الرد على من يزهد بالتجربة الراشدة بدعوى عدم إمكان الوصول إلى مستواهم

50f56974c4c9aecb2a06282479394057

‏ممّا نكبت به هذه الأمة على مستوى الأفكار: الزُّهد بالتجربة الراشدة بسبب شيوع مقولات ردّدها بعض الكتّاب والباحثين وهي خالية من أي منطق شرعي فضلا عن منطق عقلي سليم.

يقولون: لن نصل إلى مستوى أبي بكر وعمر.

أقول: الاقتداء بهم لا يستلزم الوصول إلى مستواهم. وأنت مطالب بالاقتداء والتأسّي برسول الله صلّى الله عليه وسلّم: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا}، مع أنّك لن تصل إلى عشر معشار ما كان عليه صلّى الله عليه وسلّم من فضل وعمل! ونحن مأمورون بالنصوص النبوية بالاقتداء بأبي بكر وعمر وسائر الخلفاء الراشدين:

“فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، تمسكوا بها، وعضّوا عليها بالنواجذ” (مسند أحمد)،

“إني لا أدري ما قدر بقائي فيكم فاقتدوا باللذين من بعدي – وأشار إلى أبي بكر وعمر” (سنن الترمذي).

فهذا أمرٌ شرعي وليس ترفًا، ومن سوء الفهم إبطاله بدعوى أننا لن نصل إلى مستواهم!

يقولون: أين لنا بمن كان مع الخلفاء الراشدين من الصحابة في الشورى ومجلس أهل الحلّ والعقد؟

أقول: من قال لكم إنّ المطلوب الإتيان بأشخاص كالصحابة تماما؟ ولكن حين نهتدي بهديهم نُدخل محدّدات راشدة تفرز لنا بما لا شكّ فيه صفوة أرشد مما تفرزه أدوات الديمقراطية التي تعتمد “التمثيل” من خلال الترشّح بشكل أساسي وتغفل العدالة والخبرة، وتفتح الباب مشرعًا للمال السياسي والدعاية للنفس. بينما ما نستفيده من الكتاب والسنّة وسنن الخلفاء الراشدين أنّ المجلس الذي يشاوره الإمام ويأطُر الإمام على الحقّ والعدل يتّصف بالعدالة؛ فلا يُقبل فيه ساقطو الأخلاق والفاسدون، وبالكفاءة؛ فلا يدخله من لا يفقه في أمر العامة والسياسة، وبالتمثيل؛ وهو تمثيل أرشد من تمثيل الديمقراطية، لأنّ أهله ممن أفرزهم الناس وجهاءَ لهم وقادة، أي بالترشيح من قبل الناس (كالنقباء والعرفاء) لا بالترشُّح الذاتي والترويج للذات وغواية الناس بالدعاية وإنفاق الأموال.

فلو مارسنا هذه المحدّدات المستفادة من ديننا وإرث الخلفاء الراشدين (بأي شكل واجتهاد يلبّي شروط العصر واحتياجاته) هل يشكّ عاقل أنّنا سنكون قد أدّينا واجب الاقتداء بالسنّة النبوية والخلافة الراشدة حتى لو لم نصل إلى مستوى رجالها؟

يقولون: خلافة الراشدين استمرّت ثلاثين عامًا فقط، وقد مات ثلاثة منهم مقتولين.

أقول: هل هذه عوامل مؤثّرة في الاقتداء؟ فلو كان القصد أنّها دليل فشل فهو طعن بكلام الرسول صلى الله عليه وسلّم وشأن من يقول ذلك شأنٌ آخر. ولو كان قصدًا آخر فما تأثير هذه الحقائق (التي لا تخالف السنن) على إمكان الاستفادة من هَديهم وتطبيقاتهم وقد تركوا لنا إرثًا عظيمًا مفيدا؟

هل نجح عمر رضي الله عنه في السنوات العشر التي حكمها بإرساء العدل واستيفاء الحقوق ونشر الدعوة والخير وفرض الاستقرار والاندفاع بالدعوة والفتوحات إلى الأمم الأخرى؟ فهذا هو المحكّ، والجواب لا يختلف عليه مؤرّخ مسلمًا كان أم كافرًا، فما علاقة قصر المدّة بالاستفادة من الممارسة؟!

ثمّ إننا لو أخذنا مدة عمر وحدَه في الحكم (10 سنوات) فهي مدّة طويلة كافية لمعرفة سياساته وتطبيقاته والاستفادة منها مع ما وصلنا من آثاره القولية، إلى جانب مدة أبي بكر وعثمان وعلي رضي الله عنهم أجمعين.

وإنّ الناس اليوم ليقيمون دراسات على رئيس حكم لفترة رئاسية (4 سنوات) أو فترتين (8 سنوات) ويتحدثون عن سمات حكمه وربما كتبوا رسائل دكتوراة حوله، وربّما نشأ جيل كامل من الساسة المقتدين به والمستفيدين من مبادئه وممارساته.. ونحن نقول بكل سذاجة: كانت مدّة قصيرة في معرض استنكار الاقتداء بها!! واعذروني على الحدّة فالقلب يعتصر ألمًا من انتشار هذه الشبهات المتهافتة التي تقرّب المسلمين من الطعن بالسنّة!

يقولون: طبيعة الحكم والمجتمع والعصر كانت بدائية في عصر الراشدين، ولا يمكن في عصرنا ودوله ومجتمعاته المعقّدة تطبيق ممارساتهم التي كانت في مجتمع قبلي بسيط.

ونقول: المقصود ليس الأشكال الإدارية كديوان الجند ووقوف الخليفة على الأقضية بين الناس بنفسه ونزوله إلى السوق للحسبة.. إلخ.. بل يستفاد من هذه الممارسات وغيرها “مبادئ” و”قيم” و”محدّدات” يمكن تطبيقها في كل عصر، فالإنسان هو الإنسان: يحتاج إلى التقاضي، ويلزم أن تكون سوقه وتجارته منضبطة بسلطة شرعية لا تترك الأمر لأهواء الناس. ولو عدتم إلى مثال الفرق بين مجلس أهل الحل والعقد والمجالس النيابية الديمقراطية لوجدتم مجالًا عمليّا واسعًا لتطبيق سنن الراشدين، لكن الأزمة في عدم الإقبال والاستفادة، أي عدم وجود رؤية جادّة لهذه الاستفادة ووضعها موضع التطبيق.

نحن ننظّر كثيرًا لكننا لا ندفع بتنظيراتنا إلى الواقع إلا نادرًا!

ولقد أحيا الغربيون الديمقراطية بلفظها ومبادئها من اليونان وهي أقدم في التاريخ من عصر الصحابة، بل كانت دول مدن صغيرة لا دولة كبيرة كدولة عمر، وأدخلوا إضافات وتعديلات تناسب احتياجات العصر ومسار دولهم الحديثة. فما بالنا نخجل أو نعجز عن إحياء مبادئ واضحة كل الوضوح، وقد أُمِرنا بها شرعًا، والحقّ فيها أبلج ناصع يغري طلاب العدل والحقّ لبثّه واستدخاله في بلداننا؟!

اقرأوا السنن النبوية في الحكم والسياسة وسنن الراشدين، والله ستجدون العجب من مساحات الاستفادة الممكنة، وستعرفون مقدار الجاهلية والجَور الذي تعيشه الأنظمة المعاصرة، مهما تبجّحت بشعارات الحقوق والعدالة!

كتابة: الباحث شريف محمد جابر.

اشترك في نشرتنا البريدية للإطلاع على ملخص الأسبوع

Blank Form (#5)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

طالع أيضا