شكّلت أحداث مدينة أورومتشي، عاصمة إقليم شينجيانغ (تركستان الشرقية)، في يوليو/تموز 2009 نقطة تحول مفصلية في تعامل السلطات الصينية مع أقلية الإيغور المسلمة. فما بدأ باحتجاجات واسعة على خلفية مقتل عمال إيغور في جنوب الصين، انتهى بمواجهات دامية أعقبها تشديد غير مسبوق للقبضة الأمنية، لتدخل المنطقة لاحقًا مرحلة جديدة اتسمت بالمراقبة المكثفة وسياسات إعادة الهندسة الاجتماعية والثقافية التي استهدفت هوية الإيغور الإسلامية والعرقية.
احتجاجات تحولت إلى منعطف تاريخي
اندلعت الاحتجاجات في أورومتشي في الخامس من يوليو/تموز 2009، بعدما طالب آلاف الإيغور بإجراء تحقيق في مقتل عمال من قوميتهم في أحد مصانع إقليم غوانغدونغ. وسرعان ما تحولت المظاهرات إلى أعمال عنف واشتباكات بين الإيغور والصينيين من قومية الهان، قبل أن تتدخل قوات الأمن الصينية بقوة لإنهاء الاضطرابات. وأسفرت الأحداث عن مقتل وإصابة المئات واعتقال أعداد كبيرة، فيما بقيت تفاصيل كثيرة محل جدل بين الرواية الرسمية وشهادات منظمات حقوق الإنسان.
من الأمن إلى إعادة تشكيل المجتمع
بعد أحداث أورومتشي، تبنت بكين مقاربة أمنية أكثر تشددًا، معتبرة أن الإقليم يمثل تحديًا للاستقرار الداخلي. وخلال السنوات التالية توسعت إجراءات المراقبة، لكن التحول الأكبر جاء ابتداءً من عام 2017، حين أطلقت السلطات برنامجًا واسعًا لمكافحة ما وصفته بـ”التطرف”، شمل إنشاء شبكة من مراكز الاحتجاز وإعادة التأهيل، إلى جانب نظام مراقبة رقمية يعد من الأكثر تطورًا في العالم.
وتشير تقارير حقوقية ودراسات أكاديمية إلى أن السياسات الجديدة تجاوزت الجانب الأمني لتشمل قيودًا على الممارسات الدينية، وتعليم اللغة الإيغورية، والتنقل، والسفر، إضافة إلى فصل أعداد من الأطفال عن أسرهم وإلحاقهم بمدارس داخلية تشرف عليها الدولة، ضمن جهود تستهدف دمج الإيغور في الثقافة الصينية السائدة.
اتهامات بطمس الهوية الثقافية والدينية
ترى منظمات حقوق الإنسان أن ما جرى بعد عام 2009 لم يكن مجرد حملة أمنية، بل تحول تدريجيًا إلى سياسة تهدف إلى إعادة تشكيل هوية الإيغور. وتوثق تقارير متعددة عمليات هدم أو تغيير استخدام عدد من المساجد، وتقييد التعليم الديني، وإخضاع السكان لبرامج مكثفة للتلقين السياسي، إلى جانب مراقبة واسعة للحياة اليومية باستخدام تقنيات التعرف على الوجوه والبيانات البيومترية.
في المقابل، تؤكد الحكومة الصينية أن هذه الإجراءات تستهدف ما يسمى مكافحة الإرهاب والتطرف، وتصف مراكز الاحتجاز بأنها “مراكز تدريب مهني” ساهمت – بحسب روايتها – في الحد من الهجمات العنيفة وتحقيق الاستقرار في الإقليم. إلا أن هذه الرواية تواجه رفضًا وانتقادات من عدد من الحكومات الغربية وخبراء الأمم المتحدة ومنظمات حقوق الإنسان، الذين يرون أن الإجراءات تجاوزت متطلبات الأمن إلى انتهاكات واسعة للحقوق الأساسية.
أورومتشي… البداية لا النهاية
ينظر كثير من الباحثين إلى أحداث أورومتشي باعتبارها اللحظة التي مهدت لسياسات أكثر صرامة تجاه الإيغور خلال العقد التالي. فالمجزرة وما تلاها وفّرت، وفق دراسات أكاديمية، الأساس الذي استندت إليه بكين لتوسيع صلاحياتها الأمنية وإطلاق برامج إعادة الدمج الثقافي والسياسي التي أثارت جدلًا دوليًا واسعًا.
وبعد مرور أكثر من عقد ونصف على تلك الأحداث، لا تزال قضية الإيغور واحدة من أكثر ملفات حقوق الإنسان إثارة للجدل عالميًا، في ظل استمرار الخلاف بين الرواية الصينية التي تركز على ما يسمى مكافحة الإرهاب، وروايات منظمات حقوقية تؤكد أن ما جرى أدى إلى تقييد واسع للحريات الدينية والثقافية، وأحدث تحولًا عميقًا في حياة ملايين المسلمين في الإقليم.
وتبقى صرخة الأيغور المكتومة تحت وطأة قوة كبرى هي الصين، جرحًا مفتوحًا وقضية معلّقة تنتظر إنصافًا طال أمده، دون أفق واضح للحل.






اترك تعليقاً