تحولت مرافق مخصصة للوضوء في مطارين رئيسيين بولاية تكساس الأميركية إلى محور مواجهة سياسية ودينية متصاعدة، بعدما طلب حاكم الولاية الجمهوري غريغ أبوت فتح تحقيق اتحادي بشأنها، معتبرًا أنها قد تمثل تمييزًا دينيًا، في خطوة أثارت انتقادات واسعة من منظمات حقوقية وقيادات مسلمة، ورأتها جزءًا من حملة سياسية أوسع ضد المسلمين في الولاية.
ولم تقتصر المواجهة على المطالبة بالتحقيق، إذ سبق لأبوت أن هدد بسحب تمويل حكومي من مطاري دالاس-فورت وورث الدولي وجورج بوش الدولي في هيوستن، ما دفع مطار دالاس-فورت وورث إلى العدول عن خطط لإضافة مرافق وضوء جديدة.
وتكشف القضية، التي تبدو في ظاهرها خلافًا حول منشآت خدمية محدودة، عن صراع أوسع حول حدود التسهيلات الدينية في الأماكن العامة، والحياد الديني للدولة، ومستقبل العلاقة بين السلطات الجمهورية والجالية المسلمة في تكساس.

أبوت يطلب تدخل الحكومة الاتحادية
صعّد أبوت المواجهة في 21 أغسطس 2026م، الموافق 8 ربيع الأول 1448هـ، عندما طلب من وزارة العدل الأميركية مراجعة مرافق الوضوء الموجودة في مطاري دالاس-فورت وورث وجورج بوش الدولي.
ويرى حاكم تكساس أن المطارات التي تحصل على تمويل اتحادي ملزمة بالامتثال للقوانين التي تحظر التمييز، ولذلك طالب بالتحقيق في ما إذا كانت هذه المرافق تتوافق مع تلك القواعد.
ويستند أبوت في موقفه إلى أن مرافق الوضوء، بحسب رؤيته، صممت لخدمة المسلمين تحديدًا، وليس بوصفها مرافق عامة متعددة الأديان متاحة على قدم المساواة للجميع.
لكن هذه الرواية تواجه اعتراضًا جوهريًا من الجانب الآخر، فمرافق الوضوء ليست أماكن عبادة مغلقة أو منشآت محصورة على المسلمين، وإنما تجهيزات تسمح للمسافرين بإتمام عملية الوضوء اللازمة للصلاة، ويمكن لأي شخص استخدامها.
ما هي مرافق الوضوء أصلًا؟
الوضوء جزء أساسي من الاستعداد للصلاة في الإسلام، ويتضمن غسل أجزاء محددة من الجسم، من بينها الوجه والذراعان والقدمان.
وفي المطارات، حيث يقضي المسافرون ساعات طويلة ويواجهون قيودًا مرتبطة بالنظافة واستخدام دورات المياه، توفر بعض المطارات أحواضًا وتجهيزات مصممة لتسهيل هذه العملية.
وتقول المنظمات الإسلامية إن هذه المرافق لا تختلف في جوهرها عن أي تجهيزات تقدمها المؤسسات العامة لمراعاة احتياجات فئات محددة من المستخدمين.
ويضرب المدافعون عنها أمثلة بتوفير الطعام الحلال للمسلمين أو الطعام الموافق للشريعة اليهودية، وغرف الرضاعة للأمهات، وغرف الصلاة متعددة الأديان، وغيرها من التسهيلات التي تستجيب لاحتياجات شريحة من المستخدمين دون أن تجعل المرفق العام حكرًا عليهم.

مطار دالاس يتراجع تحت ضغط المواجهة
لم ينتظر الخلاف وصوله إلى نتيجة التحقيق الاتحادي، فبعد تهديد أبوت بإعادة النظر في التمويل الحكومي المقدم للمطارين، قرر مطار دالاس-فورت وورث عدم المضي قدمًا في خطته لإضافة مرافق وضوء جديدة.
وقال المطار إن مراجعة المشروع أظهرت أن الفائدة المتوقعة منه قد لا تتحقق بالشكل الذي كان متصورًا، في قرار جاء بعد تصاعد الاهتمام السياسي والإعلامي بالقضية.
وبذلك انتقل الخلاف من سجال سياسي إلى نتيجة عملية مباشرة: تجميد توسعة مرافق مخصصة لتلبية احتياجات المسافرين المسلمين.
المسلمون: المرافق ليست «مسلمة»
رفض مجلس العلاقات الأميركية الإسلامية «كير» في تكساس توصيف أبوت للمرافق باعتبارها أماكن مخصصة للمسلمين وحدهم.
وقالت المنظمة إن مرافق الوضوء مفتوحة أمام جميع المسافرين، لكنها تُستخدم بصورة أكبر من جانب المسلمين لأنها تلبي احتياجًا دينيًا مرتبطًا بالصلاة.
وتشبه المنظمة هذه التجهيزات بغرف الرضاعة أو غرف الصلاة متعددة الأديان، معتبرة أن تخصيص مساحة لتلبية حاجة عملية لفئة معينة لا يعني تلقائيًا ممارسة تمييز ضد بقية المستخدمين.
كما اعتبرت «كير» تحرك أبوت «مناورة سياسية مناهضة للمسلمين»، في حين رأى خبراء في الحريات الدينية أن القضية تثير تساؤلات بشأن مدى اتساق موقف الحاكم مع مبدأ الحياد الديني الذي يفترض أن يحمي حرية ممارسة الشعائر بدلًا من التضييق عليها.
الخبراء: الحياد لا يعني المعاملة المتطابقة
أحد أهم محاور الجدل يتعلق بتفسير معنى الحياد الديني في المؤسسات العامة، فحجة أبوت تقوم على أن الحكومة لا ينبغي أن تقدم تسهيلات تبدو وكأنها تخدم دينًا دون غيره.
لكن خبراء قانونيين يستندون إلى مبدأ مختلف: الحياد الديني لا يعني أن تقدم الدولة الخدمات نفسها بالطريقة نفسها لجميع الأديان، وإنما ألا تميز ضد دين أو تفرض على الأفراد اعتناق معتقد معين أو تستبعدهم بسبب هويتهم الدينية.
ومن هذا المنظور، فإن توفير تجهيزات للوضوء لا يعني بالضرورة تفضيل الإسلام، تمامًا كما أن توفير أطعمة حلال أو كوشر لا يعني أن المطار يتبنى الإسلام أو اليهودية.
كما أن معيار الحياد لا يفرض معاملة جميع الأديان بصورة متطابقة حرفيًا، وإنما يمنع الحكومة من الإكراه أو التفضيل أو الاستبعاد على أساس ديني.
لماذا أصبحت القضية سياسية؟
يصعب فصل أزمة مرافق الوضوء عن السياق السياسي الأوسع في تكساس.
فأبوت، الذي يسعى إلى الفوز بولاية رابعة، يخوض المعركة في بيئة انتخابية تتزايد فيها أهمية القضايا المرتبطة بالهوية والدين والهجرة.
وفي هذا السياق، يرى منتقدوه أن قضية مرافق الوضوء لا تتعلق بالمنشآت نفسها بقدر ما تتعلق بإعادة تقديم الإسلام باعتباره قضية سياسية وأمنية تستدعي تدخل الحكومة.
ويرى الإمام عمر سليمان، رئيس معهد «يقين» للدراسات الإسلامية في دالاس، أن تصاعد الخطاب المناهض للمسلمين يخدم حالة الاستقطاب السياسي، معتبرًا أن قضية الوضوء واحدة من مظاهر هذا الاتجاه.
مفارقة بين الوضوء والوصايا العشر
أثار موقف أبوت مفارقة لافتة عندما قورن بموقفه من حضور الرموز الدينية النصرانية في المؤسسات العامة.
فعندما سُئل عن اعتراضه على مرافق الوضوء في الوقت الذي يدعم فيه قانونًا ولائيًا يفرض عرض لوحات تتضمن الوصايا العشر في الفصول الدراسية بالمدارس الحكومية، رفض أبوت المقارنة.
وبرر موقفه بأن الوصايا العشر جزء من تاريخ تكساس وهويتها الأساسية، بينما لا يرى أن الأديان الأخرى تتمتع بالحضور التاريخي نفسه في تاريخ الولاية.
لكن منتقديه يرون في هذا التفسير مشكلة أساسية: إذا كان الحياد الديني مبدأً عامًا، فهل يجوز للدولة تفضيل رموز دين معين باعتبارها جزءًا من الهوية التاريخية، بينما تعتبر تجهيزات عملية لدين آخر تمييزًا؟
وهذا السؤال يتجاوز قضية المطارات نفسها، ويمس طبيعة العلاقة بين الدين والدولة في واحدة من أكثر الولايات الأميركية محافظة.
ليست المواجهة الأولى مع المسلمين
تأتي أزمة الوضوء ضمن سلسلة طويلة من التحركات التي اتخذها أبوت ضد مؤسسات أو مشاريع مرتبطة بالجالية المسلمة في تكساس.
ففي العام السابق، صنف أبوت «مجلس العلاقات الأميركية الإسلامية» «كير» باعتباره منظمة إرهابية أجنبية، كما قاد تحركات سياسية ضد مشروع سكني ومجتمعي إسلامي قرب دالاس.
وفي الوقت نفسه، شهدت الولاية تحركات استهدفت مؤسسات إسلامية ومشاريع تعليمية وخيرية، ما دفع منظمات حقوقية إلى التحذير من تحول الإسلام إلى ورقة سياسية ثابتة في الصراع الداخلي بالولاية.
وتؤكد وكالة رويترز أن «كير» والمنظمات الحقوقية رفضت هذه الاتهامات، بينما لم تعتمد الحكومة الاتحادية في واشنطن تصنيف «كير» منظمة إرهابية على المستوى الاتحادي.

تكساس.. جالية مسلمة تتوسع
تزداد حساسية هذه المواجهة مع التوسع الديموغرافي للجالية المسلمة في الولاية.
وتشير تقديرات أوردتها رويترز إلى وجود أكثر من 300 ألف مسلم في تكساس، بينما تضم منطقة هيوستن وحدها أكثر من 200 مسجد ومجمع إسلامي، ما يجعل المسلمين جزءًا متزايد الحضور في الحياة الاجتماعية والاقتصادية للولاية.
كما أن التركيبة السكانية لمطار هيوستن نفسها تستخدمها السلطات المحلية للدفاع عن وجود مرافق الوضوء.
وقال عمدة هيوستن جون ويتماير إن نحو 22% من المسافرين الدوليين في المبنى الذي توجد فيه غرفة الوضوء يستخدمون شركات طيران تابعة لدول ذات أغلبية مسلمة، مؤكدًا أن المنشأة أنشئت استجابة لاحتياجات حقيقية للمسافرين وليست امتيازًا دينيًا.
من المطارات إلى سؤال أكبر
في الظاهر، تبدو المعركة صغيرة: أحواض مياه في مطارين، لكن خلف هذه التفاصيل التقنية تقف أسئلة أكبر بكثير: هل يعني الاعتراف باحتياجات المسلمين في الأماكن العامة تفضيلًا دينيًا؟ وهل يتعارض توفير تسهيلات مرتبطة بالشعائر مع مبدأ حياد الدولة؟ وأين تنتهي صلاحيات الحاكم في مراجعة الإنفاق العام وتبدأ حماية حرية ممارسة الدين؟
بالنسبة إلى أبوت، القضية مرتبطة باستخدام أموال عامة ومرافق عامة يجب أن تظل محايدة دينيًا.
أما بالنسبة إلى خصومه، فإن تحويل مرافق الوضوء إلى قضية تستدعي تحقيقًا اتحاديًا وتهديدًا بالتمويل يكشف أن المسألة تجاوزت حدود إدارة المطارات لتصبح جزءًا من صراع سياسي حول حضور الإسلام نفسه في المجال العام الأميركي.
معركة على الإسلام أم على صورة تكساس؟
تكشف أزمة مرافق الوضوء في النهاية عن تحول قضية دينية بسيطة إلى اختبار سياسي واسع.
فالمسلم الذي يبحث عن مكان مناسب للوضوء قبل الصلاة يرى فيها خدمة عملية، والمطار يراها استجابة لاحتياجات مسافرين، بينما يرى حاكم الولاية فيها مسألة تتعلق بالحياد الديني والتمويل العام.
لكن وضع القضية في سياق التحركات السابقة ضد مؤسسات إسلامية، وتصاعد الخطاب السياسي المناهض للمسلمين في بعض الدوائر الجمهورية، يجعل من الصعب التعامل معها باعتبارها مجرد خلاف إداري حول تصميم منشأة داخل مطار.
إنها، في جوهرها، معركة على حدود حضور الدين الإسلامي في المجال العام الأميركي؛ ومعركة أخرى حول السؤال الأوسع: هل تستطيع الدولة أن تراعي الاحتياجات الدينية لمواطنيها من دون أن تتحول تلك الرعاية نفسها إلى مادة للاستقطاب السياسي؟
وفي تكساس، يبدو أن الإجابة لم تعد قضية قانونية مجردة، بل أصبحت جزءًا من معركة انتخابية وثقافية تتسع يومًا بعد آخر.
المصدر: «واشنطن بوست» – «الجزيرة نت» – «رويترز»





اترك تعليقاً