في مديرية حجر بمحافظة حضرموت شرقي اليمن، لا يمثل موسم التمور مجرد نشاط زراعي سنوي، بل يشكل بالنسبة إلى آلاف الأسر مصدرًا أساسيًا للدخل والغذاء في منطقة تعاني ضعف الخدمات وتدهور البنية التحتية وتداعيات أكثر من عقد من الحرب.
ومع بزوغ الفجر، يتوجه المزارعون برفقة أفراد أسرهم إلى المساحات الصخرية المفتوحة التي تتحول خلال موسم الحصاد إلى ساحات لتجفيف التمور وتنظيفها وفرزها، قبل عرضها على التجار والمشترين القادمين من مناطق مختلفة في حضرموت.
وتشتهر مديرية حجر ببساتين النخيل الممتدة على طول واديها، ويقدّر مسؤولون محليون وجود ما لا يقل عن مليوني نخلة فيها، ما يجعل التمور في قلب النشاط الاقتصادي للمنطقة.
موسم يحدد مصير أسر كاملة
بالنسبة إلى كثير من المزارعين، تعتمد ميزانية الأسرة طوال العام على نجاح موسم واحد.
ويشتري بعضهم احتياجات أسرهم الأساسية بالدين من متاجر محلية، على أن يسددوا ما عليهم بعد بيع محصول التمور. كما يؤجل آخرون نفقات كبيرة، مثل الزواج أو بناء المنازل أو شراء حاجات ضرورية، إلى حين انتهاء موسم الحصاد.
وقال أحد المزارعين إنه مدين لمتجر محلي بنحو مليون ريال يمني، وإن عجزه عن بيع محصوله يعني عدم قدرته على سداد الدين.
ولا يقتصر دور التمور على توفير المال، بل تتحول بالنسبة إلى الأسر الأشد فقرًا إلى شبكة أمان غذائي، إذ يقول مزارعون إن بعض العائلات تعتمد على التمر والقهوة عندما تعجز عن شراء أغذية أخرى مثل الأسماك أو الأرز.
طرق متهالكة وغياب الكهرباء

ورغم أهمية القطاع، يعمل مزارعو حجر في ظروف شديدة الصعوبة.
فالطريق الرئيسي الذي يربط المديرية ببقية مناطق حضرموت يعاني التدهور بعد سنوات من ضعف الصيانة، فيما لا تزال العديد من الطرق الداخلية ترابية وغير معبدة.
كما تعاني المنطقة غياب الكهرباء وضعف خدمات الاتصالات، إلى جانب مشكلات مرتبطة بالمياه والصرف الصحي، وهو ما ساهم في تفشي أمراض مثل الكوليرا في فترات سابقة.
ويقول المزارعون إن الفقر يمنع كثيرين منهم حتى من نقل منتجاتهم إلى الأسواق الكبرى، إذ لا يملك بعضهم المال اللازم لدفع أجور النقل، فيلجؤون أحيانًا إلى تعويض السائقين بصناديق من التمور بدلًا من النقود.
الفيضانات تهدد بساتين النخيل
وتواجه زراعة النخيل أيضًا تحديات بيئية متزايدة.
فقد تسببت فيضانات وقعت قبل أشهر في تدمير سد صغير كان يستخدم لتحويل مياه أحد الأنهار نحو الأراضي الزراعية، ما قلل كمية المياه التي تصل إلى بساتين النخيل.
وباتت آثار ذلك واضحة على امتداد المنطقة، حيث تظهر أشجار نخيل جافة أو شبه عارية بعد تراجع إمدادات المياه.
ويضع المزارعون إعادة بناء السد في مقدمة مطالبهم، مؤكدين أن استمرار الوضع الحالي يدفع مزيدًا منهم إلى ترك الزراعة والبحث عن وظائف أخرى، أو الالتحاق بالأجهزة الأمنية والعسكرية، أو الهجرة من المنطقة.
صناعة تقليدية تنتظر التطوير
ولا تزال عملية إنتاج التمور في حجر تعتمد بدرجة كبيرة على الطرق التقليدية.
فبعد الحصاد، تنقل الثمار إلى ساحات مكشوفة لتجفيفها تحت الشمس، ثم تتولى الأسر تنظيفها وفرزها يدويًا، قبل تعبئتها وبيعها.
ولهذا يطالب المزارعون الحكومة والمستثمرين بإنشاء مصنع متخصص لتجهيز التمور وتعبئتها، معتبرين أن وجود منشأة من هذا النوع يمكن أن يقلل الجهد والوقت، ويرفع جودة المنتج، ويفتح أمامهم أسواقًا أكبر.
وفي ظل محدودية البدائل الاقتصادية، تبقى النخلة بالنسبة إلى سكان حجر أكثر من مجرد محصول زراعي؛ فهي مصدر رزق، ومخزون غذائي، ووسيلة لسداد الديون، وأحد آخر القطاعات التي لا تزال تمنح آلاف الأسر فرصة للصمود في مواجهة الفقر وتداعيات الحرب.





اترك تعليقاً