إن حفظ ثغور المسلمين ودفع البغي والعدوان من أوجب الواجبات الشرعية، وقد أصيب بلا البحرين اختراقاً استعمارياً بريطانياً مبكراً استهدف سلب قرارها ومصادرة ثرواتها وعزلها عن محيطها الإسلامي. وسنبين في هذا الباب تفاصيل الهيمنة البريطانية ومصادرتها لحرية القرار والتجارة.
أولاً: نشأة البحرين وطرد النفوذ الأجنبي
نشأت مشيخة البحرين على يد قبيلة الجلاهمة عام ١١٩٧ هـ الموافق لعام ١٧٨٣، وتنتسب الأسرة الحاكمة فيها إلى آل خليفة الذين نجحوا في إجبار الحامية الفارسية على الاستسلام وطردها من البلاد في العام نفسه، وقد جرت بعد ذلك عدّة محاولات عُمانية وفارسية للسيطرة عليها، حتى وقّعت المعاهدة العامة مع بريطانيا عام ١٢٣٥ هـ الموافق لعام ١٨٢٠.
وثيقة تاريخية: المعاهدة العامة عام ١٢٣٥ هـ الموافق لعام ١٨٢٠
تشير المعاهدة العامة للسلام (الكاذب) في الخليج العربي عام ١٢٣٥ هـ الموافق لعام ١٨٢٠ إلى أنَّ بريطانيا ركزت على حماية مصالحها الاحتكارية في المنطقة؛ وقد نصّت المعاهدة على الامتناع عن الأعمال الحربية البحرية، والتفريق بين النهب والقرصنة، ومنع تجارة الرقيق، مع تحديد علم خاص لكل الموقعين على هذه الاتفاقية لفرض الرقابة العسكرية البحرية البريطانية على سفن المسلمين.
ثانياً: معاهدات الإذعان ومصادرة القرار التجاري والسياسي
اعترفت البحرين بالحماية البريطانية المقيدة لها في عهد الشيخ محمد بن خليفة عام ١٢٧٧ هـ الموافق لعام ١٨٦١، ثمّ عُززت هذه السيطرة وتعمقت القيود السياسية الاقتصادية حين وُقّعت في عهد الشيخ عيسى بن خليفة عام ١٣٠٩ هـ الموافق لعام ١٨٩٢ معاهدة جديدة مع بريطانيا أغلقت بموجبها العلاقات الخارجية للبحرين.
ملحق وثائقي: مضمون معاهدة عام ١٣٠٩ هـ الموافق لعام ١٨٩٢ الخاصة بالبحرين
تضمّنت معاهدة عام ١٣٠٩ هـ الموافق لعام ١٨٩٢ تعهُّد شيخ البحرين بعدم بيع أو تأجير أو تنازل عن أي جزء من أراضي البحرين لأي دولة غير بريطانيا، وألّا يعقد أيَّ علاقة أو يوقع اتفاقية مع أية دولة دون علم وموافقة بريطانيا، وأن يقيم مستشاراً بريطانياً في المنامة ليكون إلى جانب الأمير في إدارة الشؤون ومصادرة الإرادة المحلية.
وفي عهد الشيخ حمد بن عيسى بدأ تغلغل النشاط الأمريكي والروسي في البحرين من خلال المجالات الاقتصادية والتعليمية والطبية، وهي الأنشطة والمشاريع المستقلة التي عارضتها بريطانيا بشدة وأجبرت الشيخ حمد بن عيسى على منع أي تعامل تجاري مع روسيا لحفظ احتكارها الاحتلالي المطلق للمنطقة ومقدراتها.
ثالثاً: التحولات السياسية الحديثة
وفي عهد عيسى بن سلمان ادّعت إيران “الرافضية المجرمة” أن لها حقاً في البحرين، فرفعت القضية إلى مجلس الأمن الدولي، فأوفد مندوباً عنه لتقصي الحقائق في عام ١٣٩١ هـ الموافق لعام ١٩٧١، رفع التقرير إلى مجلس الأمن أكد فيه حرص البحرين على استقلالها عن الادعاءات الفارسية، فرضخت إيران للأمر الواقع، وسلّمت بذلك.
وبعد الانسحاب البريطاني، جرى توقيع اتفاقيات دفاع مشترك مع الولايات المتحدة الأمريكية نصّت على تقديم التسهيلات للقوّات العسكرية الأمريكية وتخزين المعدّات والعتاد على أراضيها، مما يوضح استمرار طوق الهيمنة الأجنبية على المنطقة وثغورها.
استبصار السنن: واجب صون العقيدة والديار الإسلامية
من أعظم الجنايات التي تكشفها حقبة السيطرة الأجنبية على البحرين هي جريمة “عسكرة الثغور” ومصادرة حرية الملاحة الإسلامية تحت غطاء “معاهدات السلم”، ثم تعميق البغي بزرع المستشارين البريطانيين لإدارة شؤون الديار.
إن فقه هذه السيرة يوجب على المسلمين استيعاب حقيقة عقدية قطعية: وهي أن حماية ديار الإسلام لا تُستجدى من الغاصبين، وأن فتح الباب للقواعد والتسهيلات العسكرية اللاحقة هو امتداد لتلك الولاية الباطلة التي حذّر منها الوحي. إن الواجب الشرعي يتجاوز مجرد التحرر الصوري إلى تحقيق البراء التام من مواثيق الإذعان.





اترك تعليقاً