تشاد تعيد فتح الباب أمام التعاون العسكري الفرنسي بعد أقل من عامين على إنهاء الاتفاق الدفاعي

images 15 1

بعد أقل من عامين على قرار تشاد إنهاء اتفاقية التعاون الدفاعي مع فرنسا وإغلاق صفحة امتدت نحو 65 عامًا من الشراكة العسكرية، تظهر مؤشرات على عودة التقارب العسكري بين نجامينا وباريس، في تحول لافت يأتي وسط تحديات أمنية متزايدة تواجهها الدولة الواقعة في قلب منطقة الساحل ووسط أفريقيا.

وبحسب تقرير نشرته «أفريكانيوز»، يبدو أن البلدين شرعا في إعادة بناء العلاقات العسكرية التي تراجعت بصورة حادة عقب قرار الحكومة التشادية في نهاية عام 2024 إنهاء اتفاق التعاون الدفاعي مع باريس، وهو القرار الذي أدى لاحقًا إلى انسحاب القوات الفرنسية وتسليم قواعدها العسكرية للسلطات التشادية.

وكانت فرنسا تحتفظ قبل إنهاء الاتفاق بنحو ألف جندي في تشاد، قدموا للجيش التشادي دعمًا استخباراتيًا ولوجستيًا، كما شكّلت البلاد لسنوات واحدة من أهم نقاط الانتشار العسكري الفرنسي في منطقة الساحل.

إنهاء الشراكة تحت شعار «السيادة»

وكانت نجامينا قد بررت قرار إنهاء الاتفاق الدفاعي بالحاجة إلى تأكيد «السيادة الكاملة» للبلاد، في وقت كانت فيه موجة واسعة من الرفض للوجود العسكري الفرنسي تتصاعد في عدد من دول الساحل.

ومثّل القرار آنذاك ضربة إضافية للنفوذ العسكري الفرنسي في أفريقيا، بعد انسحاب باريس من مالي وبوركينا فاسو والنيجر، في ظل تحولات سياسية وأمنية دفعت دولًا في المنطقة إلى البحث عن شركاء عسكريين جدد بعيدًا عن القوة الاستعمارية السابقة.

لكن تشاد واجهت، منذ فك الارتباط العسكري مع فرنسا، صعوبة في بناء شبكة بديلة من الشراكات الدفاعية قادرة على تلبية احتياجاتها الأمنية بصورة كاملة.

تهديدات متعددة على حدود تشاد

وتواجه نجامينا مجموعة من التحديات الأمنية المعقدة، أبرزها استمرار نشاط جماعة بوكو حرام والجماعات المرتبطة بها في محيط بحيرة تشاد، وهي منطقة حدودية شديدة الحساسية تتداخل فيها أراضي تشاد ونيجيريا والنيجر والكاميرون.

كما تواجه السلطات التشادية نشاط جماعات متمردة داخل البلاد، بينها الحركة من أجل السلام وإعادة الإعمار والتنمية (MPRD)، التي شهدت مناطق في إقليم «مويان شاري» مواجهات بينها وبين القوات الحكومية خلال الأشهر الماضية.

وفي يناير/كانون الثاني 2026، قُتل ما لا يقل عن ستة أشخاص خلال اشتباكات بين مسلحين من الحركة والقوات التشادية، في مؤشر على استمرار التهديد الذي تمثله الجماعات المتمردة رغم محاولات الحكومة تثبيت الأمن الداخلي.

وتأتي هذه المخاطر إلى جانب حالة عدم الاستقرار في دول الجوار، ولا سيما السودان وليبيا ومنطقة الساحل، ما يجعل تشاد محاطة بعدة بؤر صراع قد تنتقل تداعياتها عبر الحدود.

لماذا تريد فرنسا العودة؟

وبالنسبة إلى باريس، تتمتع تشاد بأهمية استراتيجية كبيرة تتجاوز العلاقات الثنائية.

فموقعها الجغرافي يجعلها نقطة اتصال بين وسط أفريقيا ومنطقة الساحل وشمال أفريقيا، ولذلك مثّلت لعقود مركزًا أساسيًا للعمليات العسكرية والاستخباراتية الفرنسية في القارة.

ومن شأن استعادة مستوى من التعاون العسكري مع نجامينا أن تمنح فرنسا موطئ قدم جديدًا في منطقة تراجع فيها نفوذها بصورة حادة خلال السنوات الأخيرة.

فبعد خسارة مواقعها العسكرية في مالي والنيجر وبوركينا فاسو، بات الوجود الفرنسي المباشر في الساحل أضعف بكثير مما كان عليه قبل سنوات، في حين وسعت قوى أخرى علاقاتها العسكرية والسياسية مع دول المنطقة.

ولهذا يمكن أن يمثل تجدد العلاقة مع تشاد فرصة لباريس لإعادة بناء بعض نفوذها الأمني في أفريقيا، وإن كان ذلك في إطار مختلف عن شكل الانتشار العسكري السابق.

تحدٍّ سياسي أمام ديبي

لكن العودة إلى التعاون مع فرنسا قد تضع الرئيس التشادي محمد إدريس ديبي أمام معادلة سياسية حساسة.

فقرار إنهاء الاتفاق الدفاعي مع باريس قُدّم داخليًا باعتباره جزءًا من استعادة السيادة الوطنية وتقليص التبعية للقوى الأجنبية، وهو خطاب يلقى صدى خصوصًا بين شرائح الشباب المتأثرة بالموجة المناهضة للنفوذ الفرنسي في القارة.

ومن ثم، قد تثير أي عودة واضحة للقوات الفرنسية تساؤلات بشأن مدى التغيير الذي حدث فعلًا في السياسة الخارجية والأمنية لتشاد منذ نهاية 2024.

كما قد تؤثر الخطوة على علاقات نجامينا مع بعض دول الساحل المجاورة التي تبنت سياسات أكثر حدة تجاه فرنسا ورفضت استمرار أي وجود عسكري فرنسي في المنطقة.

عودة مختلفة عن المرحلة السابقة؟

ولا تعني مؤشرات التقارب الحالية بالضرورة استعادة الصيغة القديمة للعلاقة التي كانت قائمة قبل إنهاء اتفاق الدفاع.

فالتحولات التي شهدتها منطقة الساحل خلال السنوات الأخيرة جعلت من الصعب على فرنسا العودة إلى نموذج القواعد العسكرية الكبيرة والوجود طويل الأمد الذي ميز سياستها الأفريقية لعقود.

ومن المرجح أن تسعى نجامينا، في حال توسيع التعاون، إلى الاحتفاظ بهامش أكبر من الاستقلالية، مع الاستفادة من القدرات الفرنسية في مجالات التدريب والاستخبارات والدعم اللوجستي من دون العودة بالضرورة إلى مستوى الانتشار العسكري السابق.

لكن مجرد استئناف التعاون بعد أقل من عامين على الانفصال يحمل دلالة واضحة على الصعوبات التي تواجهها تشاد في تحقيق معادلة الاستقلال العسكري الكامل في ظل بيئة إقليمية شديدة الاضطراب.

وبين حاجة نجامينا إلى دعم أمني فعال، ورغبة باريس في استعادة جزء من نفوذها المتراجع في الساحل ووسط أفريقيا، تبدو العلاقة العسكرية بين البلدين أمام مرحلة جديدة؛ لا هي عودة كاملة إلى ما كانت عليه قبل 2024، ولا قطيعة نهائية كما بدا عند إنهاء الاتفاق الدفاعي.

Comments

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *