بينما كانت بلاد المسلمين تتلقى هجمات صليبية من الغرب، وأخرى وثنية من الشرق، فضلاً عن التقاتلات والتناحرات الداخلية، كان الإسلام قد فتح طريقاً إلى أفقٍ آخر من خريطة العالم: في أقصى جنوب شرق آسيا، وعلى أرض شبه جزيرة الملايو.. هناك حيث بزغ مجد «سلطنة فطاني».

وعلى هذا الاستقرار، استحدث حكّام «فطاني» نظاماً حكومياً شبه عربي فارسي، يُجهر فيه بأن الإسلام دين الدولة الرسمي، ويُتمسّك فيه برسمية اللغة الملايوية ولغة أهالي البلاد واحتضانها بالحرف العربي (الجاوي).

وفي ظل احتلال البرتغال لسلطنة «ملكا» سنة 917 هـ (1511 م)، استغلت مملكة سيام (تايلاند) الظرفية لتستولي على «فطاني» إلى جانب ولايات أخرى. غير أنها فشلت في فرض سيادتها الكاملة عليها؛ حيث ظلت فطاني بقيادة سلطانها محافظةً على استقلالها الإداري والداخلي.

ولئن كان يُقال إنّ «الاختلاف لا يفسد للود قضية»، فإن تحول سلطنة «فطاني» بعد إسلامها أرق مضجع ملك «سيام»؛ إذ مُحي من الإقليم كل ما يتعلق بالبوذية ليحل محله شعائر الإسلام وأحكامه، فضلاً عن نظرة الفطانيين إلى النظام السِيامي بأنه نظام ظالم وجب التحرر منه.

وفي سنة 1201هـ (1786م)، فرضت سيام سيطرتها العسكرية على «فطاني»، وعمدت بعد ذلك إلى تقسيمها إلى سبع ولايات صغرى، في محاولة خبيثة لإضعاف الصف الداخلي وتفكيك جبهة المقاومة الوطنية.

وفي خضم هذا الصمود، واجه المعتدون تلك الثورات ببطش عسكري عارم؛ فأعادوا تقسيم المنطقة إلى ولايات أصغر وشردوا القادة — وعلى رأسهم الأمير «تنكو دين» الذي ما إن عاد من منفاه حتى تزعم ثورة جديدة إلى جانب أربعة أمراء فطانيين آخرين — لتنتهي الجولة بتجريف المناطق، ونهب الأموال، وهدم الديار، واقتياد أربعين ألف أسير إلى «بانكوك»، وجد بعضهم نفسه غارقاً في ظلمات المعتقلات، بينما سُخر الباقون عبيداً في أراضيهم ومشاريعهم الحكومية.

ولم تتوقف المحاولات عند القمع العسكري؛ بل تطورت السياسة الاستعمارية السيامية لتُجرّد الأمراء المحليين من كافة سلطاتهم، وتجمع الولايات في مجالس إدارية موحدة تابعة لـ«بانكوك» مباشرة. وتتويجاً لهذه المركزية، استُبدل الحكام المحليون بمندوب سيامي سامٍ لإدارة هذه المديرية الجديدة، متخذاً من مدينة «سونغكلا» مقراً لإدارته.

غير أن سيام لم تستطع الاستمرار في كبح المقاومة الفطانية بقوتها الذاتية وحدها؛ إذ كانت تعاني من تهديدات من فرنسا، التي كانت موجودة في شبه جزيرة الهند الصينية شرقي سيام.

وفي سياقٍ متصل، أنهت فرنسا خلافاتها الاستعمارية مع بريطانيا سنة 1322 هـ (1904 م) عبر «الوفاق الودي»، لتُسوَّى بموجبه الحدود رسمياً بين سيام والمستعمرات الفرنسية في الهند الصينية.

وكانت بريطانيا هي الإمبراطورية التي يظن بها الفطانيون خيراً، ويناشدونها لحمايتهم ولضم أراضيهم إلى أراضي إخوانهم في باقي شبه جزيرة الملايو والتحاقهم بهم؛ فقد كانوا يرون أنه من الرحمة أن يكونوا تحت سيطرة النصارى بدلاً من البوذيين، جاهلين حقيقة أن بريطانيا دولة استعمارية لا تمتّ نصرانيتها للنصرانية الحقيقية بصلة؛ بل تودّ وأد الإسلام وأهله، فكانت تضمر لهم الشر، وتكيد لهم السوء، وتشرف على أعمال الإجرام الموجهة إليهم.

وليبدأ بعدها فصلٌ جديد وأشد قسوة في التاريخ الفطاني؛ إذ أبرمت بريطانيا وسيام «المعاهدة الإنجلو-سيامية»، سنة 1327 هـ (10 مارس 1909 م)؛ حيث تنازلت مملكة سيام لبريطانيا عن سيادتها المزعومة على أربع ولايات ملايوية جنوبية هي: (قدح، وبيرليس، وكلنتن، وترغكانو). وفي المقابل، وافقت بريطانيا رسمياً على ضم سيام لسلطنة «فطاني» — بكافة ولاياتها السبع التاريخية — ضماً نهائياً ومطلقاً. وكان أول تغريبٍ قسري يُمارس بحق الإقليم هو محو اسمه التاريخي ليتحول رسمياً إلى «سيام الجنوبية».

وما كانت هذه المعاهدة إلا فتيلاً يُشعل مزيداً من التنكيل السيامي بالفطاني تحت غطاءٍ قانوني؛ إذ أصبحت كل انتفاضةٍ يخوضها الشعب الفطاني تُعامل دولياً على أنها «تمردٌ داخلي ضد دولة ذات سيادة».