حصار قُصرة يكشف مجددًا أزمة الاستيطان.. وقوات الاحتلال الإسرائيلي تحوّل منازل فلسطينية إلى مواقع عسكرية

thumbs b c e8a4d1caeeb89c7db5721683af401b0f

في مشهد يلخص تصاعد العنف الاستيطاني في الضفة الغربية المحتلة، تواجه ثلاث عائلات فلسطينية في قرية قُصرة جنوب نابلس حصارًا مستمرًا منذ أيام، فيما صادرت قوات الاحتلال الإسرائيلية 16 منزلًا فلسطينيًا في القرية ومحيطها وحولتها إلى مواقع عسكرية، بحسب مسؤول محلي.

القضية دفعت السفير الأمريكي لدى ما يسمى “إسرائيل” مايك هاكابي إلى وصف حصار المنازل بأنه «عمل إرهابي»، لكنه في الوقت نفسه دافع عن حركة الاستيطان الإسرائيلية على نطاق أوسع، معتبرًا أن المشكلة تكمن في «قلة» من المستوطنين، لا في المشروع الاستيطاني نفسه.

عائلات محاصرة ومنازل تتحول إلى مواقع عسكرية

بدأت الأزمة الأحد، عندما أقام مستوطنون إسرائيليون خيامًا ومنشآت مؤقتة بين منازل الفلسطينيين في منطقة رأس العين على أطراف قُصرة، وأغلقوا الطرق المؤدية إليها بالحجارة، ثم حاصروا ثلاثة منازل، أحدها لعائلة فلسطينية يحمل أحد أفرادها الجنسية الأمريكية.

وبحسب رئيس مجلس قروي قُصرة عبد العظيم الوادي، فإن العائلات الثلاث بقيت محاصرة داخل منازلها لليوم الرابع، بينما واصلت القوات الإسرائيلية انتشارها في القرية ومحيطها.

وقال الوادي إن جيش الاحتلال الإسرائيلي أبلغ المجلس بأن العملية العسكرية ستستمر حتى صباح الأحد، في حين شاهد مراسل الأناضول جنودًا إسرائيليين يتمركزون داخل عدد من المنازل الفلسطينية.

ولم تقتصر الإجراءات على الحصار؛ إذ أفادت المصادر المحلية بأن المياه والكهرباء قطعتا عن المنازل المحاصرة، كما مُنعت إمدادات الغذاء والمياه والأدوية من الوصول إليها.

وفي الوقت نفسه، فرض الجيش الإسرائيلي حظر تجول في قُصرة وأمر بإغلاق المحال التجارية، مع انتشار واسع للقوات والآليات والجرافات.

السفير الأمريكي: «عمل إرهابي»

في الولايات المتحدة، أثارت القضية اهتمامًا سياسيًا، خصوصًا أن إحدى العائلات المحاصرة تضم مواطنًا أمريكيًا.

السفير الأمريكي لدى “إسرائيل” مايك هاكابي وصف ما يجري بأنه «عمل إرهابي» يستهدف ترهيب العائلة ومضايقتها، وقال إن السفارة الأمريكية كانت على اطلاع مباشر على القضية وإن القوات الإسرائيلية والشرطة تحركت بناء على طلبها لإزالة المستوطنين الذين وصفهم بـ«الإرهابيين».

لكن موقف هاكابي لم يصل إلى حد إدانة المشروع الاستيطاني ذاته.

ففي تصريحات لاحقة، حاول السفير تصوير ما جرى باعتباره حادثة معزولة نفذتها أقلية من المستوطنين المتطرفين، قائلًا إن «المستوطنين ليسوا المشكلة»، وإنما «المُفسدون» أو الخارجون عن القانون.

كما أشاد بمستوطنين يدينون هذه الاعتداءات، في موقف يفرق بين المستوطنين «المعتدلين» والمستوطنين الذين يمارسون العنف.

جنود إسرائيليون بين المستوطنين

Settlers Qusra 980x553 1

لكن رواية أخرى تثير تساؤلات حول حدود الفصل بين المستوطنين والقوات الإسرائيلية.

وقال لوي ريدي، وهو فلسطيني أمريكي يقيم في ولاية أوهايو، إنه كان يتابع عبر كاميرات المراقبة ما يحدث في المنزل الذي يحاصر فيه شقيقه وابن أخيه البالغ 18 عامًا.

وبحسب روايته، اتصل شقيقه بالشرطة طلبًا للمساعدة، وعندما وصلت قوة من جيش الاحتلال الإسرائيلي، لم يشعر بأن الجنود وفروا الحماية لعائلته، بل قال إنهم شوهدوا وهم يتعاملون بود مع المستوطنين.

كما أظهرت مشاهد أن جنودًا إسرائيليين أدوا الصلاة مع المستوطنين، فيما أعلن الجيش أنه سيتخذ إجراءات تأديبية بحق الجنود المعنيين.

وهذه الوقائع تعيد إلى الواجهة سؤالًا أكبر من حادثة قُصرة: هل يمكن اعتبار عنف المستوطنين ظاهرة منفصلة عن المنظومة العسكرية والسياسية التي تعمل في الضفة الغربية؟

16 منزلًا فلسطينيًا تحت السيطرة العسكرية

وبالتزامن مع حصار المنازل، قال رئيس مجلس قُصرة إن الجيش الإسرائيلي استولى على 16 منزلًا فلسطينيًا وحوّلها إلى مواقع عسكرية.

وبررت القوات وجودها بالعمل على تفكيك بؤرة استيطانية غير قانونية أقيمت بالقرب من القرية، في ظل توترات متصاعدة.

لكن الهيئة الفلسطينية لمقاومة الاستيطان والجدار حذرت من أن إقامة البؤرة ليست تطورًا عابرًا، مشيرة إلى أن المستوطنين حاولوا ثماني مرات إقامة بؤرة في منطقة جبل رأس العين، التي تتمتع بموقع مرتفع واستراتيجي يطل على مساحات واسعة.

وتقول الهيئة إن محاولات الاستيلاء على المنازل بدأت قبل نحو أربعة أشهر، ما دفع أفراد العائلات إلى التناوب على البقاء فيها لمنع الاستيلاء عليها.

الاستيطان بين «حادث فردي» ومشروع متكامل

يرى اللاهوتي النصراني الفلسطيني منذر إسحاق أن التركيز على «قلة من المستوطنين المتطرفين» يتجاهل أصل المشكلة، وهي حركة الاستيطان نفسها، معتبرًا أن الاستيطان يقوم على الاستيلاء على الأراضي الفلسطينية ويحظى بتمكين وحماية من الدولة الإسرائيلية.

وهنا تكمن المفارقة في تصريحات هاكابي: فهو يدين حصار المنازل بوصفه عملًا إرهابيًا، لكنه يدافع عن البنية الاستيطانية التي تنتشر داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة.

وبالتالي فإن القضية لا تتعلق فقط بما إذا كان مستوطن معين قد اعتدى على فلسطيني أو حاصره، بل بالسؤال الأوسع حول الاستيلاء على الأرض وتغيير واقعها الديموغرافي وتثبيت وجود استيطاني دائم فيها.

أرقام تكشف اتساع الظاهرة

وتشير الأرقام الفلسطينية إلى اتساع نطاق العنف في الضفة الغربية.

فوفق بيانات الهيئة الفلسطينية لمقاومة الاستيطان والجدار، نفذ المستوطنون 12,506 اعتداءات بين أكتوبر/تشرين الأول 2023 ويونيو/حزيران 2026، أدت إلى مقتل 52 فلسطينيًا وإشعال 890 حريقًا ألحق أضرارًا بالممتلكات والأراضي الزراعية الفلسطينية.

وخلال يوليو/تموز وحده، وثقت الهيئة 2,256 اعتداءً في الضفة الغربية، بينها 1,458 نفذتها القوات الإسرائيلية و798 نفذها مستوطنون.

كما حذرت الهيئة من أن حصار قُصرة قد يتحول إلى عملية طويلة تهدف إلى عزل العائلات الفلسطينية ودفعها إلى مغادرة منازلها.

وتستشهد بما حدث في قرية جلّود المجاورة، حيث قالت إن مستوطنين استولوا في 22 يوليو/تموز على منزل عائلة فلسطينية بعد حصاره لأكثر من ثلاثة أشهر.

قُصرة.. صورة مصغرة للصراع على الأرض

ما يجري في قُصرة يتجاوز حادثة اعتداء جديدة في الضفة الغربية؛ فهو يجمع في مشهد واحد عنف المستوطنين، والحضور العسكري الإسرائيلي، والاستيلاء على المنازل، ومحاولات إقامة بؤر استيطانية، والضغط على الفلسطينيين لدفعهم خارج أراضيهم.

وإذا كان السفير الأمريكي قد وصف حصار العائلات بأنه «عمل إرهابي»، فإن استمرار تحويل المنازل الفلسطينية إلى مواقع عسكرية، ومحاولات إقامة بؤر استيطانية حولها، يطرح سؤالًا أكثر عمقًا:

هل المشكلة مجرد «قلة متطرفة» كما يقول هاكابي، أم أن ما يحدث في قُصرة جزء من مسار أوسع لإعادة تشكيل واقع الضفة الغربية على الأرض؟

Comments

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *