لماذا يبدو تخيّل نهاية العالم، بالنسبة إلى كثير من الأمريكيين، أسهل من تخيّل نهاية الهيمنة الأمريكية على النظام الدولي؟
بهذا السؤال يبدأ الباحث الأمريكي دانيال بيسنر كتابه الجديد «Imperialist Realism: Politics and Culture at the End of the American Century»، الصادر في 28 يوليو/تموز 2026 (14 صفر 1448هـ)، محاولًا تفسير كيف تحولت المكانة العالمية للولايات المتحدة، وانتشارها العسكري وتحالفاتها الخارجية، من خيارات سياسية قابلة للنقاش إلى واقع يكاد يُعامل داخل الولايات المتحدة كما لو أنه جزء طبيعي وثابت من العالم.
وفي مراجعة للكتاب نشرها «معهد ميزس» في 10 سبتمبر/أيلول 2026 (28 ربيع الأول 1448هـ)، يطرح الكاتب جوزيف سوليس-مولن سؤالًا إضافيًا: هل يكفي هذا التفسير الثقافي لفهم استمرار القوة الأمريكية عالميًا، أم أن وراءها منظومة أعمق من المصالح الاقتصادية والمؤسساتية تجعلها قادرة على البقاء حتى لو تراجع الإيمان الشعبي بها؟
حين تتحول الهيمنة من «خيار» إلى «واقع طبيعي»
يطلق بيسنر على هذه الحالة اسم «الواقعية الإمبراطورية» Imperialist Realism، مستعيرًا الفكرة من مفهوم «الواقعية الرأسمالية» للمفكر البريطاني مارك فيشر.
والمقصود، باختصار، أن نظامًا سياسيًا أو اقتصاديًا قد يترسخ إلى درجة لا يعود الناس معها يناقشون وجوده من الأساس، بل يناقشون فقط كيفية إدارته.
وبحسب بيسنر، حدث شيء مشابه في السياسة الخارجية الأمريكية.
فالولايات المتحدة تحتفظ بشبكة واسعة من القواعد والمواقع العسكرية خارج أراضيها، وترتبط بتحالفات والتزامات أمنية ممتدة عبر مناطق عديدة من العالم. ووفق تقرير حديث لخدمة أبحاث الكونغرس، يمكن تحديد 68 قاعدة أمريكية دائمة و60 موقعًا عسكريًا إضافيًا خارج الولايات المتحدة، موزعة عبر أوروبا وآسيا والمحيط الهادئ والشرق الأوسط وأفريقيا والأمريكتين.
لكن السؤال الذي يطرحه الكتاب ليس فقط: لماذا توجد هذه الشبكة؟
بل: لماذا أصبح وجودها يبدو طبيعيًا إلى حد أن البديل عنها نادرًا ما يُطرح؟
فبدل السؤال عن ضرورة بقاء قوات أمريكية في مناطق بعيدة، يصبح النقاش حول عدد القوات. وبدل البحث في أصل الالتزام الأمني تجاه دولة ما، يدور الجدل حول مقدار هذا الالتزام. وهكذا تستمر البنية الأساسية للسياسة الخارجية بينما تتغير التفاصيل والحكومات.
لكن الأفكار وحدها لا تفسر كل شيء
هنا تبدأ ملاحظة مراجعة «معهد ميزس» على أطروحة بيسنر.
فإذا كان الأمريكيون قد اعتادوا الهيمنة إلى درجة أنهم يجدون صعوبة في تصور بديل عنها، فكيف نشأ هذا الوضع أصلًا؟ ولماذا يستمر؟
يرى سوليس-مولن أن الإجابة لا يمكن أن تكون ثقافية أو نفسية فقط، لأن وراء السياسة الخارجية شبكة كبيرة من المؤسسات والمصالح التي تستفيد بدرجات مختلفة من استمرار النظام القائم.
البنتاغون، على سبيل المثال، مؤسسة ضخمة بميزانيات وقواعد وقيادات وآلاف البرامج. وشركات الصناعات الدفاعية ترتبط بعقود عسكرية طويلة الأجل. كما توجد وظائف ومصانع ومشروعات دفاعية موزعة على ولايات ودوائر انتخابية أمريكية مختلفة.
إلى جانب ذلك، توجد أجهزة حكومية ومراكز أبحاث ومستشارون وخبراء ومسؤولون سابقون ومؤسسات أكاديمية وإعلامية تدور أجزاء من عملها حول قضايا الأمن والسياسة الخارجية.
ثم تأتي الدول الحليفة نفسها، التي بنت سياساتها الدفاعية في حالات كثيرة على وجود ضمانات أو قوات أو تعاون عسكري أمريكي.
وهكذا لا تبقى السياسة الخارجية مجرد «فكرة» يؤمن بها شخص أو يرفضها آخر، بل تتحول إلى منظومة كاملة لها ميزانيات ووظائف وعقود وتحالفات ومسارات مهنية.
المصالح المركزة والتكاليف الموزعة
تستعين المراجعة هنا بمنطق معروف في مدرسة «الاختيار العام» الاقتصادية: قد تستمر بعض السياسات حتى في غياب تأييد شعبي قوي لها عندما تكون فوائدها مركزة لدى جماعات صغيرة ومنظمة، بينما تكون تكاليفها موزعة على ملايين الأشخاص.
شركة دفاعية، مثلًا، تعرف بدقة حجم الأموال والوظائف التي ستخسرها إذا ألغي برنامج تسليح محدد.
لكن دافع الضرائب الأمريكي العادي قد لا يعرف أصلًا كم يدفع بصورة غير مباشرة لذلك البرنامج، ولا يملك الحافز أو الوقت لتنظيم حملة سياسية ضده.
هذا الاختلال بين طرف يعرف جيدًا ما سيخسره وطرف موزعة عليه التكلفة في صورة مبالغ صغيرة نسبيًا يساعد، وفق هذا التحليل، على تفسير قدرة الإنفاق والالتزامات القائمة على الاستمرار.
وبهذا المعنى، لا تحتاج المنظومة إلى أن يقتنع كل أمريكي بأن بلاده يجب أن تقود العالم، ولا حتى إلى إجماع قومي دائم حول السياسة الخارجية.
يكفي أن تكون المؤسسات الأكثر قدرة على التأثير لديها أسباب قوية للإبقاء على الوضع القائم.
قوة الجمود
هناك عامل آخر لا يقل أهمية: الجمود المؤسسي.
فإنشاء قاعدة عسكرية أو توقيع تحالف أو تشكيل قيادة عسكرية أو نشر قوات قد يكون نتيجة قرار واحد في لحظة تاريخية معينة، لكن التراجع عنه بعد عقود يصبح أكثر تعقيدًا.
فمع مرور الوقت تظهر وظائف مرتبطة به، وميزانيات ومبانٍ واتفاقيات وتدريبات مشتركة ومصالح محلية والتزامات دبلوماسية ومخاوف لدى الحلفاء.
ولهذا قد يكون الحفاظ على التزام قائم أسهل سياسيًا من إنهائه، حتى لو تغيرت الظروف التي أدت إلى إنشائه.
ولا تحتاج دولة ما، وفق هذا المنطق، إلى اتخاذ قرار واحد يقول: «سنقيم إمبراطورية عالمية».
بل قد تنشأ النتيجة النهائية من مئات وآلاف القرارات المنفصلة: قاعدة هنا، وتحالف هناك، وضمان أمني في دولة ثالثة، وانتشار عسكري مؤقت يتحول مع السنوات إلى وجود دائم.
«الإمبراطورية».. وصف تحليلي لا اسم رسمي
يستخدم بيسنر ومراجع الكتاب تعبير «الإمبراطورية الأمريكية» لوصف هذا النظام من النفوذ العسكري والسياسي والتحالفات والانتشار العالمي.
لكن المصطلح نفسه محل نقاش في الأدبيات السياسية؛ فالولايات المتحدة لا تصف نفسها رسميًا بأنها إمبراطورية، ويرى المدافعون عن شبكة تحالفاتها أنها تقوم بدرجة كبيرة على اتفاقات مع دول ذات سيادة وتهدف إلى الردع والدفاع الجماعي وحماية النظام الدولي.
في المقابل، يستخدم منتقدو السياسة الخارجية الأمريكية مفهوم «الإمبراطورية» للإشارة إلى الحجم غير المعتاد للانتشار العسكري الأمريكي، وقدرة واشنطن على ممارسة القوة بعيدًا عن أراضيها، وشبكة الترتيبات الأمنية التي أنشأتها منذ الحرب العالمية الثانية.
ولذلك فإن جوهر النقاش لا يتوقف بالضرورة على قبول المصطلح نفسه، بل يمتد إلى سؤال أكبر: ما الذي يجعل النظام الحالي قادرًا على إعادة إنتاج نفسه؟
الثقافة والمؤسسات.. تفسيران يكمل أحدهما الآخر
وهنا ربما تكمن أهم فكرة في النقاش الذي يثيره الكتاب.
بيسنر يفسر كيف تصبح الهيمنة «طبيعية» في المخيلة السياسية الأمريكية.
أما نقد سوليس-مولن فيحاول تفسير لماذا أصبحت كذلك أصلًا، ولماذا يصعب تغييرها.
الأول ينظر إلى الثقافة؛ والثاني إلى المؤسسات والمصالح.
وقد يكون الاثنان مترابطين أكثر مما يبدوان متعارضين.
فكلما استمرت المؤسسات العسكرية والتحالفات والقواعد والالتزامات عقودًا، أصبح وجودها أكثر اعتيادًا. وكلما اعتاد المجتمع وجودها، أصبح تغيير المؤسسات التي تقف خلفها أكثر صعوبة.
وبذلك تدعم الثقافةُ المؤسسةَ، فيما تعيد المؤسسة إنتاج الثقافة.
هل يمكن تصور أمريكا مختلفة؟
في النهاية، لا يقدم كتاب «الواقعية الإمبراطورية» مجرد نقاش حول عدد القواعد الأمريكية أو حجم ميزانية البنتاغون، بل يطرح سؤالًا أوسع عن حدود المخيلة السياسية.
فالأنظمة الكبرى لا تستمر دائمًا لأن المجتمعات مؤمنة بها بحماس؛ أحيانًا تستمر لأن البديل يبدو غامضًا، ولأن المؤسسات القائمة قوية، ولأن كلفة تغييرها الفورية واضحة بينما تبدو مكاسب التغيير بعيدة وغير مؤكدة.
ولهذا ربما لا يكون السؤال الأهم: هل ما زال الأمريكيون يؤمنون بدور بلادهم المهيمن في العالم؟
بل: حتى إذا لم يعودوا يؤمنون به كما في السابق، هل أصبحت شبكة المؤسسات والمصالح والالتزامات التي نشأت خلال العقود الماضية قوية إلى درجة أنها تستطيع الاستمرار من دون ذلك الإيمان؟
وهنا يلتقي بيسنر مع ناقده في نقطة أساسية: لفهم استمرار القوة الأمريكية عالميًا لا يكفي النظر إلى البيت الأبيض أو إلى الخطابات السياسية وحدها، بل لا بد من النظر أيضًا إلى النظام الكامل الذي تشكل حول هذه القوة، وإلى الطريقة التي أصبح بها ما كان يومًا خيارًا سياسيًا يبدو اليوم، لدى كثيرين، وكأنه الوضع الطبيعي للعالم.
المصدر الأساسي: مراجعة جوزيف سوليس-مولن لكتاب «Imperialist Realism»، المنشورة في معهد ميزس، وبيانات الكتاب الصادرة عن معهد كوينسي.





اترك تعليقاً