تنويه:
تم نشر هذا المقال اليوم ، في موقع Antiwar.com، وهو موقع أمريكي يركز على قضايا الحروب والسياسة الخارجية والتدخلات العسكرية، و فيه قدم الكاتب ريتشارد إيدين قراءة شديدة النقد للعلاقات الأمنية والعسكرية التي يقول إنها نشأت بصورة سرية بين “إسرائيل” والولايات المتحدة وعدد من الدول العربية، مستندًا بصورة أساسية إلى وثائق قال إنها كُشفت ضمن تسريب حصلت عليه صحيفة واشنطن بوست والاتحاد الدولي للصحفيين الاستقصائيين.
«التفصيل الذي لفت انتباهي»
منذ بداية العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة، أصدرت الدول العربية سلسلة متواصلة من الإدانات، ووصفت ما يجري بأنه إبادة جماعية وفصل عنصري وتطهير عرقي، في الوقت الذي كانت فيه تعمل، بعيدًا عن الأضواء، على تعميق علاقاتها العسكرية مع الدولة نفسها التي تنفذ هذا العدوان، لكن هذا التكتم لم يكن كافيًا لحمايتها.
هذا ما خلص إليه تسريب حصلت عليه صحيفة «واشنطن بوست» والاتحاد الدولي للصحفيين الاستقصائيين، ونُشر في أكتوبر 2025، أي قبل أشهر من اندلاع الحرب الأمريكية “الإسرائيلية” على إيران.
ويتضمن التسريب خمسة عروض تقديمية أعدتها القيادة المركزية الأمريكية «سنتكوم»، توثق وجود كيان أُطلق عليه اسم «الشبكة الأمنية الإقليمية»، وهي شبكة سرية تعمل منذ عام 2022، وتربط إسرائيل بست دول عربية هي: البحرين، ومصر، والأردن، والسعودية، وقطر، والإمارات العربية المتحدة، فيما بقيت الكويت وعُمان مدرجتين باعتبارهما «شريكين محتملين».
وقد أدانت كل واحدة من هذه الحكومات، في مرحلة ما خلال السنوات الثلاث الماضية، ما وصفته بالإبادة الجماعية في غزة. وفي الوقت ذاته، ساهمت جميعها في استمرار عمل الآلة العسكرية الإسرائيلية.
إنها خيانة مروعة
كانت الإدانات التي صدرت في الأمم المتحدة خلال سبتمبر 2025 قوية، فقد وصف أمير قطر ما يحدث بأنه إبادة جماعية، بينما قال السعوديون إنه مجاعة وتطهير عرقي، ووافقت مصر والأردن على ذلك. والآن، انظروا إلى ما كانت تفعله تلك الدول نفسها سرًا.
في مايو 2024، اجتمع مسؤولون عسكريون عرب و”إسرائيليون” رفيعو المستوى للتنسيق في قاعدة العديد الجوية، وهي منشأة أمريكية تقع داخل قطر.
ولأن السفر بالطريقة المعتادة، عبر مطار الدوحة وإجراءات جوازات السفر والتفتيش الدبلوماسي، كان سيترك أثرًا ورقيًا، تجاوز المسؤولون “الإسرائيليون” الإجراءات الرسمية وسافروا مباشرة إلى القاعدة.
وتضمنت وثيقة التخطيط الداخلية للاجتماع قسمًا بعنوان «ممنوع منعًا باتًا»، يحظر بشكل قاطع التقاط الصور أو إجراء أي تواصل مع وسائل الإعلام.
وتحت جدول الأعمال، ذكّرت ملاحظة للموظفين بضرورة مراعاة القيود الغذائية المفروضة على المندوبين المسلمين واليهود، وجاء فيها: «ممنوع لحم الخنزير/القشريات».
كان لا يزال على أحدهم أن يتولى تدبير الطعام لهذا التحالف العسكري الغامض.
ويستشهد الكاتب بقول كوكتو إن المرايا هي الأبواب التي يدخل منها الموت ويخرج، وفي هذه الحالة، كانت مذكرة الطعام هي الباب.
السرية لم تكن إجراءً جانبيًا
الحكومات تكذب، وهذا أمر مفهوم للجميع، لكن هذه الوثائق تتناول ما هو أبعد من ذلك بكثير.
فالشرائح تشير بوضوح إلى أن هذه الشراكة «لا تشكل تحالفًا جديدًا»، وأن الاجتماعات «ستُعقد بسرية تامة».
وبذلك، لم يكن التكتم مجرد نتيجة جانبية لهذه الترتيبات، وإنما كان جزءًا من الخطة نفسها، وبالطبع تصرف الجميع على هذا الأساس.
وبينما كان الفلسطينيون في غزة يتعرضون للقصف، كان رجال حكوماتهم، الذين زعموا تمثيل فلسطين، ينسقون الدفاعات الجوية الإقليمية مع مسؤولين عسكريين “إسرائيليين” في مبنى مجاور، ويناقشون تغطية الرادار في مواجهة إيران خلال غداء عمل، في الوقت الذي كانت فيه الإبادة الجماعية مستمرة على مقربة منهم.
وبحلول عام 2024، كانت القيادة المركزية الأمريكية قد ربطت معظم الشركاء السبعة، أي الحكومات العربية الست إلى جانب “إسرائيل”، في منظومة مشتركة للرادار والدفاع الجوي، تركز على الصواريخ والطائرات المسيّرة الإيرانية.
اجتماع استخباراتي يضم السعودية والولايات المتحدة
ومن التفاصيل اللافتة للنظر في الشرائح اجتماع عُقد عام 2025، قدم خلاله ممثل سعودي ومسؤول استخباراتي أمريكي بصورة مشتركة «نظرة عامة استخباراتية» حول سوريا والحوثيين في اليمن وتنظيم الدولة الإسلامية، وكان أحد مقدمي الإحاطة يمثل مملكة لا تربطها علاقات دبلوماسية رسمية مع إسرائيل.
لكن كل هذه الترتيبات المحكمة فشلت فشلًا ذريعًا عندما استُهدفت الدوحة في 9 سبتمبر 2025 في عملية اغتيال مفاجئة استهدفت مسؤولين من حركة حماس.
فلم يُجدِ نظام الدفاع الجوي المعقد الذي أمضت الشبكة العربية “الإسرائيلية” ثلاث سنوات في بنائه.
كان الرادار الأمريكي موجهًا في الاتجاه الخاطئ، لأن الهجوم لم ينطلق من إيران، وإنما من إسرائيل، كما أخطأت أنظمة الدفاع الجوي القطرية المنفصلة الهدف أيضًا.
وبحسب التقارير، مارست إدارة ترامب ضغوطًا على رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الذي اعتذر بعد ثلاثة أسابيع.
الضربة الإيرانية تستهدف الشبكة مباشرة
ولم يقتصر فشل الشبكة على الدوحة، ففي 28 فبراير 2026، وهو اليوم الذي شنت فيه الولايات المتحدة وإسرائيل حربهما على إيران باغتيال مرشدها الأعلى، استهدف الرد الإيراني الشبكة بصورة مباشرة.
فقد قصفت صواريخ باليستية وطائرات مسيّرة مقر الأسطول الخامس الأمريكي في البحرين، بينما دمرت ضربات متزامنة رادار الدفاع الصاروخي «ثاد» في قاعدة موفق سلطي الجوية بالأردن، ورادارًا من نوع المصفوفة المرحلية في قطر.
كما وردت تقارير عن أضرار واسعة النطاق في الإمارات والكويت والمملكة العربية السعودية، وبعد توقف وجيز، استؤنفت الأعمال العدائية في أوائل يوليو.
وفي 23 يوليو، أعلن الجيش الإيراني تدمير رادار ثانٍ ونظام «باتريوت» في قاعدة أمريكية أخرى قرب الأزرق في الأردن.
وقد تعرضت جميع الدول الشريكة المذكورة في وثائق القيادة المركزية الأمريكية، باستثناء مصر، لضربات أو تعطيل أو تدمير راداراتها.
عودة إيران إلى قاعدة موفق السلطي
في 29 يوليو، عادت إيران إلى قاعدة موفق السلطي، وهي القاعدة الأمريكية الأردنية نفسها التي كانت قد هاجمتها في وقت سابق من فبراير ، وأطلقت صواريخ باليستية في ما وصفته القيادة المركزية الأمريكية بأنه «هجوم مفاجئ».
ولم توضح القيادة المركزية الأمريكية ما إذا كان هذا الهجوم قد وقع قبل أو بعد الغارات التي شنتها الولايات المتحدة والسعودية على الميليشيات المدعومة من إيران في العراق صباح اليوم نفسه.
وكان رد ترامب، كعادته، متحفظًا: «سنسحقهم سحقًا».
ضربات جديدة لم تُنفذ.. والذخائر الأمريكية تتراجع
كان قد جرى التلميح إلى شن ضربات جديدة خلال عطلة نهاية الأسبوع الأولى من أغسطس، لكنها لم تُنفذ.
ووفقًا لتقارير ظهرت خلال فترة التوقف، فقد استُنزفت مخزونات الذخائر الأمريكية، الدفاعية والهجومية على حد سواء، بدرجة كبيرة منذ بدء حربها على إيران في فبراير.
إن الشبكة السرية التي بنتها هذه الدول العربية بالتعاون مع إسرائيل والولايات المتحدة لحماية الخليج أصبحت في حالة يُرثى لها، أما القوة المهيمنة عالميًا التي بنتها معها، فتعاني من نقص حاد في الذخيرة.
ينهار النظام تحت وطأة التهديد الذي بُني من أجل إيقافه.
لماذا كل هذا التكتم؟
يحدد إميل هوكايم، من المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية، الإجابة؛ إذ يرى أن السرية سمحت لجميع الأطراف المعنية بتجنب المواجهة السياسية الحادة.
فالعمل سرًا مع جنرالات “إسرائيل” أسهل من الظهور بمظهر المتعاونين المباشرين معها.
لكنه قال إن هذه الشبكة تخفي مدى عمق انعدام الثقة بين هذه الدول وإسرائيل، وهو انعدام الثقة الذي كشفته الضربة القطرية.
وأضاف: «قام أحد الأعضاء الرئيسيين في المجهود الأمريكي بمهاجمة عضو آخر، في حين يُنظر إلى أمريكا على أنها متواطئة أو عمياء».
الإعلام يركز على «الإحراج».. والوثائق تكشف ما هو أبعد
ركزت التغطية الإعلامية السائدة في الغالب على القضية باعتبارها مجرد مصدر للإحراج، حيث انكشف نفاق القادة العرب، وكأن شيئًا لم يكن.
إلا أن الوثائق، وفقًا للنص، لا تتناول الأمر بهذه الصورة فحسب، بل تكشف شيئًا أعمق بكثير، كما أنها تتيح للحكومات المعنية قدرًا كبيرًا من المساحة للإفلات من المساءلة.
فالأنظمة نفسها التي طبّعت علاقاتها مع إسرائيل اختزلت القضية الفلسطينية إلى مجرد كلام، وتُظهر وثائق القيادة المركزية الأمريكية «CENTCOM» مدى اتساع هذا التخلي، كما أوضحت صحيفة «الانتفاضة الإلكترونية».
ولا يقتصر الأمر على مجرد لقاءات عابرة بين القادة ونظرائهم “الإسرائيليين” على هامش مؤتمر ما.
فهذه الشبكة، التي أنشأتها الولايات المتحدة قبل ثلاث سنوات، تمتلك جهازها البيروقراطي الخاص، بما يشمل مركزًا إلكترونيًا، وشبكة مراسلة مشفرة، ومخططين لعمليات المعلومات، وحتى تعليمات غذائية خاصة وقائمة «ممنوعات».
وكل ذلك بُني لإخفاء تحالف جعلته الإبادة الجماعية “الإسرائيلية” في غزة خطرًا سياسيًا جسيمًا.
الفلسطينيون ليسوا عاملًا عابرًا
الفلسطينيون ليسوا عاملًا عابرًا في هذه القضية، بل هم السبب وراء كل هذا التكتم.
إن الإبادة الجماعية في غزة جزء لا يتجزأ من هذا الوضع، إذ اختارت كل حكومة ورد اسمها في هذه الوثائق، عن وعي تام، استمرارها.





اترك تعليقاً