«الشرق الجديد».. القوات الإسرائيلية تحصّن احتلال الجولان وتوسّع حضورها داخل سوريا

2285122361

لا تكتفي قوات الاحتلال الإسرائيلي بتثبيت وجودها العسكري في الجولان السوري المحتل، بل تعمل على تحويله إلى واقع أكثر رسوخًا عبر مشروع تحصينات واسع يقترب من الاكتمال، بالتوازي مع توغلات متكررة داخل الأراضي السورية جنوبًا.

وفي هذا الاتجاه، أعلن الجيش الإسرائيلي إنجاز نحو 80% من أعمال الحفر في مشروع عسكري يحمل اسم «الشرق الجديد» (Mizrah Hadash)، ويهدف إلى إقامة منظومة من الخنادق والسواتر الترابية على امتداد خط التماس مع سوريا.

خنادق على حدود الجولان

يمتد المشروع من محيط بلدة مجدل شمس شمال الجولان المحتل باتجاه الجنوب، وصولًا إلى المنطقة القريبة من نقطة التقاء الجولان المحتل مع الحدود الأردنية.

وتتكون التحصينات من خنادق مضادة للمركبات يصل عمقها وعرضها إلى نحو أربعة أمتار، إلى جانب سواتر ترابية، وتقول تل أبيب إن الغرض منها منع أو إبطاء أي محاولة للتسلل بواسطة المركبات والدراجات النارية، وإتاحة وقت إضافي لقواتها للتعامل مع أي توغل محتمل.

لكن توقيت المشروع وموقعه يكتسبان أهمية أكبر من وظيفته العسكرية المباشرة؛ إذ يأتي في ظل توسع النشاط الإسرائيلي داخل جنوب سوريا، بما يشمل إقامة مواقع عسكرية وتنفيذ عمليات توغل وشن غارات.

تحصين الاحتلال بعد التوسع العسكري

أعلن الاحتلال الإسرائيلي مشروع «الشرق الجديد» للمرة الأولى في أواخر عام 2024، في أعقاب التحولات التي شهدتها سوريا، ومنذ ذلك الوقت اتسع نطاق تحرك القوات الإسرائيلية جنوب البلاد.

وتشير التقارير إلى أن القوات الإسرائيلية تجاوزت في عملياتها مناطق الجولان المحتل، ودخلت إلى المنطقة منزوعة السلاح وما وراءها، مع تنفيذ عمليات داخل محافظتي القنيطرة ودرعا وإقامة نقاط تفتيش ومواقع عسكرية.

وبذلك، يبدو أن التحصينات الجديدة لا تأتي بمعزل عن هذا المسار، بل تمثل جزءًا من ترتيبات أمنية وعسكرية أوسع تسعى تل أبيب من خلالها إلى إنشاء منطقة عازلة أكثر عمقًا، وتقليل احتمالات وصول أي تهديد إلى مواقعها في الجولان.

الأمم المتحدة: انتهاك لاتفاق 1974

هذه الإجراءات أثارت انتقادات دولية، خصوصًا أن جزءًا من أعمال الحفر والسواتر وقع في محيط المنطقة التي تراقبها قوة الأمم المتحدة لمراقبة فض الاشتباك (UNDOF).

وكانت الأمم المتحدة قد أشارت في نوفمبر/تشرين الثاني 2024 إلى أعمال هندسية إسرائيلية شملت خنادق وسواتر في المنطقة العازلة، معتبرة أنها تتعارض مع اتفاق فض الاشتباك الموقع عام 1974 بين سوريا وما يسمى “إسرائيل”.

وفي يوليو/تموز الماضي، وصف الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش الوضع المرتبط بالجولان بأنه «غير مقبول إطلاقًا»، مجددًا التأكيد على أن الجولان أرض سورية، وداعيًا إلى وقف الانتهاكات الإسرائيلية.

من الأمن إلى ترسيخ الوجود

لا تتوقف المسألة عند التحصينات العسكرية. فبالتوازي مع توسيع الانتشار العسكري، تعمل قوات الاحتلال الإسرائيلي على تعزيز وجودها المدني والاستيطاني في الجولان المحتل.

ففي أبريل/نيسان، وافقت الحكومة الإسرائيلية على خطة تقدر قيمتها بنحو 334 مليون دولار لتوسيع مستوطنة كتسرين وجذب آلاف العائلات الإسرائيلية الجديدة إلى المنطقة.

وتنظر منظمات حقوقية إلى هذه الخطوة باعتبارها مؤشرًا على توجه يتجاوز السيطرة العسكرية المؤقتة نحو ترسيخ وجود مدني إسرائيلي دائم في الأراضي المحتلة.

وقالت هيومن رايتس ووتش إن الخطة تعكس نية لنقل مدنيين إسرائيليين إلى أرض محتلة، وهو أمر محظور بموجب القانون الدولي الإنساني، وقد يرقى في ظروف معينة إلى جريمة حرب.

كما حذرت منظمة العفو الدولية من عمليات هدم للمنازل في محافظة القنيطرة منذ ديسمبر/كانون الأول 2024، معتبرة أن تدمير الممتلكات المدنية، عندما لا تفرضه ضرورة عسكرية مطلقة، يجب أن يخضع للتحقيق باعتباره انتهاكًا خطيرًا للقانون الدولي.

الجولان.. احتلال يتحول إلى واقع دائم؟

تحتل ما يسمى “إسرائيل” الجولان السوري منذ حرب عام 1967، وأعلنت ضمه رسميًا عام 1981، لكن مجلس الأمن الدولي رفض هذه الخطوة واعتبرها باطلة ولا أثر قانونيًا لها. ولا يزال المجتمع الدولي يتعامل مع الجولان باعتباره أرضًا سورية محتلة.

وفي هذا السياق، فإن مشروع «الشرق الجديد» يكتسب دلالة تتجاوز كونه خندقًا أو حاجزًا أمنيًا.

فـ”إسرائيل” تعمل في الوقت نفسه على تحصين الحدود، وتوسيع انتشارها العسكري داخل جنوب سوريا، وتوسيع المستوطنات في الجولان؛ وهي خطوات قد تؤدي مجتمعة إلى تغيير طبيعة المنطقة وفرض وقائع جديدة على الأرض.

وبينما تقول تل أبيب إن تحركاتها مرتبطة بأمنها ومنع التهديدات القادمة من سوريا، ترى دمشق أن هذه العمليات تمثل انتهاكًا لسيادتها وسلامة أراضيها، في حين تحذر منظمات حقوقية من أن التوسع العسكري والاستيطاني يتجاوز الإجراءات الأمنية المؤقتة.

تحصينات اليوم.. حدود جديدة غدًا؟

اقتراب مشروع «الشرق الجديد» من الاكتمال يكشف عن مسار إسرائيلي يتجاوز حماية الحدود بالمعنى التقليدي، نحو إعادة تشكيل البيئة الأمنية والجغرافية المحيطة بالجولان المحتل.

فالخنادق والسواتر قد تمنع المركبات من العبور، لكنها في الوقت نفسه ترسم واقعًا ماديًا جديدًا على الأرض. ومع استمرار التوغلات داخل سوريا وتوسيع المستوطنات في الجولان، يصبح السؤال الأهم ليس فقط: كيف تحمي “إسرائيل” مواقعها؟ بل: إلى أي مدى تسعى إلى توسيع وترسيخ سيطرتها على الأراضي السورية؟

وفي ظل غياب تسوية سياسية تعيد الجولان إلى سوريا، قد تتحول هذه الإجراءات من تدابير تقدمها “إسرائيل” باعتبارها أمنية إلى بنية دائمة تعزز واقع الاحتلال وتعمّق التغيير المفروض على الأرض.

Comments

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *