«حواضر الإسلام عبر التاريخ 17»: طرابلس .. ثغر المتوسط وبوابة الإسلام إلى إفريقيا

photo2jpg

على الساحل الليبي، وفي قلب إقليم طرابلس الغرب، نشأت مدينة عرفت في العصور القديمة باسم أويا، وكانت إحدى المدن الثلاث التي عُرفت بها المنطقة باسم «طرابوليس»، أي المدن الثلاث.

لكن أهمية المدينة لم تتوقف عند تاريخها السابق للإسلام.. إذ بدأت مرحلة جديدة مع الفتح الإسلامي في القرن الأول الهجري/السابع الميلادي، حين وصلت جيوش المسلمين إلى الساحل الليبي في عهد الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه.

وتذكر المصادر أن عمرو بن العاص فتح طرابلس سنة 23هـ/643م بعد حصارها، وأن السيطرة عليها أصبحت جزءًا من التحول الكبير الذي نقل مدن الساحل الليبي من المجال البيزنطي إلى المجال الإسلامي.

وكان موقعها الساحلي بالغ الأهمية، فهي تقع على المتوسط من جهة، وتتصل من جهة أخرى بطرق تمتد نحو الداخل والصحراء، ولذلك لم تكن مجرد مدينة ساحلية، وإنما كانت نقطة اتصال بين البحر المتوسط وعمق إفريقيا.

الإسلام يدخل طرابلس.. والمدينة تتحول إلى قاعدة

لم يكن الفتح الإسلامي الأول نهاية الصراع على المنطقة، فقد ظلت السيطرة السياسية على طرابلس تتغير مع تغير موازين القوى في المغرب وإفريقية.

تعاقبت على المدينة سلطات ودول إسلامية مختلفة، ودخلت في نطاق الأغالبة، ثم الفاطميين، ثم المرابطين والموحدين، وبعدهم الحفصيين، قبل أن تتعرض لمراحل من الصراع والتنافس الأوروبي والمتوسطي.

وتظهر أهمية طرابلس بوضوح في العصر الأغلبي، حيث أصبحت جزءًا من المجال السياسي لإفريقيا، وظلت مرتبطة بالقيروان ومراكز الحكم في تونس، قبل أن تنتقل تبعيتها إلى الفاطميين بعد قيام دولتهم سنة 296هـ/909م. وتذكر المصادر التاريخية أن طرابلس بقيت في المجال الفاطمي حتى القرن السادس الهجري.

وهذا الاتصال المتكرر بإفريقية جعل طرابلس جزءًا من شبكة المدن الإسلامية التي لم تكن حدودها السياسية ثابتة، وإنما تحركت مع الدول التي حكمت المغرب الإسلامي.

بين المرابطين والموحدين والحفصيين

في القرن السادس الهجري/الثاني عشر الميلادي دخل المغرب الإسلامي مرحلة جديدة مع صعود الموحدين، ثم استمر حضور طرابلس في شبكة القوى السياسية التي تعاقبت على المنطقة.

وبعد انهيار الدولة الموحدية في القرن السابع الهجري/الثالث عشر الميلادي، دخلت طرابلس في المجال الحفصي، وأصبحت قريبة من مركز الحكم في تونس.

وتكشف الدراسات الخاصة بتاريخ المدينة عن أهمية المرحلة الحفصية في تطور طرابلس السياسي والعمراني، ولا سيما منذ 625هـ/1227م، عندما بدأت الدولة الحفصية في إفريقية ترث نفوذ الموحدين في المنطقة.

وكانت طرابلس جزءًا من شبكة اقتصادية وثقافية واسعة امتدت على طول الساحل، وربطت المدن بالموانئ والأسواق والطرق الصحراوية.

المدينة التي عاشت من التجارة

كانت التجارة أحد المفاتيح الأساسية لفهم تاريخ طرابلس، فالميناء منحها اتصالًا مباشرًا بالمتوسط، بينما سمح موقعها الجغرافي بالوصول إلى طرق القوافل المتجهة جنوبًا نحو الصحراء، ومنها إلى مناطق السودان الإفريقي.

وتشير الوثائق الحديثة المتعلقة بتراث المدينة إلى أن ميناء طرابلس كان عنصرًا أساسيًا في اتصالها بشبكات التجارة العابرة للصحراء وبحوض المتوسط، وأن هذا الدور التجاري انعكس على عمرانها وثقافتها.

ومن هنا ظهرت الأسواق والخانات والحمامات والورش، وأصبح قلب المدينة فضاءً تتداخل فيه التجارة مع العبادة والحياة الاجتماعية.

المدينة القديمة.. حين تحولت العمارة إلى سجل للتاريخ

من أكثر ما يميز طرابلس أن تاريخها الإسلامي لا يُقرأ في كتاب واحد، بل يمكن قراءته داخل أزقتها ومساجدها.

وتضم المدينة القديمة عددًا كبيرًا من الجوامع والمساجد والزوايا والمدارس والكتاتيب، ومن بينها جامع الناقة، جامع درغوت، جامع شايب العين، جامع سيدي سالم، جامع محمود خازن دار، جامع قرجي، وجامع أحمد باشا القره مانلي، إلى جانب عدد من الزوايا والمنشآت التعليمية. وتحصي الجهات المعنية بتراث المدينة عشرات المنشآت الدينية والتعليمية داخل المدينة القديمة.

وهذه الكثافة العمرانية تكشف أن المسجد في طرابلس لم يكن مبنى للصلاة فحسب، بل كان جزءًا من منظومة متكاملة تضم التعليم والقضاء والأوقاف والأسواق والعلاقات الاجتماعية.

g k4 dSFCwSOoywPwlACkG kbQTxD0VmGqBzw3b1OT92nwEHdRiiE8LokrU9Sii4 uNguOvpGluO3yFsjm WsoPYQpANKDl5OjGwrn9mhhDWgR1jz851z6YUlR0Whku2uSUgZfmxoeV vqBFtWbyzL6aGs9ci H aedaNv hh8w1J1GZOTA5mbe XCYu
جامع أحمد باشا القره مانلي، شُيّد سنة 1149هـ/1737م وأصبح أحد أبرز رموز العمارة الإسلامية في المدينة القديمة بطرابلس.

درغوث باشا.. بداية مرحلة عثمانية جديدة

في القرن العاشر الهجري/السادس عشر الميلادي دخلت طرابلس مرحلة عثمانية بعد انتهاء الوجود الإسباني فيها وعودة المدينة إلى الحكم العثماني سنة 958هـ/1551م.

ومن أبرز آثار هذه المرحلة جامع درغوث باشا، الذي اكتمل في 963هـ/1556م تقريبًا، وأصبح أحد المعالم الكبرى للعمارة العثمانية في المدينة.

صورة24
جامع درغوث باشا

كما ارتبطت هذه المرحلة بتطور شبكة المساجد والمدارس والأسواق، وتحول طرابلس إلى مركز عثماني مهم على الساحل الجنوبي للمتوسط.

ثم ظهرت في المدينة مجموعة من المنشآت الدينية التي حملت ملامح عثمانية واضحة، ومن أبرزها مسجد ومدرسة عثمان باشا الساقزلي التي تعود إلى 1654م.

أحمد باشا القره مانلي.. عندما أصبحت طرابلس مركز حكم شبه مستقل

دخلت طرابلس مرحلة جديدة تمامًا مع صعود أحمد باشا القره مانلي سنة 1123هـ/1711م.

استطاع أحمد باشا تثبيت حكمه في طرابلس وتأسيس أسرة حكمت الإيالة لنحو 125 عامًا، مع احتفاظها بعلاقة تبعية اسمية للدولة العثمانية في مراحلها المختلفة.

وأصبحت طرابلس في عهده مركزًا سياسيًا واقتصاديًا نشطًا، وازدهرت حركة البناء في المدينة.

ومن أشهر آثار هذه المرحلة جامع أحمد باشا القره مانلي، الذي شُيد سنة 1149هـ/1737م، وأصبح مسجد الدولة ورمزًا للعصر القره مانلي، إلى جانب المدارس والأوقاف والأسواق والمنشآت المرتبطة به.

أما يوسف باشا القره مانلي، الذي حكم بعد أحمد باشا، فقد ارتبط اسمه بمرحلة توسع اقتصادي وسياسي مهمة في تاريخ طرابلس، وخصوصًا خلال العقود الأولى من القرن الثالث عشر الهجري/التاسع عشر الميلادي.

طرابلس والعلم.. المسجد والمدرسة والزوايا

لم تكن طرابلس مدينة حكم وتجـارة فقط، فمع نمو المدينة تشكلت فيها شبكة من المدارس والمساجد والزوايا، وظهرت حلقات للعلم مرتبطة بالفقه المالكي والعلوم الشرعية واللغة.

وتذكر الدراسات الخاصة بتاريخ طرابلس في العصر الوسيط وجود المدرسة المستنصرية، التي يرجع تأسيسها إلى القرن السابع الهجري/الثالث عشر الميلادي، إلى جانب منشآت تعليمية أخرى ظهرت في العصور الحفصية والعثمانية.

وفي المدينة القديمة ظل المسجد مرتبطًا بالمدرسة والسوق والحي؛ ولذلك فإن دراسة عمران طرابلس تكشف كيف تشكلت المدينة الإسلامية حول وظائف متداخلة، لا حول القصور وحدها.

طرابلس بين المتوسط والصحراء

ربما تكمن خصوصية طرابلس التاريخية في موقعها الوسيط، فهي ليست مدينة داخلية مثل القيروان، ولا مدينة أندلسية المتوسط مثل قرطبة، ولا عاصمة إمبراطورية ضخمة مثل بغداد؛ وإنما أدت وظيفة مختلفة: بوابة بحرية للصحراء ونافذة إفريقية على المتوسط.

ومن خلال مينائها وأسواقها وقوافلها انتقلت السلع والأخبار والأشخاص، وتحرك العلماء والتجار والحجاج بين شمال إفريقيا وداخلها.

ولهذا بقيت المدينة حاضرة في خرائط المغرب الإسلامي حتى عندما تغيرت الدول التي تحكمها.

ماذا بقي من طرابلس؟

بقيت المدينة القديمة أهم سجل حي لهذا التاريخ، ففيها تتجاور المساجد العثمانية، والأسواق، والخانات، والحمامات، والزوايا، والبيوت التقليدية، إلى جانب آثار أقدم من العصر الإسلامي، مثل قوس ماركوس أوريليوس.

وتؤكد وزارة السياحة والصناعات التقليدية الليبية أن المدينة القديمة تضم مجموعة واسعة من المعالم التي تجمع بين العمارة المتوسطية والإفريقية والشرقية، ومن بينها مآذن جامع قرجي وجامع الباشا والأسواق التاريخية والحمامات.

وهكذا بقيت طرابلس مدينة يمكن قراءة طبقات تاريخها في الحجر: أويا القديمة، ثم طرابلس الإسلامية، ثم المدينة العثمانية، ثم العاصمة القره مانلية.

Comments

رد واحد على “«حواضر الإسلام عبر التاريخ 17»: طرابلس .. ثغر المتوسط وبوابة الإسلام إلى إفريقيا”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *