لم تعد الضفة الغربية المحتلة تشهد أحداثًا متفرقة من العنف والاستيطان، بل تبدو أمام مسار متصاعد تتداخل فيه عمليات التوسع الاستيطاني، واعتداءات المستوطنين، والاقتحامات العسكرية، والتهجير، في وقت تتراجع فيه المساحات المتاحة أمام الفلسطينيين للحفاظ على وجودهم في أرضهم.
وتكشف التطورات الأخيرة في قرية تل، جنوب غربي نابلس، جانبًا من هذا المشهد. فالحادثة التي بدأت بدخول مستوطنين مسلحين إلى محيط القرية ومحاولتهم مهاجمة منازل فلسطينية، سرعان ما تحولت إلى مواجهة أوسع بعد تدخل القوات الإسرائيلية. وخلال المواجهة، استولى فلسطيني على سلاح إسرائيلي وأطلق النار، ما أدى إلى مقتل إسرائيليين، بينما قُتل أربعة فلسطينيين من عائلة رمضان.
لكن التطورات لم تتوقف عند المواجهة نفسها؛ إذ أعقبها إغلاق للقرية ومداهمات واسعة للمنازل واعتقالات طالت عشرات الفلسطينيين، قبل أن تمتد الاعتداءات إلى مناطق مجاورة، حيث تعرضت منازل ومركبات لهجمات وأُضرمت النيران في مساجد.
وبذلك، أصبحت تل نموذجًا لما يراه منتقدون للسياسات الإسرائيلية نمطًا أوسع في الضفة الغربية: اعتداءات من المستوطنين يتبعها تدخل عسكري إسرائيلي، ثم إجراءات جماعية تطال سكان المنطقة.
الاستيطان يتحول إلى أداة لإعادة رسم الجغرافيا
وبالتوازي مع تصاعد العنف، تتواصل عملية التوسع الاستيطاني في الضفة الغربية.
ففي أغسطس/آب الجاري، أعلنت هيئة الاستعمار ومقاومة الجدار الفلسطينية أن السلطات الإسرائيلية طرحت مناقصة لبناء 627 وحدة سكنية جديدة في مستوطنة كوخاف يعقوب، المقامة في محافظة رام الله والبيرة.
ويقع المشروع على مساحة تبلغ نحو 253.7 دونمًا، أي ما يعادل قرابة 25.4 هكتارًا، في موقع استيطاني بين القدس ورام الله والبيرة.
وتقول الهيئة إن طرح المناقصة يمثل انتقال المشروع من مرحلة التخطيط إلى مرحلة التسويق والتنفيذ، بما يعني أن التوسع لم يعد مجرد قرار على الورق، بل يتجه نحو تجسيد عمراني دائم على الأرض.
ولا يقتصر الأمر على الوحدات السكنية. فوفق المعطيات التي أوردتها الجزيرة عن هيئة الاستعمار ومقاومة الجدار، أصدرت السلطات الإسرائيلية خلال النصف الأول من عام 2026 نحو 12 مناقصة استيطانية شملت 1,138 وحدة سكنية في خمس مستوطنات رئيسية، إلى جانب مشاريع لمناطق صناعية ومكاتب ومرافق سياحية وخدماتية.
وهذا يعكس توجهًا نحو بناء بنية اقتصادية متكاملة للمستوطنات، وليس مجرد زيادة عدد الوحدات السكنية.
تضييق الخناق والتهجير
يتزامن ذلك مع تصاعد عمليات هدم المنازل والقيود المفروضة على البناء الفلسطيني، فضلًا عن اعتداءات المستوطنين.
وبحسب بيانات مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية، ارتفع معدل تهجير الفلسطينيين في عام 2026 إلى متوسط يبلغ 17 شخصًا يوميًا حتى يوليو/تموز، وهو ضعف المتوسط اليومي المسجل خلال السنوات الثلاث السابقة.
كما تشير المعطيات الواردة في المادة إلى أن أكثر من 1,180 فلسطينيًا قتلوا، ونحو 13 ألفًا أصيبوا، وأكثر من 24,600 اعتُقلوا منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023، بينهم مئات النساء ونحو ألفي طفل.
وبصرف النظر عن اختلاف التوصيفات السياسية والقانونية لهذه الأرقام، فإن الاتجاه العام واضح: الضفة الغربية تشهد ضغطًا متزايدًا على السكان الفلسطينيين، بالتزامن مع توسيع المستوطنات وتثبيت وجودها على الأرض.
وتقول الأمم المتحدة إن المستوطنات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية المحتلة لا تتمتع بأي شرعية قانونية وتشكل انتهاكًا للقانون الدولي، فيما خلصت محكمة العدل الدولية في رأيها الاستشاري الصادر عام 2024 إلى أن استمرار الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية غير قانوني.
من الاستيطان إلى مشروع الضم
ولا تبدو هذه التطورات منفصلة عن التحولات السياسية داخل الحكومة الإسرائيلية.
فوزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش لعب دورًا بارزًا في دفع مشاريع الاستيطان وتوسيع الصلاحيات الإسرائيلية المدنية على أجزاء من الأراضي المحتلة، بينما يوفر وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير دعمًا سياسيًا لحركات المستوطنين، إلى جانب مواقفه وتصريحاته المتكررة بشأن المسجد الأقصى.
وفي هذا السياق، لم يعد الصراع يدور فقط حول السيطرة الأمنية على الضفة الغربية، وإنما حول مستقبل الأرض نفسها: هل تبقى الضفة أرضًا محتلة مؤقتًا في التصور السياسي الإسرائيلي، أم تتحول تدريجيًا إلى واقع من الضم الفعلي من خلال المستوطنات والبنية التحتية والطرق والإدارة المدنية؟
وتزداد أهمية هذا السؤال مع اقتراب الانتخابات الإسرائيلية المقررة في 27 أكتوبر/تشرين الأول 2026، إذ يمكن أن تتحول الضفة الغربية والاستيطان إلى ورقة أساسية في المنافسة السياسية الإسرائيلية، خصوصًا داخل اليمين.
الأقصى.. نقطة الاشتعال الأخطر

وإلى جانب الاستيطان والتهجير، يبقى المسجد الأقصى والقدس الشرقية عاملًا شديد الحساسية في إمكانية انتقال التوتر من الضفة إلى مواجهة فلسطينية أوسع.
ففي 23 يوليو/تموز، اقتحم آلاف المستوطنين باحات المسجد الأقصى بحماية الشرطة الإسرائيلية، وشارك بن غفير في الاقتحام، بينما رُفعت الأعلام الإسرائيلية وردد المشاركون النشيد الإسرائيلي، في مشهد أثار انتقادات بشأن الوضع القائم في الموقع المقدس.
وتحمل مثل هذه التطورات أهمية خاصة بالنظر إلى التاريخ الحديث للصراع. فقد ارتبطت اقتحامات الأقصى في السابق بموجات واسعة من الاحتجاج والمواجهة، وكان اقتحام أرييل شارون للموقع في سبتمبر/أيلول 2000 أحد الأحداث التي سبقت اندلاع الانتفاضة الفلسطينية الثانية.
كما ساهمت التوترات المرتبطة بالقدس وحي الشيخ جراح في اندلاع موجة مواجهة فلسطينية واسعة عام 2021.
ولهذا، فإن أي تغيير كبير في الوضع القائم في المسجد الأقصى، أو محاولة فرض واقع جديد فيه، يمكن أن يتجاوز حدود القدس نفسها، ويصبح عاملًا قادرًا على توحيد بؤر التوتر في الضفة وغزة والقدس.
هل تقترب الضفة من نقطة الانفجار؟
من المبكر الجزم بأن الضفة الغربية تتجه حتمًا نحو انتفاضة جديدة، لكن المؤشرات المتراكمة تشير إلى بيئة شديدة القابلية للاشتعال.
فالاستيطان يتوسع، والتهجير يتزايد، واعتداءات المستوطنين تتصاعد، والعمليات العسكرية والاعتقالات مستمرة، بينما يشعر الفلسطينيون بأن المساحة المتاحة أمامهم تتقلص بصورة متواصلة.
وتكشف أحداث تل أن السيطرة العسكرية لا تعني بالضرورة إنهاء المقاومة أو إزالة أسبابها. فكلما توسعت المستوطنات، وتكررت الاعتداءات، وازدادت عمليات الهدم والتهجير، تتراكم عوامل الغضب التي يمكن أن تبحث في لحظة ما عن شرارة تحولها إلى حركة جماعية.
وقد لا تكون الشرارة المقبلة حدثًا عسكريًا كبيرًا؛ ربما تبدأ من قرية تواجه اعتداءً استيطانيًا، أو مخيم يرفض اقتحامًا جديدًا، أو محاولة للاستيلاء على أرض فلسطينية، أو تطور في المسجد الأقصى.
وهنا تكمن خطورة اللحظة الحالية. فالمسألة لم تعد مرتبطة فقط بما يحدث في حادثة واحدة أو مستوطنة واحدة، وإنما بعملية تراكمية تعيد تشكيل الواقع في الضفة الغربية يومًا بعد يوم.
إن استمرار الاستيطان والتهجير والعنف، مع غياب مسار سياسي يضمن للفلسطينيين حقوقهم الأساسية ويحميهم من الاعتداءات، قد يجعل السؤال في المرحلة المقبلة ليس هل ستنفجر الضفة الغربية؟، وإنما: متى ستكون الشرارة، وأين ستبدأ، وإلى أي مدى يمكن أن تمتد؟






اترك تعليقاً