كشفت منظمة هيومن رايتس ووتش في تقرير نشرته عام 2015 عن نظام وصفته بأنه «ثنائي المسار» لإصدار جوازات السفر في الصين، قالت إنه جعل السفر إلى الخارج أكثر صعوبة بالنسبة لسكان مناطق يقطنها عدد كبير من الأقليات العرقية والدينية، وفي مقدمتهم الأويغور المسلمون والتيبتيون وبعض الأقليات المسلمة الأخرى.
وبحسب المنظمة، لم تكن المشكلة في مجرد الإجراءات الإدارية، بل في وجود تفاوت واضح بين المناطق ذات الأغلبية من قومية الهان وبين المناطق التي تضم أعدادًا كبيرة من الأقليات. ففي النظام السريع، كان من المفترض إصدار جواز السفر خلال نحو 15 يومًا أو توضيح سبب التأخير، بينما واجه المتقدمون في المناطق الخاضعة للنظام البطيء تأخيرات قد تمتد لسنوات أو رفضًا للطلبات دون تقديم أسباب قانونية واضحة.
قيود تتجاوز جواز السفر
قالت هيومن رايتس ووتش إن هذه السياسة أثرت خصوصًا على مناطق يعيش فيها الأويغور والتيبتيون وغيرهم من الأقليات، وإن وثائق محلية أظهرت أن القيود على السفر ارتبطت أيضًا بمخاوف السلطات الصينية من بعض أشكال النشاط الديني والسفر لأغراض دينية.
وفي إقليم شينجيانغ (تركستان الشرقية)، وثقت المنظمة تقارير عن صعوبات إضافية واجهها الأويغور في الحصول على جوازات السفر، مشيرة إلى أن سلطات إقليم إيلي، في أبريل/نيسان 2015، طلبت من حاملي جوازات السفر العادية تسليمها إلى الشرطة لـ«الإدارة المركزية»، دون توضيح علني لسبب سحبها أو شروط استعادتها.
أما في إقليم التبت، فقالت المنظمة إن السلطات كانت قد أمرت منذ عام 2012 بسحب جوازات السفر العادية من السكان، ولم تجد أدلة على إصدار بدائل بصورة طبيعية، ما أدى عمليًا إلى تقييد السفر الخارجي بدرجة كبيرة.
الأويغور في قلب القيود
تكتسب هذه الإجراءات أهمية خاصة بالنسبة إلى الأويغور، وهم أقلية مسلمة ناطقة بلغة تركية تتركز بصورة أساسية في شينجيانغ (تركستان الشرقية).
وفي تقريرها لعام 2015، قالت هيومن رايتس ووتش إن السلطات الصينية فرضت قيودًا على السفر الخارجي للأويغور، وربطت بعض القيود بمخاوف السلطات من السفر لأغراض دينية، بما في ذلك الحج الفردي إلى مكة.
كما أشارت المنظمة إلى تقارير عن رفض طلبات جوازات سفر لأويغور، وإلى إجراءات أكثر تعقيدًا للحصول على وثائق السفر مقارنة بالنظام المطبق في مناطق أخرى من البلاد.
لكن القضية لم تتوقف عند عام 2015. ففي تقرير أحدث نُشر عام 2025، قالت هيومن رايتس ووتش إن السلطات الصينية لا تزال تفرض قيودًا وشروطًا صارمة على سفر الأويغور إلى الخارج، رغم السماح لبعضهم في السنوات الأخيرة بالسفر في ظروف محددة وتحت رقابة مشددة.
ووفق المنظمة، يُطلب من بعض الأويغور الراغبين في السفر تقديم معلومات إضافية حول الغرض من الرحلة، وقد يخضعون لموافقات أمنية وشروط تتعلق بمدة السفر والوجهة، فيما تحدثت المنظمة عن حالات سُحبت فيها جوازات السفر بعد عودة أصحابها.
حرية التنقل تحت الاختبار
تقول هيومن رايتس ووتش إن الحق في مغادرة أي بلد، بما في ذلك بلد الشخص نفسه، جزء من الحق في حرية التنقل المعترف به دوليًا، وإن القيود على هذا الحق ينبغي أن تكون قانونية وضرورية وغير تمييزية.
ومن هذا المنطلق، اعتبرت المنظمة أن وجود نظام يجعل الوصول إلى جواز السفر أكثر صعوبة في المناطق التي تسكنها أقليات دينية وعرقية يثير مخاوف تتعلق بالتمييز وحرية الحركة.
وتزداد حساسية القضية عندما يتعلق الأمر بالسفر الديني أو التواصل مع الأقارب الموجودين خارج الصين، إذ يمكن للقيود على السفر أن تتحول من إجراء إداري إلى وسيلة لعزل الأفراد عن عائلاتهم ومجتمعاتهم في الخارج.
سياسة تغيرت أدواتها.. ولم ينته الجدل
تُظهر التطورات اللاحقة أن القيود على سفر الأويغور لم تختفِ، وإنما تغيرت أشكالها. ففي عام 2016، وثقت هيومن رايتس ووتش إجراءات لسحب جوازات السفر في شينجيانغ ومنح الشرطة صلاحيات إضافية للتدقيق في طلبات السفر إلى الخارج.
وفي تقريرها لعام 2025، قالت المنظمة إن بعض الأويغور أصبحوا قادرين على السفر في ظروف محدودة، لكنها وصفت القيود المستمرة بأنها تعسفية وتمييزية، مشيرة إلى أن السلطات لا تزال تفرض رقابة مشددة على من يسمح لهم بالسفر.
وتأتي هذه الممارسات ضمن سياق أوسع من السياسات الصينية في شينجيانغ. وتقول هيومن رايتس ووتش في تقريرها العالمي لعام 2026 إن السلطات الصينية واصلت، منذ أواخر عام 2016، فرض سياسات قالت المنظمة إنها تنطوي على انتهاكات جسيمة لحقوق الأويغور، بما في ذلك التضييق على الممارسات الدينية والثقافية ومحاولات فرض الاستيعاب.
وبذلك، فإن قضية جوازات السفر لا تبدو مجرد خلاف حول إجراءات بيروقراطية، بل جزءًا من سؤال أكبر حول مدى تمتع الأقليات في الصين بحقوق متساوية في حرية الحركة والسفر والحفاظ على صلاتها الدينية والعائلية والثقافية خارج البلاد.
وفي الوقت الذي تؤكد فيه بكين أن إجراءاتها مرتبطة بالأمن والاستقرار، ترى منظمات حقوقية أن اتساع القيود واستهدافها بصورة أكبر لمناطق الأقليات يثير مخاوف جدية بشأن التمييز وحرية التنقل.





اترك تعليقاً