الروهينجا عالقون بين المجلس العسكري في ميانمار وجيش أراكان البوذي

thumbs b c 9a83f8c049af9bf329b92041c5a48ff0.jpg

بعد عقود من القمع والاضطهاد وحملات الإبادة العرقية، لا يزال المسلمون الروهينجا في ميانمار عالقين إلى اليوم بين نار المجلس العسكري الحاقد في البلاد ونار جيش أراكان البوذي المتمرد، وفقا لتصريحات نشطاء من أراكان.

ووصفت الأمم المتحدة وغيرها من منظمات حقوق الإنسان الدولية العنف ضد الروهينجا في البلاد بأنه “تطهير عرقي” أو “إبادة جماعية”، قائلة إن الجماعة المسلمة هي “الأقلية الأكثر اضطهادا في العالم”.

وتحدث النشاطان من أراكان، محمد رفيق وناي سان لوين، مع وكالة الأناضول الصحفية حول انتهاكات الحقوق التي يواجهها مسلمو الروهينجا منذ الانقلاب العسكري في رجب 1442هـ (فبراير2021م).

انتهاكات حقوق الإنسان

وقال محمد رفيق إن ما حدث للمجتمع الأراكاني ليس جديدا، مؤكدا: “بالإضافة إلى انتهاكات حقوق الإنسان، تم تنفيذ العديد من الحملات العسكرية للقضاء على المسلمين الأراكانيين والتعامل معهم كعديمي الجنسية في بلدهم وفي البلدان المجاورة التي لجأوا إليها”. وقال إن “وصفهم بأنهم “الأكثر اضطهادا” لا يحل المشاكل”، مضيفا: “لقد فشلت الأمم المتحدة في قضية المجتمع الأراكاني”. وشدد على أنه “باستثناء عدد قليل من “المخاوف” التي وصلت إلى آذان صماء من الظالمين في ميانمار، لم تتحقق العدالة لهذا المجتمع”.

وقال: “في عام 1398هـ (1978م)، تم ترحيل حوالي 300،000 من مسلمي الروهينجا إلى بنغلاديش من خلال عملية “دراغون كينغ”  Dragon King (Nagamin)    

وقال: “في عام 1402هـ (1982م)، صدر قانون الجنسية وسحبت جنسية مسلمي الروهينجا بين عشية وضحاها”.

وشدد على أن “الروهينجا المحرومين من الحقوق الأساسية مثل الخدمات الصحية والتعليم والحق في الملكية، تركوا أيضا عرضة للتعذيب والمضايقات”. وأضاف: “أجبر الجنرال ثان شوي بالمثل أكثر من 200 ألف من الروهينجا، بمن فيهم أنا وعائلتي، على مغادرة البلاد مع عملية ما يسمى “الأمة النظيفة والجميلة” في الفترة 1411 – 1412هـ (1991-1992م)”.

وشدد محمد رفيق على أن الرئيس “ثين سين”، الذي خدم من عام  1432 إلى عام  1437هـ (2011 إلى عام 2016م) بعد انتخابات أجراها الجيش، قام أيضا بتهجير 120 ألف مسلم من الروهينجا من خلال “سياسات منهجية”.

ويعيش حوالي 100,000 منهم في مخيمات النازحين داخليا. وهذه الحقوق للمسلمين الأراكانيين، الذين كان لهم الحق في التصويت والانتخاب من الاستقلال في عام 1367هـ (1948م) حتى عام 1436هـ (2015م)، سلبت تماما”. وقال أيضا: “بين عامي 1437 و1438هـ (2016 و2017م)، تم تنفيذ حملتين كبيرتين أخريين للإبادة الجماعية”.

وبسبب هاتين الحملتين، نزح 75% من سكان أراكان (ولاية راخين) وأصبحوا طالبي لجوء في بنغلاديش”.

ثم انتقل بالقصة إلى يومنا هذا، فقال: “في نوفمبر 2022م (ربيع الثاني 1444هـ) أعلن الجيش أن القرى الأراكانية فارغة وهي ملك لقوات الحدود. وبهذا فإن الروهينجا، الذين كانوا ذات يوم مواطنين متساوين في ميانمار، محرومون الآن من الجنسية ومنازلهم وحقوق الإنسان الأساسية”.

وأشار محمد رفيق إلى أن مسلمي الروهينجا ما زالوا “الجالية المسلمة الأكبر والوحيدة” التي جردت من الجنسية في ميانمار، وأضاف: “إحدى سياسات الحكومات المتعاقبة منذ عام 1382هـ (1962م) هي رفض منح الجنسية لمسلمي الروهينجا”.”ويتمتع مسلمون آخرون يعيشون في أجزاء مختلفة من ميانمار بالمواطنة وحقوق الإنسان الأساسية. كما يتم استهدافهم بسبب حملات الكراهية التي نشرها الرهبان البوذيون المتطرفون في أوائل عام 1421هـ (2000م) ولكن لم يتم سحب جنسيتهم أبدا”.

ويبدو أن التركيز على الروهينجا يرجع لاجتماعهم بشكل مجتمع متحد يمكنه أن يطالب بحكم ذاتي أو يشكل وحدة أقوى للمسلمين في ميانمار.

خاصة وأن تاريخ أراكان عرف حكما إسلاميا قويا، حيث اشتهرت مملكة أراكان الإسلامية كدولة راسخة مستقلة لأكثر من ثلاثة قرون ونصف القرن، منذ عام (833هـ حتى عام 1199هـ) (1430م حتى عام 1785م) عرفت خلالها عدة حكام ملوك مسلمين، تقدرهم بعض البحوث بـ 48 ملكًا مسلمًا حكموها على التوالي، وبقي من آثار هذه الحقبة عملات معدنية كتب عليها كلمة لا إله إلا الله، وآثارًا إسلامية من مساجد ومدارس عريقة. وقد تحدثت عن تاريخ الإسلام في هذه المنطقة في مقالة: “المسلمون الروهينجا: تاريخ مثقل بالمجازر وحاضر يتكرر فيه الخذلان“.

مطرقة نظام المجلس العسكري وسندان جيش أراكان البوذي المتمرد

خلال الاشتباكات بين جيش أراكان البوذي والقوات الحكومية، أصبحت قرى أراكان في ولاية راخين ساحات معارك. وأضاف أنه تم إفراغ معظم قرى مسلمي الروهينجا، كما أجبر أولئك الذين ما زالوا يعيشون في القرى التي أصبحت الآن ساحات معارك على الفرار.

وقال محمد رفيق إن “جيش أراكان، وهو جماعة بوذية متشددة، يسيطر حاليا على معظم ولاية أراكان وكثيرا ما يشتبك مع جيش ميانمار”. “لقد ارتكب الجيش فظائع ضد المسلمين في المنطقة منذ إنشائه في عام 1430هـ (2009م)”. وشدد على أن “مسلمي الروهينجا يضطرون إلى الفرار من قراهم ومنازلهم لإنقاذ أحبائهم في الحرب بين جيش ميانمار والجيش البوذي”.

وشدد الناشط على أن جيش أراكان “استولى بسرعة على المقاطعة وأعلن عن مجلسه التشريعي والقضائي وإدارته”، مضيفا: “بدأ جيش أراكان في جمع الضرائب من مسلمي أراكان، الذين اضطروا أيضا إلى دفع الضرائب للحكومة التي يسيطر عليها الجيش. هناك الآن ازدواج ضريبي للمجتمع الأراكاني”.

استمرار القمع والاضطهاد

من جانبه، قال ناي سان لوين أيضا إن نظام المجلس العسكري في ميانمار يستهين بأحكام محكمة العدل الدولية في لاهاي. وأضاف “بعد هذا القرار، توقفت الحكومة عن معاقبة مسلمي الروهينجا الذين هربوا، لكن المجلس العسكري بدأ في الحكم على هؤلاء المسلمين بعد الانقلاب العسكري”، مضيفا أن أحكام السجن التي بدأت بستة أشهر زادت أولا إلى عامين ثم إلى خمسة. وانتقد قائلا: “لذلك، أصبح تأثير الانقلاب العسكري أكثر اضطهادا ضد الأراكانيين”.”ارتكب الجيش جريمة تنفيذ إبادة جماعية وهدف إلى تدمير جميع مسلمي الروهينجا”. وقال “الآن يتحدثون عن إعادتهم إلى البلاد لكن الجيش خلق بيئة غير آمنة بالفعل”.

في 1 فبراير 2021م (19 جمادى الآخرة 1442هـ)، أطيح بحكومة “أونغ سان سو تشي” في انقلاب عسكري بعد فوز حزبها الرابطة الوطنية من أجل الديمقراطية في الانتخابات الوطنية في نوفمبر الماضي. وقوبل الانقلاب باضطرابات مدنية واسعة النطاق، حيث ندد الناس بإقالتها وحكمها العسكري. وقمع المجلس العسكري الاحتجاجات بعنف، مع تحذير الأمم المتحدة من أن البلاد قد انزلقت إلى حرب أهلية.

ومنذ ذلك الحين، قتلت قوات المجلس العسكري أكثر من 1500 شخص في حملة على المعارضة، وفقا لجمعية مساعدة السجناء السياسيين، وهي مجموعة مراقبة محلية.

جيش أراكان البوذي

Capture 1 1
عناصر من جيش أراكان البوذي في مقرهم بولاية كاشين عام 1441هـ (2019م)

يعرف ختصارا بـ (AA) وهو منظمة بوذية مسلحة مقرها في ولاية راخين (أراكان). تأسست في 14 ربيع الثاني 1430هـ (10 أبريل 2009م)، وهي الجناح العسكري لرابطة أراكان المتحدة، ويقودها حاليا القائد العام اللواء “توان مراد ناينغ” ونائب القائد العميد “نيو توان أونغ”[1].

ويطالب جيش أراكان بالاستقلال بحكم ذاتي لمنطقة أراكان. وأعلن عن ذلك القائد العام لجيش أراكان في مقابلة مع أراخا ميديا أجريت في 2 محرم 1443هـ (أغسطس 2021م)، أن الهدف السياسي لثورته المسلحة هو استعادة سيادة أراكان، ولم تكن هناك مساومة في محاولة لاستعادة السيادة المفقودة ولن يكون هناك في المستقبل أيضا.[2]

في 9 محرم 1438هـ (في أكتوبر 2016م) أصدر جيش أراكان بيانا صحفيا، وصف فيه “جيش إنقاذ روهينجا أراكان” وهو منظمة إسلامية تأسست من المسلمين الروهينجا لحمايتهم من حملات الإبادة العرقية، بأنهم “إرهابيون مسلمون بنغاليون متوحشون” وأن العنف “هياج للمتشددين الأصوليين الإسلاميين البنغاليين في شمال أراكان”.[3]

ورغم تصنيف جيش أراكان بأنه منظمة إرهابية إلا أنه بعد انقلاب ميانمار عام 1443هـ (2021م) سحب كل من المجلس العسكري والحكومة في المنفى تصنيفها للإدارة الذاتية  للجيش كجماعة إرهابية[4].   

 لقد كان البوذيون في ولاية راخين سعداء بطرد الروهينجا المسلمين لكونهم العرقية الأكثر منافسة لهم في النفوذ في المنطقة. واليوم فقد أصبح معظم الروهينجا المسلمين محتجزون في مخيمات في بنغلاديش. وخسرت لاية راخين 80٪ من سكانها المسلمين.

وهو ما شجع البوذيين على إقامة دولة مستقلة لهم. ويرى المراقبون الآن أن جيش ميانيمار يدفع ثمن خطأ استراتيجي بنفي وطرد الروهينجا من الولاية. حيث تسبب ذلك في إشعال طموح الانفصال البوذي عن ميانمار .

وقام جيش أراكان حاليا بقطع جميع الطرق الثلاثة التي تربط ولاية راخين ببقية ميانمار ويجلب الجيش الخدمات اللوجستية عن طريق البحر. .

ويملك هذا الجيش تكتيكات حرب العصابات الجبلية ولديه أيضا طائرات بدون طيار متقدمة. وتقول التقارير أن المجلس العسكري في ميانمار خسر ما يقرب من 37 موقعا متقدما في راخين لصالح الإدارة الذاتية لجيش أراكان.

ولكونهم يحظون بدعم أغلب البوذيين قي راخين أصبحت لديهم ثقة كبيرة جدا بدرجة تأثيرهم حتى أنهم حثوا بنغلاديش على التحدث معهم لحل أزمة الروهينجا.

وتعتقد الإدارة الذاتية لجيش أراكان أنه إذا طال أمد ميزتها التكتيكية، فإن جيش ميانمار سيضطر إلى التراجع وسيدعمها المجتمع الدولي انطلاقا من مصالحها الخاصة، كما فعلت في حالة طالبان في أفغانستان.

ومن الواضح أن طرد الروهينجا أفاد جيش أراكان. فلو كان الروهينجا في إقليم راخين، لما وجد جيش أراكان هذا الحقل فارغا. علاوة على ذلك، لو كان الروهينجا يحملون الجنسية، فإن نسبة الراخين مقارنة مع الروهينجا في مقاطعة راخين اليوم ستكون حوالي 60% للراخين و40% للروهينجا، ونتيجة لذلك، لن يكون بإمكان البوذيين، الذين لا يشكلون سوى نصف السكان، المطالبة بدولة مستقلة على أساس هويتهم العرقية.

وإذا حدث هذا فإن هذا سيشجع العديد من الجماعات المتمردة في هذه البلدان على الحلم بالاستقلال والانفصال. والواقع أن المنطقة برمتها ستكون غير مستقرة.[5]

الإعلان عن هدنة

أعلن الجيش الميانيماري وجيش أراكان البوذي وقف إطلاق النار يوم أمس الاثنين 4 جمادى الأولى 1444هـ (28 نوفمبر 2022م)، بعد أربعة أشهر من القتال العنيف في غرب ميانمار، على الرغم من عدم وجود خطط فورية لانسحاب القوات أو تغييرات في السياسة على الأرض، حسبما ذكرت مصادر رسمية.

وقد أكد جيش أراكان على أنه لن ينسحب من تحصيناته الحالية ولن يجر أي تغييرات على موقفه السياسي سعيا لاستقلال شعب أراكان.

وقالت مصادر لإذاعة آسيا الحرة إنه منذ استئناف القتال بين جيش أراكان والجيش في 18 يوليو/تموز بعد هدوء دام عامين، أغلقت قوات المجلس العسكري طرق النقل البري والمائي، فضلا عن الاتصالات، إلى 11 بلدة على الأقل في ولاية راخين الشمالية. وقالوا إن الانسداد أدى إلى نقص في الغذاء والدواء والحصول على الرعاية الصحية لأكثر من 2 مليون من السكان المحليين.

ووصف “فيه ثان”، وهو سياسي مخضرم وعضو سابق في البرلمان في ولاية راخين، وقف إطلاق النار الجديد بأنه هش، مشيرا إلى ما قال إنه سابقة للجيش في التراجع عن اتفاقياته. وقال:”إذا أوفى الجيش بالوعد الذي قطعه للتو، فقد يؤدي ذلك إلى وقف إطلاق النار لفترة طويلة. لكن إذا لم يكونوا على قدر كلمتهم، فستضيع الثقة وسنسمع إطلاق نار مرة أخرى”.

ولم يعلن الطرفان عن إطار زمني لوقف إطلاق النار.

ووفقا للإحصاءات التي جمعتها إذاعة آسيا الحرة بشكل مستقل، قتل ما لا يقل عن 45 مدنيا وأصيب أكثر من 100 آخرين بقذائف المدفعية والقنابل وغيرها من المتفجرات العسكرية في ولاية راخين وبلدة باليتوا منذ استئناف القتال.

ولا يزال الروهينجا يدفعون ثمن الاقتتال بين القوات الميانمارية وجيش أراكان البوذي إلى أجل غير مسمى.


[1] https://web.archive.org/web/20161103125451/http://thearakanarmy.com/?page_id=4

[2] https://www.irrawaddy.com/opinion/guest-column/visions-of-a-federal-future-for-myanmar-are-fading-fast.html

[3] https://asiatimes.com/article/shadowy-rebels-extend-myanmars-wars/

[4] https://www.irrawaddy.com/news/burma/myanmar-military-regime-removes-arakan-army-list-terrorist-groups.html

[5] https://www.tbsnews.net/thoughts/myanmar-juntas-miscalculations-rakhine-541490

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

طالع أيضا