أفرزت أول انتخابات برلمانية في تاريخ منطقة بانغسامورو ذاتية الحكم في جنوب الفلبين تحولًا مهمًا في خريطة القوى السياسية المورو، بعدما فشل الحزبان المرتبطان بجبهة مورو للتحرير الوطني (MNLF)، إحدى أقدم الحركات الإسلامية المسلحة السابقة في جنوب البلاد، في الحصول على تمثيل حزبي في أول برلمان منتخب للمنطقة.
وأظهرت النتائج الرسمية للانتخابات التي أجريت في 14 سبتمبر/أيلول 2026م أن «حزب بانغسامورو» المرتبط بفصيل جبهة مورو للتحرير الوطني بقيادة مسلمين سيما حصل على 35,777 صوتًا، بما يعادل 1.89% من الأصوات المخصصة للأحزاب.
أما «حزب ماهارديكا»، المرتبط بفصيل جبهة مورو للتحرير الوطني بقيادة نور ميسواري، فحصل على 14,800 صوت فقط، بنسبة 0.78%.
ولم يتمكن الحزبان بذلك من تجاوز عتبة 2.5% من الأصوات اللازمة للحصول على مقعد ضمن المقاعد الأربعين المخصصة للأحزاب في برلمان بانغسامورو.
كما لم يتمكن مرشحو «حزب بانغسامورو» من الفوز بالمقاعد المحلية التي نافسوا عليها، ما يعني غياب التمثيل الحزبي للجبهة عن أول برلمان منتخب في المنطقة.
من حركة قادت التمرد إلى خارج البرلمان
يحمل هذا التطور دلالة خاصة بالنظر إلى الدور التاريخي لجبهة مورو للتحرير الوطني في قضية مسلمي جنوب الفلبين.
فقد قادت الجبهة منذ سبعينيات القرن الماضي تمردًا مسلحًا للمطالبة بحقوق شعب المورو والحكم الذاتي، قبل توقيع اتفاق سلام نهائي مع الحكومة الفلبينية عام 1996.
لكن الانقسامات داخل الحركة، وظهور جبهة مورو الإسلامية للتحرير (MILF) التي انفصلت عنها، أعادا تشكيل الحركة السياسية والمسلحة في مينداناو خلال العقود التالية.
وفي عام 2014 توصلت جبهة مورو الإسلامية للتحرير والحكومة الفلبينية إلى اتفاق سلام شامل، مهد لإنشاء منطقة بانغسامورو ذاتية الحكم في مينداناو المسلمة (BARMM)، التي تتمتع بصلاحيات أوسع من نظام الحكم الذاتي السابق.
وبعد سنوات من إدارة المنطقة عبر سلطة انتقالية معيّنة، توجه الناخبون في 14 سبتمبر/أيلول إلى صناديق الاقتراع لاختيار أول برلمان منتخب وفق النظام البرلماني الجديد.
أربع قوى فقط تتجاوز العتبة
ومن بين الأحزاب المتنافسة، تمكنت أربعة فقط من تجاوز عتبة 2.5% والحصول على مقاعد حزبية.
وتصدر «الحزب الفيدرالي لبانغسامورو» النتائج وحصل على 16 من المقاعد الأربعين المخصصة للأحزاب، تلاه «حزب العدالة المتحد لبانغسامورو» بـ15 مقعدًا، ثم «ائتلاف بانغسامورو الكبير» بثمانية مقاعد، وحصل «حزب رايات الديمقراطي» على مقعد واحد.
وباحتساب المقاعد الحزبية ومقاعد الدوائر والتمثيل القطاعي، أصبح الحزب الفيدرالي لبانغسامورو أكبر كتلة في البرلمان الجديد بـ31 مقعدًا، يليه حزب العدالة المتحد لبانغسامورو بـ30 مقعدًا، ثم ائتلاف بانغسامورو الكبير بـ15 مقعدًا.
ولا يمتلك أي طرف بمفرده الأغلبية المطلوبة، وهي 41 مقعدًا من أصل 80، ما فتح الباب أمام مفاوضات لتشكيل ائتلاف قادر على إدارة الحكومة الإقليمية.
نفوذ قوي لقوى مرتبطة بجبهة مورو الإسلامية
وتكشف تركيبة البرلمان عن استمرار الحضور السياسي القوي لشخصيات وقوى مرتبطة بجبهة مورو الإسلامية للتحرير.
ويقود «حزب العدالة المتحد لبانغسامورو» رئيس الجبهة، مراد إبراهيم، الذي تولى رئاسة حكومة بانغسامورو الانتقالية من عام 2019 حتى مارس/آذار 2025.
كما يضم البرلمان محمد إقبال، النائب الأول لرئيس جبهة مورو الإسلامية ورئيس فريقها لتنفيذ اتفاق السلام، إلى جانب عدد من الشخصيات التي شاركت في إدارة المنطقة خلال المرحلة الانتقالية.
وفي المقابل، يقود «الحزب الفيدرالي لبانغسامورو» رئيس الحكومة الانتقالية الحالي عبد الرؤوف ماككوا، وهو أيضًا قيادي عسكري سابق في جبهة مورو الإسلامية للتحرير.
وبذلك، فإن المنافسة الرئيسية داخل البرلمان الجديد ليست بين الحركات التي خاضت الصراع المسلح تاريخيًا وبين الدولة الفلبينية، بل بين قوى سياسية متعددة خرج جانب مهم منها من داخل جبهة مورو الإسلامية نفسها أو من البيئة السياسية التي تشكلت خلال عملية السلام.
ضربة سياسية جديدة بعد خروج سولو
ويأتي غياب الأحزاب المرتبطة بجبهة مورو للتحرير الوطني عن البرلمان بعد تطور آخر أثر في نفوذ الجبهة داخل مشروع الحكم الذاتي، وهو خروج مقاطعة سولو من منطقة بانغسامورو عام 2024.
وتعد سولو معقلًا تاريخيًا مهمًا للجبهة، ولا سيما لفصيل نور ميسواري.
وبذلك تدخل بانغسامورو مرحلتها البرلمانية المنتخبة الأولى في ظل تغير واضح في موازين القوى التي قادت تاريخيًا قضية شعب المورو، مع تراجع التمثيل السياسي لجبهة مورو للتحرير الوطني مقابل استمرار النفوذ الواسع لقوى وشخصيات مرتبطة بجبهة مورو الإسلامية للتحرير.
نهاية المرحلة الانتقالية
وأعلنت لجنة الانتخابات جميع أعضاء البرلمان الثمانين، ويتوزعون على 40 ممثلًا للأحزاب، و32 نائبًا عن الدوائر، وثمانية ممثلين قطاعيين.
وسيتولى النواب المنتخبون مناصبهم في 30 أكتوبر/تشرين الأول 2026م، بالتزامن مع انتهاء عمل سلطة بانغسامورو الانتقالية التي أدارت المنطقة منذ عام 2019.
وسيكون من أولى المهام السياسية للبرلمان الجديد انتخاب رئيس وزراء بانغسامورو وتشكيل حكومة المنطقة.
وتمتد ولاية أول برلمان منتخب حتى 30 يونيو/حزيران 2031م، لتدخل بانغسامورو بذلك مرحلة جديدة من تجربة الحكم الذاتي التي نشأت عن عقود من الصراع ومفاوضات السلام بين الحركات المورو والحكومة الفلبينية.






اترك تعليقاً