الهند أمام عام قياسي في العنف ضد المسلمين

file 7582 744x470 1

تقرير حقوقي يحذر من تصاعد العنف والاعتقالات وهدم الممتلكات الدينية والمنازل، وسط اتهامات بسياسات تمييزية وضغوط متزايدة على المسلمين في عدة ولايات هندية

تواجه الأقلية المسلمة في الهند، بحسب تقييم جديد صادر عن حملة العدالة لجنوب آسيا (SAJC)، تصاعدًا في أعمال العنف والضغوط الأمنية والإدارية خلال عام 2026، مع تسجيل 44 وفاة لمسلمين بين يناير/كانون الثاني ويوليو/تموز، في حصيلة تضع العام على مسار ليكون الأكثر دموية منذ بدء المنظمة توثيق هذه الحالات عام 2022.

ويستند التقرير إلى مشروع India Persecution Tracker التابع للمنظمة، الذي يرصد أعمال القتل والاعتقال والاحتجاز والانتهاكات في مراكز الشرطة، وهدم الممتلكات، والإبعاد القسري، والقيود التي تؤثر في الحقوق الدينية والسياسية للمسلمين.

وبحسب التصنيف الذي تعتمده المنظمة، ارتبطت 19 وفاة خلال الأشهر السبعة الأولى من العام بأجهزة حكومية أو قوات الشرطة والأمن، بينما نسبت 25 وفاة إلى هجمات ذات دوافع دينية نفذها، أفراد أو جماعات هندوسية متطرفة.

وتؤكد المنظمة أن أرقامها ليست إحصاءً وطنيًا شاملًا للوفيات، بل حصيلة لحالات تمكنت من توثيقها من خلال التقارير الإعلامية وشهادات الضحايا والشهود والمحامين والصحفيين والمدافعين عن حقوق الإنسان، مع مراجعة ما يتوفر من وثائق. كما تحذر من أن عددًا من الانتهاكات، خصوصًا في المناطق النائية والعسكرية، قد لا يصل إلى التوثيق أصلًا.

25 قتيلًا خلال ثلاثة أشهر

يسلط التقرير الضوء بصورة خاصة على الفترة الممتدة بين مايو/أيار ويوليو/تموز 2026، التي وثقت خلالها المنظمة مقتل 25 مسلمًا، بينهم طفلة تبلغ 11 عامًا وفتى يبلغ 16 عامًا.

وتقول SAJC إن 15 حالة وفاة خلال هذه الفترة ارتبطت بإجراءات لقوات الشرطة أو الأمن، فيما نسبت 10 حالات إلى هجمات قالت إنها ذات دوافع دينية ونفذها فاعلون غير حكوميين.

وتأتي هذه الأرقام بعد تسجيل المنظمة، خلال الأشهر الأربعة الأولى من العام، عشرات الاعتداءات وأعمال الترهيب ضد المسلمين في ما لا يقل عن 18 ولاية هندية، طالت طلابًا وعمالًا ورجال دين وتجار مواشٍ وسائقي نقل وأطفالًا.

وبحسب التقرير، تضمنت بعض هذه الحوادث اعتداءات مرتبطة بما يسمى حماية الأبقار، فضلًا عن اتهامات موجهة إلى مسلمين بأنهم «بنغلاديشيون» أو «متسللون»، وحوادث مرتبطة بخطاب «جهاد الحب» المزعوم، أو بهوية الضحايا الدينية الظاهرة.

الهدم.. من المنازل إلى المساجد

لا يقتصر القلق الذي تطرحه المنظمة على العنف الجسدي، بل يمتد إلى عمليات هدم واسعة تقول إنها طالت منازل ومحال ومواقع دينية تابعة لمسلمين.

وتشير SAJC إلى هدم أكثر من 3,000 منشأة منذ بداية العام، بينما وثقت خلال أقل من شهرين هدم ما لا يقل عن 23 منشأة دينية إسلامية في ست ولايات.

وشملت المواقع التي أوردها التقرير أضرحة ومساجد ومدارس دينية ومصليات في مناطق مختلفة، من بينها دلهي وأوتار براديش وماهاراشترا وغوجارات وراجستان وهاريانا.

وتقول السلطات في الحالات المختلفة إن عمليات الهدم استندت إلى ادعاءات إدارية وقانونية، مثل التعدي على الأراضي أو توسيع الطرق أو إعادة التطوير أو مخالفات البناء.

لكن منظمات مسلمة وحقوقية تتساءل، عما إذا كانت إجراءات التقاضي والإخطار والاعتراض قد طُبقت بصورة عادلة، وما إذا كانت قوانين البناء والأراضي تُنفذ بالقدر نفسه على المنشآت التابعة لمختلف الطوائف.

وتتصل هذه القضية بما يصفه منتقدون في الهند بـ «عدالة الجرافات»؛ أي استخدام عمليات الهدم في أعقاب اضطرابات أو اتهامات بارتكاب مخالفات، وهو ما يثير سؤالًا قانونيًا أساسيًا حول ضرورة منح أصحاب الممتلكات فرصة حقيقية للدفاع عن حقوقهم قبل اتخاذ إجراءات لا يمكن التراجع عنها.

كشمير.. أكثر من 2,500 محتجز

تحتل كشمير موقعًا بارزًا في التقرير، الذي يقول إن قوات الأمن الهندية احتجزت أكثر من 2,500 شخص خلال 48 ساعة عقب هجوم نفذته جماعة مسلحة في يوليو/تموز.

كما تشير المنظمة إلى هدم منزلَي عائلتين باستخدام المتفجرات خلال الفترة ذاتها.

وتقر SAJC بأن السلطات الهندية تواجه تحديات أمنية حقيقية في كشمير، لكنها تحذر من أن الاعتبارات الأمنية لا ينبغي أن تتحول إلى مبرر للاحتجاز الجماعي أو العقاب الجماعي لأشخاص لم يثبت ارتكابهم جريمة بصورة فردية.

في المقابل، تدافع السلطات عادة عن الاعتقالات والإجراءات الوقائية باعتبارها ضرورية للحفاظ على الأمن والنظام العام، ولا سيما بعد الهجمات المسلحة.

البنغال الغربية.. توتر سياسي وضغوط على المسلمين

تظهر ولاية البنغال الغربية بوصفها إحدى أبرز بؤر القلق في التقرير، خصوصًا بعد فوز حزب بهاراتيا جاناتا (BJP) في الانتخابات بالولاية.

وتتهم SAJC السلطات والجهات غير الحكومية بوقوع هجمات استهدفت مساجد ومتاجر يملكها مسلمون وأحياء ذات غالبية مسلمة، وتقول إن مسلمَين قتلا خلال الفترة التي يغطيها التقرير.

كما يثير التقرير جدلًا حول تغييرات طرأت على قوائم الفئات المستفيدة من نظام الحصص، وإجراءات مرتبطة بالتحقق من الجنسية، وتمويل الأقليات والمدارس الدينية، وبعض القيود المتعلقة بذبح الأبقار.

وتقول المنظمة إن الجمعية التشريعية في الولاية أقرّت تعديلات أدت إلى إزالة 77 جماعة مسلمة من قائمة الفئات المتخلفة الأخرى (OBC)، بينما شهدت موازنة 2026-2027 خفضًا كبيرًا في مخصصات إدارة شؤون الأقليات وتعليم المدارس الدينية.

وتقدم حكومة الولاية وأنصار هذه الإجراءات تفسيرات قانونية وإدارية ومالية لها، ما يجعل القضية محل نزاع سياسي وقانوني يصعب حسمه في نظام حكم منحاز.

المسلمون الناطقون بالبنغالية في قلب أزمة الجنسية

من أكثر الملفات حساسية التي يطرحها التقرير وضع المسلمين الناطقين باللغة البنغالية في البنغال الغربية وآسام.

وتتهم SAJC السلطات باستخدام مراجعة قوائم الناخبين وإجراءات التحقق من الجنسية والاحتجاز والإبعاد بما يؤثر بصورة غير متناسبة على المسلمين الناطقين بالبنغالية.

وتبرز في هذا السياق عملية المراجعة المكثفة الخاصة لقوائم الناخبين (SIR)، التي يمكن أن تكون لها تبعات مباشرة على حق التصويت بالنسبة إلى الأشخاص الذين تواجه جنسيتهم أو بياناتهم اعتراضات.

كما يتحدث التقرير عن حالات قال إن أشخاصًا فيها طُردوا أو دُفعوا باتجاه الحدود مع بنغلاديش، دون منحهم، بحسب المنظمة، فرصة كافية لإثبات جنسيتهم أو الطعن في قرارات الإبعاد.

وتكمن حساسية المسألة في أن إثبات كون شخص ما أجنبيًا لا يمكن أن يقوم، من الناحية القانونية، على الدين أو اللغة أو المظهر أو مكان الإقامة وحدها، بل يفترض التحقق من حالة كل فرد بصورة مستقلة.

آسام وسياسة «الإعادة عبر الحدود»

في ولاية آسام، يسلط التقرير الضوء على ما يسميه الجدل حول إعادة أشخاص عبر الحدود الهندية البنغلاديشية.

وتقول SAJC إن مسلمين ناطقين بالبنغالية تعرضوا لإجراءات من هذا النوع، بينما دافع رئيس وزراء الولاية هيمانتا بيسوا سارما علنًا عن إجراءات إعادة من تعتبرهم السلطات أجانب.

وتشير المنظمة إلى حالات قالت إن عائلات أُخرجت ليلًا، فيما أثارت منظمات حقوقية دولية، من بينها هيومن رايتس ووتش، مخاوف بشأن معاملة بعض العائلات الناطقة بالبنغالية على الحدود.

لكن الحكومة المحلية تقدم القضية من زاوية مختلفة، باعتبارها جزءًا من جهود تحديد هوية الأجانب غير النظاميين وإخراجهم من البلاد.

وهنا يعود السؤال إلى جوهره: هل يحصل كل شخص متهم بأنه «متسلل» على فرصة قانونية حقيقية لإثبات جنسيته قبل اتخاذ قرار بإبعاده؟

خطاب «المتسللين» وخطر التعميم

يرى التقرير أن اللغة السياسية المستخدمة لوصف المسلمين تمثل جزءًا من المشكلة، خصوصًا عندما يجري استخدام مصطلحات مثل «المتسللين» في سياقات سياسية تتعلق بالهجرة والجنسية.

وتحذر SAJC من أن تكرار هذا الخطاب يمكن أن يؤدي إلى الخلط بين المسلمين الهنود الذين يحملون الجنسية الهندية وبين الأجانب الذين دخلوا البلاد بصورة غير قانونية.

وهذه القضية لا تتعلق باللغة وحدها، وفق التقرير، إذ يمكن للخطاب السياسي المتكرر أن يؤثر في المواقف الاجتماعية، وفي الطريقة التي تنظر بها المؤسسات الحكومية والأمنية إلى الأقليات.

«حماية الأبقار» والعنف الأهلي

يظل ملف ما يسمى حماية الأبقار أحد أبرز مصادر التوتر الطائفي، وفق التقرير.

وتقول SAJC إن قوانين تقييد ذبح الأبقار ونقل الماشية، إلى جانب نشاط مجموعات أهلية تتولى «حماية الأبقار» من تلقاء نفسها، جعلت المسلمين العاملين في تجارة اللحوم والمواشي والنقل أكثر عرضة للاعتداء.

وتوثق المنظمة حالات قالت إن مسلمين تعرضوا للضرب أو القتل بعد اتهامهم بنقل الأبقار أو التعامل معها، كما تتحدث عن حالات واجه فيها الضحايا أو أسرهم قضايا مضادة بدلًا من الاقتصار على ملاحقة المعتدين.

القضاء.. حالات نادرة للمساءلة

رغم الصورة القاتمة التي يقدمها التقرير، فإنه يشير إلى حالات قضائية اعتبرها مؤشرات على إمكانية تحقيق العدالة.

ومن بينها الحكم بالسجن المؤبد على 14 شخصًا في قضية قتل مسلم على خلفية ما وصف بأنه «حماية للأبقار».

وتعتبر SAJC الحكم مثالًا على قدرة القضاء على محاسبة مرتكبي العنف الطائفي، لكنها تشير في الوقت نفسه إلى استمرار مشكلات أكبر مرتبطة بتأخر التحقيقات، والإفلات من العقاب، وإغلاق بعض القضايا أو تبرئة المتهمين فيها.

وتكتسب حماية القضاة والمسؤولين الذين يتخذون قرارات ضد العنف أهمية خاصة في مثل هذه القضايا، بحسب المنظمة، خصوصًا عندما تكون الملفات ذات حساسية طائفية أو سياسية.

هل تتجه الهند إلى عام قياسي؟

المؤشر الأكثر إثارة للقلق في تقرير SAJC هو أن 44 مسلمًا قتلوا بين يناير ويوليو 2026 وفق الحالات التي تمكنت المنظمة من توثيقها، وهو رقم يضع العام، بحسب منهجيتها، على مسار ليكون الأسوأ منذ بدء رصدها لهذه الحالات.

لكن الرقم لا يمثل، كما تؤكد المنظمة نفسها، إجمالي عدد المسلمين الذين قتلوا في الهند بسبب العنف أو الاضطهاد، ولا يمكن اعتباره إحصاءً حكوميًا أو قاعدة بيانات وطنية شاملة.

ومع ذلك، فإن أهمية التقرير لا تتوقف عند عدد القتلى، بل في النمط الذي تحاول المنظمة استخلاصه من مجموعة واسعة من الأحداث: قتل، اعتقالات، احتجاز، هدم ممتلكات، إبعاد، تضييق على مواقع دينية، وخطاب سياسي يثير مخاوف بشأن وضع المسلمين كمواطنين متساوين.

وتقول المنظمة إن هذه العناصر عندما تتكرر في مناطق مختلفة قد تعكس مشكلة تتجاوز الحوادث الفردية، وتطرح تساؤلات حول مدى تكافؤ الحماية القانونية التي يحصل عليها أفراد الأقليات.

بين رواية الحقوقيين وموقف الحكومة

تضع هذه المعطيات الحكومة الهندية أمام اختبار صعب.

فنيودلهي ترفض بصورة متكررة الاتهامات بأنها تستهدف المسلمين باعتبارهم جماعة دينية، وتؤكد أن إجراءاتها الأمنية والإدارية تستهدف الجريمة والإرهاب والبناء غير القانوني والهجرة غير النظامية ومخالفات القانون، وليس هوية دينية بعينها.

لكن في المقابل، ترى منظمات حقوقية أن تكرار الاعتداءات وخطاب الكراهية وعمليات الهدم والاحتجاز، عندما تتقاطع مع الهوية الدينية للضحايا، يستوجب تحقيقًا مستقلًا ودقيقًا للتأكد من عدم وجود نمط من التمييز أو الإفلات من العقاب.

تكشف أرقام SAJC عن تصاعد مقلق في الحالات التي تستهدف المسلمين، لكن التحدي الأكبر يتمثل في النجاح في وضع حد لها في بلاد تحكمه الهندوسية المتطرفة.

Fediverse reactions

Comments

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *