تواجه مخيمات اللاجئين الروهينجا في كوكس بازار ببنغلاديش أزمة اجتماعية متنامية، مع انتشار المقامرة الإلكترونية بين بعض اللاجئين وتحول خسائرها، وفق مسؤولين وشهادات جمعها تحقيق ميداني جديد، إلى ديون وعنف وابتزاز وجرائم أخرى، في بيئة يعاني سكانها أصلًا من محدودية فرص العمل والدخل.
وكشف تحقيق نشره موقع «bdnews24» اليوم الأحد 27 سبتمبر/أيلول 2026 (16 ربيع الآخر 1448هـ)، أن سهولة الوصول إلى الهواتف المحمولة ومنصات المراهنات، إلى جانب الفراغ والبطالة، ساعدت على انتشار الظاهرة داخل المخيمات التي يعيش فيها مئات الآلاف من الروهينجا.
من رهانات صغيرة إلى ديون ثقيلة
بحسب التحقيق، يبدأ بعض اللاجئين بمبالغ محدودة على أمل تحقيق أرباح سريعة، قبل أن تتراكم الخسائر ويدخلوا في دائرة من الاقتراض ومحاولة تعويض الأموال المفقودة بمزيد من الرهانات.
وسرد التقرير حالة لاجئ يدعى جاهد الله قال إنه بدأ المقامرة عبر الإنترنت بمبلغ 100 ألف تاكا بنغلاديشي، ثم واصل ضخ مزيد من الأموال بعدما بدأت خسائره تتراكم، على أمل استعادة ما فقده.
وتكتسب الظاهرة خطورة أكبر مع ظهور أشخاص يعملون وسطاء أو ما يعرف داخل المخيمات بـ«الوكلاء الرئيسيين»، يوفر بعضهم الأموال للمقامرين على هيئة قروض، ما يجعل الخاسرين مدينين لهم.
وهذه ليست ملاحظة صحفية جديدة تمامًا؛ فقد وثقت تقارير سابقة لقطاع الحماية الإنساني في كوكس بازار انتشار المقامرة الإلكترونية، وقالت إن ما يسمى بـ«الوكلاء الرئيسيين» يشجعون عليها ويقدمون قروضًا نقدية، ما يوقع بعض اللاجئين في حلقات من الديون.
من الديون إلى العنف والخطف والابتزاز
ولا تقف التداعيات عند خسارة الأموال.
فوفق التحقيق الجديد، قال مسؤولون إن الضغوط المالية الناجمة عن خسائر المقامرة ارتبطت في بعض الحالات بـالعنف وعمليات خطف مدبرة والابتزاز وجرائم أخرى.
ويزيد ذلك المخاوف الأمنية داخل المخيمات، التي تواجه أصلًا تحديات تتعلق بالجماعات المسلحة والابتزاز والسرقة والاتجار بالبشر والجريمة المنظمة.
ومن المهم، مع ذلك، عدم تعميم الظاهرة على مجتمع الروهينجا بأكمله؛ فالتحقيق يتناول انتشار مشكلة اجتماعية بين جزء من سكان المخيمات، وليس وصفًا للاجئين عمومًا.
البطالة والفراغ يفتحان الباب
ويربط التحقيق انتشار المقامرة بالظروف الاستثنائية التي يعيشها الروهينجا في المخيمات.
فاللاجئون يواجهون قيودًا كبيرة على فرص العمل وكسب الدخل، بينما يمكن أن تمر أيام طويلة على كثير منهم دون عمل أو نشاط اقتصادي منتظم. وفي هذا الفراغ، أصبحت تطبيقات ومواقع المقامرة وسيلة مغرية للبعض بحثًا عن المال السريع.
لكن النتيجة في الحالات التي وثقها التحقيق كانت معاكسة؛ إذ تحولت محاولة كسب المال إلى خسائر وديون وضغوط اجتماعية داخل الأسر.
وتسلط هذه الظاهرة الضوء على جانب أقل ظهورًا من أزمة الروهينجا: فسنوات الإقامة الطويلة في المخيمات لا تخلق احتياجات غذائية وصحية وتعليمية فحسب، بل تترك آثارًا اجتماعية وأمنية متراكمة، خصوصًا بين السكان الذين لا يرون أفقًا واضحًا للعودة أو لبناء حياة اقتصادية مستقرة.
أكثر من 1.2 مليون روهينجي وبنغلاديش تعيد القضية إلى الأمم المتحدة
ويتزامن ظهور التحقيق مع عودة قضية الروهينجا بقوة إلى اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك.
وعاد رئيس الوزراء البنغلاديشي طارق رحمن إلى دكا صباح اليوم الأحد، بعد زيارة إلى نيويورك شارك خلالها في نحو 30 نشاطًا رسميًا، وكانت أزمة الروهينجا من الملفات الرئيسية في برنامجه.
وكان رحمن قد قال أمام الجمعية العامة إن بنغلاديش تؤوي منذ أكثر من تسع سنوات أكثر من 1.2 مليون روهينجي فروا من ميانمار، معتبرًا أن استمرار وجودهم يفرض ضغوطًا كبيرة على موارد البلاد وبيئتها وأمنها والمجتمعات المحلية المضيفة.
وأكد أن الحل الدائم يتمثل في عودة الروهينجا بأمان إلى موطنهم في ميانمار، داعيًا الأمم المتحدة والمجتمع الدولي إلى دعم هذا المسار.
خطة من خمس نقاط لإنهاء الأزمة
وخلال اجتماع رفيع المستوى بشأن الروهينجا في مقر الأمم المتحدة في 23 سبتمبر، طرح رئيس الوزراء البنغلاديشي خمس خطوات لمعالجة الأزمة.
وشملت الدعوة إلى وضع خارطة طريق واضحة وموثوقة للعودة الآمنة والطوعية والكريمة والمستدامة للروهينجا؛ ووقف العنف ضد المدنيين وضمان حقوق الروهينجا وأمنهم؛ وضمان تمويل إنساني كافٍ ومستقر للاجئين والمجتمعات المضيفة؛ وتعزيز العدالة والمساءلة؛ وتوسيع التعاون لمواجهة الاتجار بالبشر والمخدرات والاحتيال الرقمي والأسلحة غير المشروعة والجرائم العابرة للحدود.
وكان رحمن قد ناقش كذلك مع المفوض السامي للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين برهم صالح ضرورة إيجاد الظروف الملائمة داخل ميانمار لعودة الروهينجا بصورة آمنة وطوعية وكريمة.
أزمة لم تعد إنسانية فقط
يكشف انتشار المقامرة الإلكترونية جانبًا من التداعيات بعيدة المدى لبقاء الروهينجا سنوات طويلة داخل المخيمات.
فالمشكلة لم تعد مقتصرة على توفير الغذاء والمأوى والرعاية الصحية؛ إذ تتزايد المخاوف من البطالة والديون والجريمة والاتجار بالبشر وتفكك الروابط الاجتماعية وانتشار أنشطة غير قانونية في بيئة مكتظة تفتقر إلى الفرص الاقتصادية الطبيعية.
ويأتي ذلك بينما تحاول بنغلاديش إعادة الأزمة إلى صدارة الاهتمام الدولي، مؤكدة أن إدارة المخيمات والمساعدات الإنسانية لا يمكن أن تكون بديلًا دائمًا عن معالجة أصل المشكلة.
وبينما تبحث الدبلوماسية في نيويورك عن طريق لإنهاء نزوح الروهينجا، يكشف الواقع داخل كوكس بازار ثمن استمرار الأزمة عامًا بعد عام: جيل يعيش في المخيمات وسط فرص محدودة للعمل والتعليم والحياة الطبيعية، فيما تجد مشكلات اجتماعية وأمنية جديدة مساحة للنمو في هذا الفراغ.





اترك تعليقاً