بعد أكثر من قرن على تأسيسه، استعاد مسجد «رجب» التاريخي في مدينة قازان، عاصمة جمهورية تتارستان، ملامحه القديمة وفتح أبوابه مجددًا بعد انتهاء أعمال ترميم واسعة استمرت نحو خمس سنوات، في خطوة أعادت إلى المدينة أحد أبرز الشواهد الباقية على تاريخ المسلمين التتار فيها.
وشهد المسجد في 25 أغسطس/آب افتتاحه بعد الترميم بحضور رئيس جمهورية تتارستان رستم مينيخانوف، ومفتي تتارستان كامل ساميغولين، وعمدة قازان إلسور متشين، إلى جانب عدد من الأئمة والمسؤولين.
ويكتسب مسجد «رجب» أهمية خاصة لكونه المسجد الخشبي التاريخي الوحيد الباقي في قازان من مرحلة ما قبل الثورة الروسية، كما أنه مصنف ضمن مواقع التراث الثقافي ذات الأهمية الإقليمية.
مسجد لعمال التتار المسلمين

تعود قصة المسجد إلى عام 1897م (1314–1315هـ)، حين أنشئ في منطقة «ياغودنايا سلوبودا» لخدمة العمال التتار المسلمين في مصنع ألافوزوف لغزل الكتان.
وتشير روايات تاريخية محلية إلى أن أكثر من 300 عامل تقدموا بطلب لإنشاء مكان قريب يؤدون فيه الصلوات اليومية وصلاة الجمعة، قبل أن يُخصص لهم المبنى الذي أصبح لاحقًا مسجدًا. وبُني على الطراز المعماري التتري التقليدي، ليصبح جزءًا من الحياة الدينية للمسلمين في المنطقة.
ولم تكن رحلة المسجد خلال القرن العشرين مستقرة؛ ففي عام 1930م (1348–1349هـ) أُغلق خلال الحقبة السوفيتية، واستخدم المبنى لاحقًا لأغراض غير دينية، من بينها حضانة وسكن، كما تعرض لحريق وتغييرات معمارية. وفي عام 1993م (1413–1414هـ) أُعيد المبنى إلى المسلمين، قبل أن يُصنف سنة 1996م (1416–1417هـ) موقعًا من مواقع التراث الثقافي في تتارستان.
خمس سنوات لاستعادة ملامحه
بدأ مشروع الترميم الشامل في أغسطس/آب 2021م (ذو الحجة 1442هـ – محرّم 1443هـ) بمبادرة من رواد المسجد، واستندت أعمال إعادة البناء إلى الوثائق والصور التاريخية في محاولة لإعادة المسجد إلى هيئته الأصلية قدر الإمكان.
وشملت الأعمال إصلاح الأساسات والهيكل الخشبي والسقف والمئذنة، واستعادة الزخارف والنوافذ والعناصر المعمارية، إلى جانب تجديد المنبر والتشطيبات الداخلية والخارجية.
كما زُوّد المسجد بأنظمة للإنذار من الحرائق والمراقبة والصوت، وأُنشئت مرافق جديدة للوضوء للرجال والنساء وذوي الإعاقة، إضافة إلى شبكات المياه والصرف والممرات المحيطة بالمبنى. وتبلغ طاقته الاستيعابية حاليًا نحو 200 مصلٍّ.
وأفادت تقارير محلية بأن جانبًا كبيرًا من أعمال إعادة المسجد تم بتمويل من تبرعات المصلين والمحسنين.
شاهد على تاريخ الإسلام في حوض الفولغا

ولا تكمن أهمية مسجد «رجب» في عمره أو هندسته الخشبية وحدهما؛ فهو جزء من تاريخ إسلامي أوسع في تتارستان وحوض نهر الفولغا، وهي منطقة يمتد حضور الإسلام المنظم فيها إلى أكثر من ألف عام.
فقد اعتنقت بلغار الفولغا الإسلام رسميًا سنة 922م (310هـ)، لتصبح المنطقة لاحقًا إحدى أهم بؤر الحضارة الإسلامية في شمال أوراسيا، واحتفظ التتار بإسلامهم وهويتهم رغم التحولات السياسية الكبرى التي مرت بها المنطقة.
ومن هنا، فإن بقاء مسجد خشبي من نهاية القرن التاسع عشر وسط قازان لا يمثل مجرد الحفاظ على مبنى أثري، بل استعادة جزء من الذاكرة الإسلامية للتتار، بعد عقود شهدت إغلاق المساجد وتراجع النشاط الديني خلال الحقبة السوفيتية.
وبعد 129 عامًا من تأسيسه، يعود مسجد «رجب» اليوم إلى المشهد في قازان؛ شاهدًا على تاريخ جماعة مسلمة حافظت على دينها وذاكرتها عبر أجيال، وعلى مرحلة جديدة من إحياء المعالم الإسلامية التاريخية في تتارستان.










اترك تعليقاً