القوة الناعمة بلا ظل خشن: المعضلة الاستراتيجية للتحول السعودي

bd8ce38a85429139c7ec4ba40556becb

كتب المدون العراقي عماد السمرائي في مقال له عبر منصة إكس:

لم تعد قوة الدول في القرن الحادي والعشرين تقاس فقط بعدد الدبابات والطائرات، بل بقدرتها على بناء نموذج جذاب يجمع بين الاقتصاد، الاستقرار، النفوذ الثقافي والقدرة على التأثير في الآخرين. ومن هذا المنطلق خاضت السعودية خلال السنوات الأخيرة تحولاً واسعاً لم يكن مجرد إصلاحات اجتماعية أو اقتصادية، بل محاولة لإعادة تعريف صورة الدولة ومكانتها في النظام الدولي.

لكن كل تحول استراتيجي يحمل معه مفارقة. فالأدوات التي تُستخدم لتغيير هوية الدولة وصورتها قد تصبح، في لحظة مواجهة، قيوداً على قدرتها في التعامل مع خصوم يعملون بمنطق مختلف, فيصبح السؤال هنا مطروحا بنبرة قوية, هل يمكن بناء قوة ناعمة واسعة دون بناء ظل خشن يحميها؟

منذ التحول الذي أعقب ما سُمي بالحرب على “الصحوة”، اتجهت السعودية إلى إعادة تشكيل المجال الاجتماعي والثقافي. لم يكن الهدف فقط تخفيف حضور تيار ديني اجتماعي، بل كان الهدف هو بناء صورة جديدة للمجتمع السعودي, مجتمع أكثر انفتاحاً وارتباطاً بالاقتصاد العالمي والثقافة العالمية السائدة، وأكثر قدرة على جذب السياحة والاستثمار.

هذا التحول حمل أهدافاً واضحة:

  • تحسين صورة السعودية دولياً.
  • جذب الاستثمارات.
  • تخفيف الانتقادات الغربية بعد أزمات سياسية كبرى، وعلى رأسها قضية اغتيال جمال خاشقجي.
  • الانتقال من شرعية تقوم على الدور الديني التقليدي إلى شرعية تقوم على الإنجاز والتنمية.

لكن المشكلة أن بناء هذه الصورة تطلبَ أيضاً إعادة صياغة الشخصية الاجتماعية نفسها. فالمجتمع الذي يجري تقديمه للعالم هو مجتمع يركز على الحياة الطبيعية، الاستهلاك، الترفيه، الاقتصاد، والفرص الفردية، وليس مجتمع التعبئة السياسية أو العقائدية. لكن في لحظات التهديد فإن الدولة التي تريد أن تبدو طبيعية أمام العالم قد تجد صعوبة في العودة إلى أدوات التعبئة التي استخدمتها سابقاً عندما تواجه خصماً لا يزال يعمل بمنطق التعبئة.

كما ان الردع ليس مجرد امتلاك منظومات دفاعية متقدمة. الردع يحتاج أيضاً إلى بيئة سياسية ونفسية واجتماعية تؤمن باستخدام القوة عند الضرورة، وتتحمل تبعات الصراع.

لكن السعودية هنا تواجه معضلة تاريخية مشتركة مع عدد من دول الخليج.

فالتجربة العربية منذ انقلابات مصر والعراق وليبيا واليمن جعلت الأنظمة الخليجية تنظر بحذر إلى بناء هوية عسكرية قوية داخل المجتمع. فالجيوش القوية ذات الحضور السياسي “وهذا ما تنتجه عادة المواجهات الكبرى” تحولت في حالات عديدة إلى مراكز تغيير للنظام نفسه. لذلك نشأ نموذج خليجي يعتمد على جيش محترف بعيد عن السياسة وتفوق تقني وتسليحي وتحالفات دولية مع تقليل دور التعبئة الشعبية.

هذا النموذج نجح في الحفاظ على الاستقرار الداخلي، لكنه يخلق سؤالاً صعباً عند مواجهة خصم مثل إيران، التي لا تعتمد فقط على القوة العسكرية، بل على الأيديولوجيا والشبكات الاجتماعية والخطاب العابر للحدود, فالرد على مشروع يستخدم الهوية يحتاج إلى أدوات هوية مقابلة، أو على الأقل إلى هوية وطنية صلبة قادرة على تعبئة المجتمع. وهنا تظهر المشكلة:

الأدوات التي كانت متاحة سابقاً لم تعد منسجمة مع المشروع الجديد، والأدوات الجديدة لم تصل بعد إلى مستوى يوازي طبيعة التحديات القديمة.

فالمسألة لا تتعلق بمجرد قرار سياسي يمكن تغييره في لحظة أزمة، بل بمسار طويل من إعادة تشكيل صورة الدولة والمجتمع. فقد قامت مرحلة التحول السعودي على تقليص حضور الخطابات التي كانت تقوم على التعبئة الدينية والأيديولوجية، واستبدالها بخطاب جديد ينسجم ومواصفات المجتمعات الحديثة في اقتصاد السوق العالمي التي تحدثنا عنا آنفا.

العودة إلى أدوات التعبئة السابقة في مواجهة خصم يستخدم خطاباً أيديولوجياً قد تكون فعالة من الناحية التكتيكية، لكنها تحمل كلفة استراتيجية كبيرة لأنها قد تُفهم داخلياً وخارجياً باعتبارها تراجعاً عن المشروع الذي بُنيت عليه المرحلة الجديدة. فإعادة إنتاج خطاب تعبوي يتطلب إعادة الاعتراف بأهمية الأدوات التي جرى تحجيمها سابقاً، سواء عبر الخطاب الديني أو شبكات التأثير الاجتماعي أو الثقافة السياسية التي ارتبطت بمرحلة ما قبل التحول.

وهذا لا يعني بالضرورة العودة الكاملة إلى الماضي، لكنه يكشف عن مأزق يشير إلى أن الدولة التي عملت سنوات على تغيير صورتها لا تستطيع بسهولة استخدام الأدوات التي حاولت تجاوزها دون أن تدفع ثمناً سياسياً ورمزياً.

لذلك فإن التحدي الحقيقي ليس في امتلاك القدرة العسكرية فقط، بل في بناء بديل حديث لأدوات التعبئة القديمة, بناء هوية وطنية قادرة على الصمود، ومؤسسات قادرة على إنتاج الثقة، وثقافة استراتيجية تجعل المجتمع يرى في قوة الردع أهم وسائل الدفاع عن الدولة وجزءاً من مشروعها الجديد لا نقيضاً له.

القضية لا تتوقف عند السعودية. فالنموذج الذي يقوم على تقليل الأيديولوجيا والتركيز على التنمية والصورة الدولية والذي سوقت له السعودية ودول الخليج أصبح أكثر حضوراً في عدد من الدول العربية وهو ما أضعف كثيرا منظومة الردع العربية في ظل ان البيئة الإقليمية لم تتحول بالسرعة نفسها.

ففي الوقت الذي حاولت فيه دول عربية الانتقال من منطق الصراع الأيديولوجي إلى منطق التنمية، بقيت قوى إقليمية أخرى تعتمد على أدوات مختلفة.

إيران بنت جزءاً كبيراً من نفوذها على خطاب المقاومة والهوية، مستخدمة القضية الفلسطينية كأحد أهم مصادر الشرعية الإقليمية. وتركيا حاولت الجمع بين القوة الاقتصادية والحضور الثقافي والسياسي المرتبط بالهوية. أما “إسرائيل” فاعتمدت تاريخياً على التفوق العسكري والتكنولوجي وعلى سردية أمنية مركزية تقوم على مفهوم التهديد الدائم, والنتيجة هي وجود فجوة بين نماذج مختلفة:

  • نموذج عربي يريد بناء دولة تنموية وجذابة.
  • نماذج إقليمية تستخدم مزيجاً من القوة الصلبة والرمزية والأيديولوجية.

وهذه الفجوة قد تنتج حالة من عدم الاستقرار المستدام، ليس بالضرورة عبر حروب مباشرة، بل عبر حرب باردة إقليمية طويلة ومواجهات فرعية منخفضة الحدة تتنافس فيها القوى على النفوذ والرواية والشرعية.

لا تكمن المعضلة في انتقال الدولة من نموذج محافظ إلى نموذج أكثر انفتاحاً، فالدول لا تبقى أسيرة هويات تاريخية ثابتة. المشكلة تظهر عندما يسبق تغيير الصورة الخارجية بناء الأدوات التي تحمي هذه الصورة. فالدولة التي تسعى إلى جذب العالم تحتاج في الوقت نفسه إلى إقناع خصومها بأنها قادرة على حماية مصالحها.

القوة الناعمة تمنح الدولة الجاذبية، لكنها لا تمنحها بالضرورة القدرة على الردع. والقوة الصلبة تمنحها القدرة على الردع، لكنها لا تكفي وحدها لبناء النفوذ. التجارب الناجحة تاريخياً هي تلك التي نجحت في الجمع بين الاثنين.. مجتمع منفتح واقتصاد متطور، لكن مع مؤسسات قوية وهوية وطنية قادرة على الصمود أمام الأزمات.

لذلك فإن السؤال ليس ما إذا كان على السعودية أن تعود إلى أدوات الماضي، بل هل تستطيع إنتاج أدوات جديدة تؤدي الوظيفة نفسها دون العودة إلى النموذج القديم؟

المشكلة الأساسية ليست أن السعودية اختارت الانفتاح أو التنمية. فالدول الحديثة تحتاج إلى اقتصاد قوي وصورة دولية جذابة. لكن القوة الناعمة وحدها لا تكفي. فالتاريخ يثبت أن النفوذ الاقتصادي والثقافي يحتاج إلى قوة تحميه، وهذه القوة لا تعني بالضرورة العودة إلى الأيديولوجيا القديمة، بل بناء بديل.. هوية وطنية قوية+ أيدولجيا قومية دينية منضبطة تؤمن المحيط الحيوي والأمن القومي الجماعي، مؤسسات أمنية وعسكرية ذات ثقة، وصناعة دفاعية مستقلة، وقدرة على إنتاج سردية استراتيجية, كما أن السعودية تمتلك أدوات ردع حديثة تتجاوز الجيش أهملتها طويلا، من الطاقة إلى الموقع الجغرافي إلى الرمزية التاريخية والثقافية، لكنها تحتاج إلى إدماج هذه الأدوات ضمن رؤية استراتيجية متوازنة تجمع بين النفوذ الناعم والقدرة الخشنة.

المعضلة الحقيقية ليست بين الانفتاح والمحافظة، بل بين دولة تريد أن تصبح جزءاً من النظام العالمي الحديث، ومنطقة ما زالت تُدار بمنطق الصراع والهوية والقوة.

فالقوة الناعمة تحتاج إلى ظل خشن يحميها، وإلا قد تتحول من مصدر نفوذ إلى نقطة ضعف يستغلها الخصوم.

Comments

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *