديث عن البنية التحتية الاقتصادية وبرامج التنمية وتحفيز النمو الاقتصادي.
- والذي يعنينا هنا بصورة خاصة هو البعد الأول، أي الاعتذار الرسمي لسكان المنطقة الشمالية، والتساؤل حول توقيته ودلالاته السياسية.
فقد قدم الرئيس الكيني اعتذارًا باسم الدولة لسكان المنطق الشمالية المحتلة عن عقود من التهميش والإهمال والتمييز، مؤكدًا أن تلك السياسات ألحقت ضررًا بالمجتمعات المحلية، ومشددًا على أن المنطقة جزء أصيل من كينيا وأن استمرار التهميش لم يعد مقبولًا-على حد وصفه-.
أولًا: دلالات التوقيت
جاء هذا الاعتذار في مرحلة تشهد تغيرات سياسية واجتماعية متسارعة في المنطقة الحدودية، وفي ظل تنامي الوعي الجمعي والترابط بين الصوماليين يتزامن الخطاب مع تحول ملموس في الوعي السياسي والثقافي للمكون الصومالي، وتزايد الترابط الاجتماعي والاقتصادي بين الصوماليين في الداخل الكيني ومحيطهم الإقليمي، مما يدفع نيروبي لمحاولة استباق أي نزعات انفصالية أو تذمر شعبي قد يهدد الاستقرار.
الهواجس الأمنية ومكافحة ما يسمى بالإرهاب: يأتي الخطاب في وقت تشهد فيه المناطق الحدودية تحركات مستمرة لـ”حركة الشباب”. ويسعى روتو من خلال هذا التقارب الشعبي إلى بناء “حاضنة استخباراتية واجتماعية” محلية تدعم جهود الدولة الأمنية، بدلاً من سياسات القمع السابقة التي كانت تغذي التطرف.
عسكرة الحدود ورفض المجتمعات المحلية: يتزامن هذا التودد السياسي مع مساعي الحكومة الكينية لتعزيز وجودها العسكري على الحدود، وهي الخطوة التي قوبلت باحتجاجات شعبية واسعة (مثل رفض بناء المطار العسكري في منديرا). لذا، جاء الاعتذار كأداة “قوة ناعمة” لامتصاص الاحتقان المحلي وتمرير المشاريع الأمنية.
ومن هذا المنطلق، يرى بعض المراقبين أن الخطاب لم يكن مجرد مبادرة رمزية، بل يحمل أهدافًا سياسية واستراتيجية تتجاوز البعد الإنساني أو التاريخي، وهو ما يدعو إلى قراءة متأنية لمضامينه وسياقاته.
ثانيًا: محاولة الاحتواء السياسي
يرى بعض المحللين أن الخطاب يهدف إلى تعزيز اندماج الصوماليين داخل المشروع الوطني الكيني، وتوسيع قاعدة المشاركة السياسية والاجتماعية لهم، بما يعزز الاستقرار الداخلي ويحد من مشاعر التهميش.
كما يربط آخرون بين هذه الخطوة وبين رغبة الدولة في بناء شراكة سياسية أعمق مع سكان المناطق المحتلة، في ظل التحديات الأمنية والإقليمية التي تواجهها البلاد.
ثالثًا: ملف التعليم الديني
من النقاط التي أثارت اهتمام المتابعين حديث الرئيس عن دمج المدارس القرآنية (الخلاوي) ضمن المنظومة التعليمية الرسمية. وقد لقي هذا الطرح ترحيبًا لدى بعض الأطراف باعتباره خطوة نحو تطوير التعليم وتنظيمه، بينما أثار مخاوف لدى آخرين رأوا فيه احتمالًا لتغيير طبيعة التعليم الديني التقليدي الذي يشكل جزءًا مهمًا من الهوية الثقافية والدينية للمجتمع الصومالي.
ويذهب بعض المنتقدين إلى أن أي عملية دمج ينبغي أن تراعي خصوصية التعليم القرآني وتحافظ على رسالته التربوية والدينية، مع ضمان عدم المساس بثوابت المجتمع وقيمه الإسلامية.
خاتمة
يمثل خطاب الرئيس ويليام روتو في وجير محطة سياسية مهمة تستحق الدراسة والتأمل، ليس فقط بسبب مضامينه المتعلقة بالاعتذار والتنمية، بل أيضًا لما يحمله من رسائل سياسية تتصل بمستقبل العلاقة بين الدولة الكينية وسكان المناطق الشمالية المحتلة.
وبين من يراه تصحيحًا لمسار تاريخي طويل من التهميش، ومن يقرأه في إطار حسابات سياسية واستراتيجية أوسع، يبقى المؤكد أن نجاح أي مبادرة رسمية مرهون بقدرتها على ترجمة الوعود إلى سياسات عملية ملموسة يشعر المواطن بآثارها على أرض الواقع. فالتنمية الحقيقية، والعدالة في توزيع الفرص، واحترام الخصوصيات الثقافية والدينية، هي المعايير التي سيُقاس بها أثر هذا الخطاب ومستقبل نتائجه.





اترك تعليقاً