واصل اليهود في فلسطين المحتلة حربهم على الإسلام والمسلمين، حيث صادق الكنيست بالقراءة التمهيدية على مشروع قانون يُعرف إعلاميًا باسم “قانون المؤذن”، في خطوة أعادت فتح واحدة من أكثر القضايا حساسية، حيث تتداخل الاعتبارات الدينية والسياسية والقانونية والحقوقية في نزاع يتجاوز مسألة تنظيم استخدام مكبرات الصوت ليصل إلى صميم الصراع على الهوية والوجود في الأراضي الفلسطينية المحتلة.
حصل مشروع القانون على تأييد 50 عضوًا في الكنيست كبداية لمسار تشريعي سوف يقود إلى فرض قيود غير مسبوقة على رفع الأذان عبر مكبرات الصوت في المساجد، خاصة خلال ساعات الليل والفجر، بذريعة الحد من “الضوضاء” وحماية السكان من الإزعاج. لكن هذه الذريعة لم تُقنع احد ، لأن القضية لا تتعلق بالضجيج بقدر ما تمثل حلقة جديدة في سلسلة طويلة من الإجراءات التي تستهدف تقليص الحضور الإسلامي في الفضاء العام، وإخضاع الشعائر الدينية لقيود قانونية وإدارية غير مسبوقة.
مشروع قديم يعود بثوب جديد
ورغم الضجة التي أثارها المشروع عقب التصويت الأخير، فإن “قانون المؤذن” ليس فكرة جديدة داخل المؤسسة التشريعية “الإسرائيلية”. فمنذ سنوات، طُرحت عدة مشاريع قوانين تحمل المضامين ذاتها، إلا أنها لم تستكمل مراحلها التشريعية لأسباب سياسية أو قانونية أو نتيجة خلافات داخل الائتلافات الحاكمة، ومع ذلك، فإن إعادة طرح المشروع والتصويت عليه من جديد تعكس إصرارًا لدى تيارات سياسية “إسرائيلية” على إعادة تنظيم حضور الأذان في المجال العام تحت غطاء تشريعي.
ويتحجج مؤيدو المشروع بأن الهدف يتمثل في تطبيق قوانين الحد من الضوضاء على جميع مصادر الأصوات المرتفعة، معتبرين أن استخدام مكبرات الصوت في ساعات متأخرة من الليل أو في الصباح الباكر يسبب إزعاجًا للسكان، ويصنف ضمن ما يصفونه بـ”المكرهة الصحية”.
إلا أن هذه الذريعة مردود عليها بأن “إسرائيل” تمتلك بالفعل قوانين تنظم الضوضاء البيئية، وأن اللجوء إلى تشريع خاص يستهدف الأذان يكشف أن القضية تتجاوز الاعتبارات البيئية إلى استهداف شعيرة دينية بعينها.
ماذا يتضمن مشروع القانون؟
يتضمن المشروع مجموعة من البنود التي تمنح اليهود صلاحيات واسعة في تنظيم استخدام مكبرات الصوت داخل المساجد، ويُعد بند تحديد أوقات رفع الأذان أبرز تلك البنود.
وينص المشروع على منع أو تقييد استخدام مكبرات الصوت خلال الفترة الممتدة من الساعة الحادية عشرة مساءً وحتى السابعة صباحًا، وهي فترة تشمل بصورة مباشرة أذان العشاء وأذان الفجر، الأمر الذي يعني عمليًا حرمان عدد كبير من المساجد من رفع الأذان بالطريقة التقليدية المعتمدة منذ عقود.
ولا يقف المشروع عند حدود تحديد التوقيت، بل يقترح أيضًا إخضاع استخدام مكبرات الصوت لنظام تصاريح مسبقة، بحيث تصبح المساجد ملزمة بالحصول على موافقة رسمية قبل تشغيلها.
هذا الإجراء يمنح السلطات أدوات إدارية واسعة للتحكم في ممارسة الشعائر الدينية، ويتيح إمكانية رفض التصاريح أو تعطيلها لأسباب قد تكون سياسية أكثر منها تنظيمية.
أما الجانب الأكثر إثارة للقلق فيتمثل في منح الشرطة “الإسرائيلية” صلاحيات تنفيذية موسعة، تشمل مصادرة مكبرات الصوت من المساجد المخالفة، وفرض غرامات مالية، مع تحويل عائدات تلك الغرامات إلى صندوق حكومي، وهو ما يثير مخاوف من استخدام القانون كأداة للضغط المالي والإداري على المؤسسات الدينية الإسلامية.
نطاق جغرافي واسع
لا يقتصر المشروع على مدينة القدس المحتلة، بل يمتد نطاق تطبيقه ليشمل المساجد في القدس الشرقية، والضفة الغربية، والبلدات العربية داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1948.
ويشير هذا الاتساع الجغرافي إلى أن القانون لا يستهدف معالجة وضع محلي محدد، وإنما يسعى إلى فرض سياسة موحدة على مختلف المناطق الواقعة تحت السيطرة “الإسرائيلية”، وهو ما يفسر حجم الرفض الفلسطيني الواسع للمشروع.
الأذان.. أكثر من مجرد نداء للصلاة
ينظر المسلمون إلى الأذان باعتباره أحد أبرز الشعائر الإسلامية، فهو الإعلان الرسمي عن دخول وقت الصلاة، كما يمثل جزءًا أصيلًا من المشهد الثقافي والديني في المدن والقرى الإسلامية. ولهذا فأن الجدل حول “قانون المؤذن” لا يتعلق بمكبرات الصوت بقدر ما يرتبط بالرمزية الدينية والثقافية للأذان نفسه، فالأذان بالنسبة للمسلمين لا يؤدي وظيفة دينية فحسب، بل يمثل أيضًا أحد مكونات الهوية الدينية ، خصوصًا في مدينة القدس التي لها خصوصية شديدة عند المسلمين، والتي تشهد صراعًا متواصلًا على الهوية والسيادة والمقدسات.
ومن هذا المنطلق، فإن أي محاولة لتقييده تُقرأ فلسطينيًا باعتبارها استهدافًا للوجود الإسلامي في المدينة، وليس مجرد تنظيم لمسألة تقنية.
بين التنظيم والتمييز
يؤكد المنتقدون لمشروع القانون أن التشريعات القائمة أصلًا تمنح اليهود صلاحيات لمعالجة أي تجاوز يتعلق بالإزعاج الصوتي دون الحاجة إلى إصدار قانون يركز بصورة شبه حصرية على الأذان، كما أن تخصيص تشريع مستقل لشعيرة دينية بعينها يثير تساؤلات قانونية حول مبدأ المساواة أمام القانون، خاصة إذا لم تُطبق القيود ذاتها على مصادر صوتية أخرى ذات طبيعة دينية أو احتفالية.
ومن هنا تصاعدت الاتهامات بأن المشروع يحمل طابعًا تمييزيًا، ويشكل امتدادًا لسياسات تستهدف تقليص المظاهر الإسلامية في الفضاء العام.
حرية العبادة على المحك
أبرز الانتقادات الموجهة إلى المشروع تتمثل في اعتباره انتهاكًا مباشرًا لحرية العبادة ، بالإضافة إلى أن فرض قيود قانونية على رفع الأذان يمثل سابقة خطيرة قد تفتح الباب أمام فرض قيود إضافية على ممارسات دينية أخرى مستقبلًا.
كما يخشى كثيرون أن يتحول القانون إلى أداة رقابية تمنح الأجهزة الأمنية والإدارية نفوذًا واسعًا في إدارة شؤون المساجد.
محافظة القدس: “إعلان حرب دينية”
جاءت ردود الفعل الفلسطينية حادة منذ اللحظة الأولى، فقد حذرت محافظة القدس من تداعيات إقرار المشروع، ووصفت القانون بأنه “إعلان حرب دينية” واعتداء مباشر على حرية العبادة والشعائر الإسلامية.
وأكدت المحافظة في بيان رسمي أن المشروع يندرج ضمن سياسة “إسرائيلية” ممنهجة تستهدف المساجد، وعلى رأسها المسجد الأقصى المبارك والمسجد الإبراهيمي، والتدخل في شؤون العبادة، معتبرة أنه يأتي ضمن سلسلة طويلة من الانتهاكات التي تشمل اقتحامات المستوطنين للمقدسات الإسلامية، وتدنيس المساجد، وإحراق بعضها، ومحاولات فرض وقائع جديدة على الأرض بهدف طمس الهوية الإسلامية والعربية.
وأضافت أن المشروع يكشف – بحسب وصفها – “الطبيعة الحقيقية لدولة الاحتلال بوصفها نظام فصل عنصري يوظف أدواته التشريعية لفرض الاضطهاد الديني”، واعتبرت أنه يمثل “إرهابًا تشريعيًا” يستهدف الهوية الفلسطينية، محذرة من أن استمرار هذه السياسات قد يقود إلى إشعال حرب دينية تتجاوز حدود فلسطين.
كما دعت منظمات إلى احترام حرية المعتقد وعدم سن تشريعات تمييزية تستهدف جماعة دينية بعينها، مطالبة بضمان التزام “إسرائيل” بـ”القانون الدولي” والاتفاقيات المتعلقة بحماية الحقوق الدينية.
مخاوف من التطبيق الميداني
حتى قبل إقرار المشروع بصورة نهائية، يخشى الفلسطينيون من أن يمنح القانون غطاءً قانونيًا لتوسيع عمليات مداهمة المساجد ومصادرة مكبرات الصوت وفرض الغرامات المالية، بما يحول القيود الإدارية إلى واقع يومي ينعكس على ممارسة الشعائر الإسلامية.
ويرى مراقبون أن أخطر ما في المشروع ليس النصوص القانونية وحدها، وإنما الصلاحيات التنفيذية التي يمنحها للأجهزة الأمنية، والتي قد تؤدي إلى احتكاكات ميدانية متكررة، خاصة في القدس والأحياء العربية المختلطة.
ما الذي ينتظر المشروع؟
رغم التصويت التمهيدي، فإن مشروع القانون لا يزال بحاجة إلى استكمال مراحله التشريعية داخل الكنيست قبل أن يصبح قانونًا نافذًا.
إلا أن مجرد اجتيازه القراءة الأولى يعكس وجود إرادة سياسية لدفعه نحو الإقرار النهائي، وهو ما يجعل الأسابيع والأشهر المقبلة حاسمة في تحديد مصيره.
قد يبدو “قانون المؤذن” للوهلة الأولى نقاشًا تقنيًا حول مستويات الضوضاء، لكنه في الواقع يعكس تعقيدات أعمق بكثير تتصل بالصراع على الهوية والوجود والحقوق الدينية في الأراضي الفلسطينية المحتلة.





اترك تعليقاً