حرب السودان تحرم الملايين من التعليم.. والقتال يواصل تهديد المدنيين

thumbs b c c9b8ae776b462d2c1ce6d908849ef508

الأمم المتحدة تحذر من ضياع مستقبل جيل كامل، بالتزامن مع استمرار الهجمات في كردفان وتصاعد موجات النزوح

بعد أكثر من ثلاثة أعوام على اندلاع الحرب في السودان، لم تعد الخسائر محصورة في الأرواح والتهجير وتدمير البنية التحتية، بل امتدت إلى مستقبل ملايين الأطفال الذين حُرموا من مدارسهم، في وقت يستمر فيه القتال بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع في عدد من مناطق البلاد.

وحذرت نائبة الأمين العام للأمم المتحدة أمينة محمد، الجمعة 7 أغسطس/آب 2026، من أن الحرب التي دخلت يومها الـ1210 تحرم ملايين الأطفال من التعليم، فيما بات أكثر من 33 مليون سوداني يعتمدون على المساعدات الإنسانية.

وقالت إن ما لا يقل عن 8 ملايين طفل في سن الدراسة خارج المدارس، مع تأثير أكبر على الأطفال النازحين، ولا سيما من اضطروا إلى مغادرة البلاد بحثاً عن الأمان.

دارفور.. مدارس مدمرة وأطفال خارج التعليم

تبدو الأزمة أكثر حدة في إقليم دارفور، حيث تضررت أو دمرت أو خرجت عن الخدمة نحو ثلاثة أرباع المدارس منذ اندلاع الحرب.

وتشير الأمم المتحدة إلى أن خمسة من كل ستة أطفال في دارفور خارج المدارس، في وقت لم يعد فيه الذهاب إلى المدرسة خياراً آمناً لكثير من الأسر التي تعيش وسط القتال والنزوح.

ولا تتعلق المشكلة بمجرد توقف الدراسة؛ فاستمرار الأطفال خارج التعليم لفترة طويلة يهدد بإحداث فجوة يصعب تعويضها، خصوصاً لدى ملايين الأطفال الذين فقدوا الاستقرار الأسري والمدرسي واضطروا إلى التنقل بين مناطق النزوح أو عبر الحدود.

وبذلك تتحول الحرب إلى أزمة تمتد آثارها إلى ما بعد توقف المعارك، لأن جيلاً كاملاً قد يخرج من سنوات التعليم الأساسية دون فرصة منتظمة للعودة إلى المدرسة.

الجوع والنزوح يضاعفان الكارثة

يتزامن الانقطاع عن التعليم مع تدهور الوضع الإنساني. وحذرت أمينة محمد من أن المجاعة ترسخت في مناطق من السودان، فيما يُتوقع أن يواجه نحو 4 ملايين امرأة وطفل سوء تغذية حاداً خلال العام الحالي.

كما نزح نحو 9 ملايين شخص داخل السودان، بينما فر ملايين آخرون إلى دول الجوار.

وفي ظل هذه الظروف، تصبح الأولوية بالنسبة إلى كثير من الأسر توفير الغذاء والمأوى والأمان، بينما يتراجع التعليم إلى مرتبة ثانوية، خصوصاً عندما تكون المدارس نفسها مدمرة أو تستخدم لأغراض مرتبطة بالنزوح.

كردفان.. الحرب مستمرة رغم تغير خطوط المواجهة

وبينما تتحدث الأمم المتحدة عن الكارثة الإنسانية، تستمر العمليات العسكرية على الأرض.

فقد أعلنت شبكة أطباء السودان مقتل أربعة أشخاص وإصابة آخرين في هجوم اتهمت فيه قوات الدعم السريع باستهداف منطقة الطُّمَيْد في ولاية شمال كردفان مساء الخميس.

وقالت الشبكة إن قوة من الدعم السريع على دراجات نارية هاجمت المنطقة، وقتلت أربعة أشخاص ونهبت ممتلكات السكان، محذرة من أن الاعتداءات على المدنيين تزيد الخوف وتدفع السكان إلى مغادرة منازلهم.

ولم يصدر عن قوات الدعم السريع تعليق فوري على هذه الاتهامات.

ويأتي الهجوم في وقت تشهد فيه ولايات كردفان الثلاث، شمال كردفان وغرب كردفان وجنوب كردفان، مواجهات مستمرة منذ أكتوبر/تشرين الأول 2025.

الجيش يحقق تقدماً في شمال كردفان

في المقابل، حقق الجيش السوداني خلال الأيام الأخيرة تقدماً ميدانياً في شمال كردفان، إذ أعلن في 30 يوليو/تموز استعادة السيطرة على بارا وجبرة الشيخ وأم سيالة.

وكان حاكم إقليم دارفور مني أركو مناوي قد أعلن قبل ذلك استعادة الجيش وحلفائه السيطرة على عدد من المناطق، بينها بارا وأم قرفة وأم سيالة وجبرة الشيخ، بعد عمليات عسكرية ضد قوات الدعم السريع.

لكن هذه التطورات لم تعنِ نهاية القتال؛ فالمعارك لا تزال مستمرة في كردفان، فيما يبقى المدنيون عالقين بين تغير خطوط السيطرة وتداعيات القتال والنزوح.

الحرب التي تسرق المستقبل

تكشف التطورات الأخيرة أن الحرب السودانية لا تستهلك الحاضر فقط، وإنما تهدد مستقبل البلاد لسنوات قادمة.

فخروج 8 ملايين طفل من المدارس، إلى جانب تدمير نسبة كبيرة من المدارس في دارفور، يعني أن آثار الحرب لن تنتهي بمجرد توقف إطلاق النار. وسيكون على السودان لاحقاً إعادة بناء المدارس، وإعادة الأطفال إلى التعليم، ومعالجة آثار النزوح والفقر وسوء التغذية.

وهنا تتجاوز قضية التعليم كونها ملفاً إنسانياً؛ فهي جزء من قدرة السودان على إعادة بناء نفسه بعد الحرب. فكلما طال بقاء الأطفال خارج المدارس، اتسعت كلفة إعادة دمجهم في النظام التعليمي، وزادت مخاطر ضياع سنوات أساسية من حياتهم.

تدخل الحرب السودانية عامها الرابع بينما تتسع كلفتها الإنسانية: ملايين نازحون، أزمة غذاء متفاقمة، مدن ومناطق مدمرة، و8 ملايين طفل خارج المدارس.

وفي الوقت الذي يستمر فيه القتال في كردفان وتتبادل الأطراف السيطرة على مناطق استراتيجية، يدفع المدنيون الثمن الأكبر، سواء بالنزوح أو فقدان الأمن أو انهيار الخدمات الأساسية.

لكن أخطر ما في المشهد قد يكون ما لا يظهر في ساحات القتال: جيل سوداني كامل مهدد بأن يكبر بعيداً عن المدرسة.

ولهذا فإن إنهاء الحرب لا يعني فقط وقف القتال، بل إنقاذ ما يمكن إنقاذه من مستقبل الأطفال الذين تحولت الحرب بالنسبة إليهم من أزمة مؤقتة إلى سنوات ضائعة.

Comments

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *