لم تكن أزمة فنزويلا الأخيرة مجرد مواجهة بين واشنطن ورئيسها السابق نيكولاس مادورو، ولكنها في نظر كثيرين داخل أمريكا اللاتينية، فصل جديد من رواية قديمة عمرها أكثر من قرنين.. رواية تتكرر فيها الأسماء وتتغير الأنظمة، لكن يبقى البطل نفسه: الولايات المتحدة الأمريكية.
من المكسيك إلى تشيلي، ومن غواتيمالا إلى نيكاراغوا، ومن كوبا إلى فنزويلا، لا يُنظر إلى واشنطن في أجزاء واسعة من القارة باعتبارها القوة التي حملت الديمقراطية أو دعمت الاستقرار، بل باعتبارها قوة تدخلت مراراً لإعادة رسم خرائط السلطة بما يتوافق مع مصالحها الاستراتيجية والاقتصادية، ولهذا السبب، لا يُقرأ أي حدث سياسي كبير في أمريكا اللاتينية بمعزل عن التاريخ. فحين تضغط واشنطن على كراكاس، يتذكر كثيرون غواتيمالا، وحين تتحدث عن الديمقراطية، يستحضر آخرون تشيلي، وحين تلوّح بالعقوبات أو التدخل، تعود إلى الواجهة ذاكرة طويلة من الانقلابات والاحتلالات والحروب السرية.. إنها ذاكرة لا تزال حية إلى درجة تجعل الولايات المتحدة، رغم قوتها الهائلة، عاجزة عن التخلص من صورة “الإمبراطورية الشمالية” في العقل اللاتيني.
البداية.. عندما أعلنت واشنطن حقها في الوصاية
في عام 1823 أعلن الرئيس الأمريكي جيمس مونرو مبدأه الشهير “أمريكا للأمريكيين”، في الكتب الأمريكية يُقدَّم المبدأ باعتباره إعلاناً لحماية القارة من الاستعمار الأوروبي، لكن في الذاكرة اللاتينية يُنظر إليه غالباً باعتباره الوثيقة التأسيسية لفكرة مختلفة تماماً وهي حق الولايات المتحدة في تقرير مصير جيرانها، وكان السؤال الذي طرحه اللاتينيون مبكراً : أي أمريكيين تحديداً؟.
عندما نعود إلى التاريخ ، وبينما كانت شعوب القارة تخرج للتو من هيمنة مدريد ولندن وباريس، كانت واشنطن ترسم لنفسها دور الوصي الجديد، ولم تمضِ سنوات طويلة حتى بدأت تلك الرؤية تتحول إلى وقائع على الأرض، فالحرب الأمريكية المكسيكية بين 1846 و1848 انتهت بفقدان المكسيك أكثر من نصف أراضيها التاريخية تقريباً، فيما كان ذلك بالنسبة للولايات المتحدة انتصاراً قومياً، أما في أمريكا اللاتينية فقد تحول إلى أول دليل عملي على أن القوة الجديدة القادمة من الشمال لا تختلف كثيراً عن الإمبراطوريات التي سبقتها.
من مونرو إلى روزفلت.. شرعنة التدخل
مع بداية القرن العشرين انتقلت واشنطن من مرحلة النفوذ إلى مرحلة الوصاية الصريحة.. الرئيس ثيودور روزفلت أعاد تفسير مبدأ مونرو بطريقة منحت الولايات المتحدة حق التدخل المباشر في شؤون دول القارة إذا رأت أن الاستقرار أو المصالح الأمريكية مهددة، وهكذا وُلد ما عرف لاحقاً بـ”عصا روزفلت الغليظة”.
خلال عقود قليلة دخلت القوات الأمريكية إلى كوبا وهايتي ونيكاراغوا وبنما وجمهورية الدومينيكان، وأصبحت مشاهد الاحتلال العسكري أو الإدارة الأمريكية المباشرة جزءاً من الواقع السياسي في المنطقة، وفي تلك الحقبة ترسخت عبارة “الفناء الخلفي” داخل الخطاب السياسي الأمريكي، ورغم أن المسؤولين الأمريكيين تجنبوا استخدامها علناً في أحيان كثيرة، فإن كثيراً من اللاتينيين رأوا أن السياسات الأمريكية لم تكن تعني شيئاً آخر.
عندما أصبحت الديمقراطية مشكلة
بعد الحرب العالمية الثانية دخل العالم عصر الحرب الباردة، وهنا تغيرت الأولويات الأمريكية، حيث لم يعد السؤال في واشنطن: هل الحكومة ديمقراطية؟، بل: هل هي موالية للولايات المتحدة؟.. إذا كانت الإجابة نعم، أصبحت طبيعة النظام مسألة ثانوية، أما إذا كانت الإجابة لا، فإن الديمقراطية نفسها قد تتحول إلى مشكلة.
في غواتيمالا عام 1954 أُطيح بالرئيس المنتخب ديمقراطياً جاكوبو أربينز، وكان السبب المعلن هو الخوف من الشيوعية، لكن وثائق كثيرة كشفت لاحقاً أن مصالح اقتصادية أمريكية ضخمة، وفي مقدمتها شركة “يونايتد فروت”، كانت حاضرة بقوة في خلفية القرار.
لم يكن سقوط أربينز مجرد تغيير حكومة، بل بداية حرب أهلية استمرت عقوداً وخلفت مئات الآلاف من الضحايا بين قتيل ومفقود ونازح، ومنذ ذلك الوقت بدأ سؤال يتكرر في أنحاء القارة: إذا كانت الانتخابات الحرة يمكن إسقاط نتائجها عندما لا تعجب واشنطن، فما معنى الحديث عن الديمقراطية؟.
تشيلي.. الجرح الذي لم يندمل
لا يوجد مثال أكثر حضوراً في الذاكرة اللاتينية من تشيلي ، ففي عام 1970 وصل سلفادور أليندي إلى السلطة عبر صناديق الاقتراع، ورغم أنه كان اشتراكياً، لكنه جاء بانتخابات اعترف العالم بنزاهتها، أما بالنسبة لواشنطن كان ذلك تطوراً خطيراً، فوجود نموذج يساري منتخب ديمقراطياً كان يهدد السردية الأمريكية خلال الحرب الباردة.
بعد ثلاث سنوات فقط سقط أليندي بانقلاب عسكري بقيادة أوغستو بينوشيه، وأظهرت الوثائق التي كُشف عنها لاحقاً حجم الجهود الأمريكية لعزل حكومة أليندي اقتصادياً وسياسياً قبل الانقلاب، وتحول بينوشيه لاحقاً إلى أحد أكثر الحكام قمعاً في تاريخ أمريكا الجنوبية، لكن بالنسبة لكثير من اللاتينيين كانت الرسالة واضحة: واشنطن لم تكن تخشى الدكتاتورية بقدر ما كانت تخشى استقلال القرار السياسي.
الإمبراطورية الخفية لم تكن الانقلابات وحدها أداة النفوذ، ففي البرازيل دعمت الولايات المتحدة انقلاب 1964، وفي الأرجنتين وفرت غطاءً سياسياً للانقلاب العسكري عام 1976، وفي الدومينيكان ارتبط اسم وكالة الاستخبارات المركزية بعمليات سرية استهدفت إعادة تشكيل السلطة، أما في نيكاراغوا فقد دعمت إدارة رونالد ريغان قوات “الكونترا” المسلحة ضد الحكومة المنتخبة، في واحدة من أكثر حروب الوكالة دموية خلال الحرب الباردة، وبمرور الوقت لم تعد الولايات المتحدة بحاجة دائماً إلى إرسال الجنود، فقد اكتشفت أن النفوذ يمكن أن يُمارس بوسائل أكثر فاعلية وأقل تكلفة.
الانقلابات الناعمة.. القوة التي لا تظهر
مع نهاية الحرب الباردة تراجع التدخل العسكري المباشر، لكن التدخل لم يتوقف، وبدلاً من الدبابات ظهرت العقوبات، وبدلاً من الاحتلال المباشر ظهرت الضغوط المالية والإعلامية والدبلوماسية.
في كثير من دول أمريكا اللاتينية أصبح الحديث يدور حول ما يسميه اليسار اللاتيني “الانقلابات الناعمة”، الفكرة تقوم على إضعاف الحكومات المستهدفة اقتصادياً وإعلامياً وسياسياً حتى تسقط من الداخل. وسواء كان هذا الوصف دقيقاً أم مبالغاً فيه، فإن الأكيد أن العقوبات الاقتصادية الأمريكية أصبحت أحد أكثر أدوات السياسة الخارجية استخداماً في القارة.
مادورو.. آخر فصول القصة القديمة
حين تصاعدت الضغوط الأمريكية على فنزويلا خلال السنوات الأخيرة، لم يرَ كثير من اللاتينيين في الأمر أزمة معزولة، بل رأوا امتداداً لمسار تاريخي طويل، فالولايات المتحدة تقول إنها تدافع عن الديمقراطية، بينما يرد خصومها بأنها تسعى للسيطرة على واحدة من أكبر احتياطيات النفط في العالم، وبين الروايتين تبقى حقيقة واحدة: كلما اشتدت المواجهة مع فنزويلا، عاد شبح التاريخ ليطارد واشنطن.
ولهذا لم يكن مفاجئاً أن تجد الولايات المتحدة نفسها عاجزة عن حشد إجماع إقليمي كامل ضد مادورو بعد حادث اعتقاله وتوجيه اتهامات “معلبة” ضده، ورغم أن العديد من الحكومات اللاتينية لا تثق بكاراكاس، لكنها لا تثق أيضاً بالنوايا الأمريكية.
لماذا لا تنسى أمريكا اللاتينية خطايا الولايات المتحدة؟
هناك دول كثيرة تعرضت لتدخلات خارجية ثم طوت الصفحة، لكن أمريكا اللاتينية حالة مختلفة، لأن التدخل الأمريكي لم يكن حادثة واحدة، بل سلسلة متصلة امتدت من القرن التاسع عشر إلى القرن الحادي والعشرين. من احتلال الأراضي إلى دعم الانقلابات.. إلى إدارة الحروب السرية.. إلى العقوبات الاقتصادية.. إلى الضغوط السياسية. كل جيل وجد سبباً جديداً لإعادة إحياء الذاكرة القديمة، ولهذا تحولت الولايات المتحدة إلى جزء من الحكايات السياسية الداخلية في معظم دول القارة، فحتى القادة الذين يقيمون أفضل العلاقات مع واشنطن يضطرون دائماً إلى مراعاة هذا الإرث الشعبي الثقيل.
المعضلة الأمريكية.. القوة التي تربح وتخسر في الوقت نفسه
ربما تكون المفارقة الأهم أن الولايات المتحدة حققت معظم أهدافها التكتيكية، حيث أسقطت حكومات، ودعمت حلفاء، وحمت مصالح اقتصادية، ووسعت نفوذها الاستراتيجي، لكنها في المقابل خسرت شيئاً لا يمكن فرضه بالقوة: الثقة.
وبعد قرنين من التدخلات، لم تعد المشكلة الأساسية لواشنطن هي قدرتها على التأثير في أمريكا اللاتينية، بل قدرتها على إقناع شعوبها بأن هذا التأثير ليس شكلاً من أشكال الهيمنة. وهنا تكمن المعضلة الحقيقية، فالنفوذ الأمريكي ما زال الأقوى في القارة، لكن صورته لم تعد كذلك. ولهذا، كلما رفعت واشنطن شعار الديمقراطية، عاد التاريخ ليسألها عن غواتيمالا، وكلما تحدثت عن حقوق الإنسان، استحضرت الذاكرة تشيلي والأرجنتين، وكلما أعلنت دفاعها عن السيادة، تذكرت القارة عقوداً طويلة من التدخل في سيادة الآخرين.






اترك تعليقاً