لا يزال الغموض يلفّ ملف معتقلي “جيل زد” بالمغرب، وسط تضارب حاد بين الرواية الرسمية للمؤسسات المعنية وبين شهادات مؤلمة نقلها معتقلون سابقون وعائلات المتبقين خلف القضبان.
هذه الشهادات ترسم صورة قاتمة عن ظروف اعتقال تفتقر للحد الأدنى من الإنسانية، وتمزق حجاب “النفي” الرسمي الصادر عن النيابة العامة.
يقول أحد المعتقلين السابقين، في شهادة موثقة تكسر جدار الصمت:
“ليلة الأول من أكتوبر، قد تكون مرت عندكم عادية، لكنها بالنسبة لنا ليلة لن تُنسى؛ ليلة كاملة من الضرب المبرح (العصا)”.
حالة محمد خليف: مفارقة الألم في “منتجع” الزنازين
لا تقتصر هذه المعاناة على الجانب العام، بل تتجسد في حالات فردية تستصرخ الضمير، لعل أبرزها حالة المعتقل “محمد خليف”، الذي بات اسمه مرادفاً لقسوة التجربة الاعتقالية.
تتجاوز معاناة المعتقل محمد خليف حدود الإهمال الطبي العادي لتصل إلى مستوى التوظيف الممنهج للألم؛ فبينما تحاول الرواية الرسمية تصوير ظروف اعتقاله كأنها إقامة في “منتجع سياحي”، تؤكد الشهادات المسرّبة واقعاً مناقضاً تماماً.
فمحمد خليف، الذي يعاني من تدهور حاد في صحة عينيه وضيق في التنفس، يُحرم فعلياً من الرعاية الطبية الحقيقية، حيث تُواجَه مطالبه العلاجية بالاستهتار أو بالتشكيك في طبيعة مرضه، إذ تُصور آلامه على أنها مجرد محاولات لـ “الاستفادة من طيبة الموظفين” أو “ممارسة الفشوش”.
أما عن ظروف الإقامة، فقد كشفت الشهادات أن حالة “الرفاهية” المزعومة ليست إلا غطاءً لواقع صحي متردٍ؛ حيث أدى سوء التهوية والاكتظاظ إلى ظهور بثور والتهابات جلدية، في وقت يُحرم فيه من حقه الأساسي في التواصل مع عائلته للمرة الرابعة على التوالي.
وهذا يثبت أن الرواية الرسمية ليست سوى محاولة لامتصاص الغضب عبر السخرية من معاناة المعتقل بدلاً من معالجتها.
تفاصيل المعاناة اليومية
هذه الحالة ليست استثناءً، بل جزءاً من سلسلة إفادات تكشف تفاصيل صادمة عن ظروف الاعتقال: حول بيئة الزنازين: تروي إحدى الشهادات واقع الزنزانة المكتظة:
“كان القمل ينتشر بيننا دون أي تدخل من المندوبية، 42 شخصاً محشورون في مساحة لا تتعدى 30 متراً مربعاً (5×6)، نتشارك فيها النوم، ننام كأننا في قبور شبر وأربعة أصابع وأقدامنا تصل تحت الأسرة مع وجود مرحاض واحدة”.
حول المعاملة والكرامة: وعن التعاطي الإداري مع الوضع الصحي، تورد الشهادة ما يلي:
“لا يتم التعامل معنا إلا باستهتار. لا يمكنك الحصول على الرعاية الطبية إلا إذا دخلت في إضراب عن الطعام، وإن حصَّلتها يخبرونك انتظر حتى نأتي بالدواء فهو غير موجود”.
حول جودة التغذية: تصف الشهادات الموثقة في نوعية الطعام المقدم للمعتقلين بـ “القذرة”، حيث يشير المعتقل إلى تواجد الحجارة الصغيرة مع البطاطس المقدمة للأكل.
حول الاختلاط القسري: يصف أحد المعتقلين واقعهم قائلاً:
“حين تم إيداعنا للسجن، تم وضعنا مع أخطر المجرمين، وكان لزاماً علينا التأقلم معهم. وجدنا أنفسنا نعيش صراعات مع سجناء محكومين في جرائم قتل وعنف، مما جعلنا في حالة تهديد دائم لسلامتنا الجسدية”.
حول الأثر النفسي: وفي شهادة مقتضبة لكنها بليغة، يصف المعتقل الوقع النفسي قائلاً:
“ما نعيشه هنا ليس مجرد سجن، إنها صدمة (Trauma) حقيقية ستظل تلاحقنا إلى الأبد”.
خاتمة: المصداقية في ميزان الحقوق
إن تواتر هذه الشهادات، بما في ذلك النداءات المتعلقة بحالة محمد خليف، لا يشكل مجرد تذمر فردي، بل يضع الرواية الرسمية -التي تنفي وجود خروقات- أمام اختبار مصداقية وجودي.
إننا أمام تناقض بنيوي؛ فبينما تراهن المؤسسة على “سلطة البلاغ” لفرض سردية أحادية، يثبت الواقع أن المصداقية ليست مادة خام تُشترى بالبيانات، بل هي عقد اجتماعي يقوم على الشفافية. ففي الفلسفة السياسية، تُبنى الشرعية المؤسساتية على قدرة الإدارة على مواجهة الحقيقة لا طمسها، وحين تتحول الدولة إلى “منفٍ” للحقائق بدلاً من “ضامن” للحقوق، فإنها لا تقوض ثقة المعتقلين وعائلاتهم فحسب، بل تضرب في عمق الضمير الحقوقي الجماعي.
إن محاولة تبديد الشكوك عبر نهج الإنكار تُعد خطأً استراتيجياً؛ فالتناقض بين ما يُكتب في البلاغات وما يُعاش في زنازين الاكتظاظ يخلق هوة سحيقة لا تزيد إلا من تعميق الأزمة.
فالثقة، في جوهرها، لا تُفرض بقرارات إدارية، بل تُكتسب بفتح الأبواب للرقابة المستقلة والمحاسبة؛ إذ إن السكوت عن الانتهاكات أو النفي الممنهج لها لا يعني زوالها، بل يعني تحولها إلى “صدمة جمعية” (Trauma) تقوض أركان الثقة بين المواطن والمؤسسة، وتترك جروحاً لن تندمل إلا بجبر الضرر والحقيقة التي لا تحتمل التأويل.





اترك تعليقاً