الاحتلال الإسرائيلي يعلن التمسك باحتلال أراضٍ في لبنان وسوريا وغزة.. «المناطق الأمنية» تتحول إلى واقع دائم

2256648467

في إعلان يعكس توجهًا إسرائيليًا نحو ترسيخ وجود عسكري طويل الأمد خارج الحدود، تعهّد وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس بإبقاء القوات الإسرائيلية في مناطق من جنوب لبنان وجنوب سوريا وقطاع غزة، مؤكدًا أن تل أبيب لا تعتزم الانسحاب من المناطق التي تصفها بأنها «مناطق أمنية».

وجاءت تصريحات كاتس خلال زيارة أجراها الأربعاء إلى القوات الإسرائيلية المنتشرة في جنوب لبنان، حيث أعلن أن الجيش سيواصل تدمير ما وصفه بالبنية التحتية تحت الأرض والمنازل في المنطقة، بالتوازي مع تأكيده أن القوات الإسرائيلية ستبقى في مواقعها.

وقال كاتس، وفق بيان صادر عن مكتبه، إن “إسرائيل” «لن تنسحب بأي حال» من المناطق الأمنية، سواء في لبنان أو سوريا أو غزة، مبررًا ذلك بحماية المستوطنات والمناطق الإسرائيلية الشمالية والقوات الإسرائيلية.

جنوب لبنان.. اتفاق على الانسحاب يقابله رفض إسرائيلي

تأتي تصريحات وزير الدفاع الإسرائيلي بعد نحو شهرين من اتفاق إطار رعته الولايات المتحدة بين “إسرائيل” ولبنان، ينص على ترتيبات من بينها نزع سلاح حزب الله، وانسحاب تدريجي للقوات الإسرائيلية من جنوب لبنان، مقابل انتشار الجيش اللبناني في المنطقة.

وكان الاتفاق قد تضمن بدء تطبيق الترتيبات بصورة تدريجية في مناطق تجريبية، مع التحضير لجولة جديدة من المفاوضات بين “إسرائيل” ولبنان في العاصمة الإيطالية روما مطلع سبتمبر/أيلول.

لكن تصريحات كاتس ونتنياهو المتكررة تشير إلى أن “إسرائيل” لا تتعامل مع الانسحاب باعتباره نتيجة حتمية للاتفاق.

فالقوات الإسرائيلية تواصل الانتشار في شريط داخل الأراضي اللبنانية يمتد، بحسب التقرير، إلى نحو 10 كيلومترات، وتصفه تل أبيب بأنه «منطقة أمنية».

ويقول كاتس إن الجيش الإسرائيلي سيواصل العمل داخل هذه المنطقة، بما في ذلك تدمير منشآت تحت الأرض وهدم المنازل.

وهذا يضع الاتفاق الأمريكي أمام اختبار صعب: كيف يمكن تنفيذ انسحاب تدريجي إذا كانت الحكومة الإسرائيلية تعلن مسبقًا أنها لن تنسحب؟

سوريا.. منطقة أمنية أخرى

لا يقتصر التوجه الإسرائيلي على لبنان.

فمنذ سقوط حكم الرئيس السوري السابق بشار الأسد، كثفت قوات الاحتلال الإسرائيلي عمليات التوغل والقصف داخل سوريا، خصوصًا في الجنوب.

وتقول تل أبيب إن تحركاتها تهدف إلى إقامة منطقة منزوعة السلاح في جنوب سوريا ومنع تهديدات محتملة لأمنها.

لكن استمرار العمليات العسكرية والوجود الميداني الإسرائيلي يثير مخاوف من أن يتحول هذا الترتيب المؤقت إلى واقع طويل الأمد، خصوصًا مع تصريحات المسؤولين الإسرائيليين التي تربط الانسحاب بتحقيق شروط أمنية تضعها تل أبيب بنفسها.

وبذلك تتكرر في سوريا معادلة مشابهة لما يحدث في جنوب لبنان: احتلال أو وجود عسكري يُقدم باعتباره ضرورة أمنية، ثم يتحول إلى منطقة يُراد تثبيتها لفترة غير محددة.

غزة.. أكثر من 60% تحت السيطرة العسكرية

أما في قطاع غزة، فتبدو الصورة أكثر وضوحًا من حيث حجم السيطرة الميدانية.

تسيطر القوات الإسرائيلية على أكثر من 60% من مساحة القطاع الذي دمرته الحرب.

وفي الأسبوع السابق، رفض رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو خطة تقودها الولايات المتحدة بشأن غزة ووافقت عليها حركة حماس، مؤكدًا أن الجيش الإسرائيلي لن ينسحب قبل نزع سلاح حماس بصورة حقيقية.

وقال نتنياهو إن “إسرائيل” ستواصل منع التهديدات التي تستهدف قواتها ومواطنيها.

وهكذا، تضع الحكومة الإسرائيلية شرطًا أمنيًا مفتوح المدى أمام أي انسحاب، ما يعني عمليًا أن الوجود العسكري يمكن أن يستمر ما دامت إسرائيل ترى أن شروطها لم تتحقق.

ثلاث جبهات.. من «الأمن» إلى السيطرة الدائمة

المثير في تصريحات كاتس أنها تجمع لبنان وسوريا وغزة في إطار أمني واحد.

ففي الحالات الثلاث، تستخدم تل أبيب مفهوم «الأمن» لتبرير وجود قواتها خارج أراضيها، سواء في المناطق الحدودية اللبنانية، أو جنوب سوريا، أو أجزاء واسعة من قطاع غزة.

لكن هذا المنطق يفتح سؤالًا جوهريًا: متى ينتهي «الإجراء الأمني المؤقت» ويبدأ الاحتلال طويل الأمد؟

فإذا كانت “إسرائيل” تقول إنها لن تنسحب من جنوب لبنان، وتواصل تثبيت وجودها العسكري في جنوب سوريا، وتربط الانسحاب من غزة بشروط قد يصعب تحقيقها، فإن «المنطقة الأمنية» تصبح أكثر من إجراء عسكري مؤقت، وقد تتحول إلى سياسة لإعادة رسم الواقع الجغرافي والعسكري في المنطقة.

وفي جنوب لبنان، يهدد ذلك الترتيبات التي جرى التوصل إليها بوساطة أمريكية. وفي سوريا، يفتح الباب أمام ترسيخ وجود إسرائيلي داخل أراضٍ سورية. أما في غزة، فيعني استمرار السيطرة على أجزاء واسعة من القطاع في ظل استمرار الحرب وتداعياتها الإنسانية.

الاحتلال الإسرائيلي يرسم حدودًا جديدة للأمن

تصريحات وزير الدفاع الإسرائيلي لا تبدو مجرد موقف ميداني عابر، بل تعكس رؤية أوسع تتعامل مع الأمن الإسرائيلي باعتباره يتطلب وجودًا عسكريًا داخل أراضي دول ومناطق مجاورة.

وبهذه الرؤية، لا تعود الحدود القائمة هي الإطار النهائي للأمن الإسرائيلي، بل تصبح الأراضي الواقعة خارجها مناطق يمكن لقوات الاحتلال أن تحتفظ فيها بقواتها، وتدمر منشآتها، وتفرض عليها ترتيبات أمنية وفق تقديرها.

والمشكلة أن هذا المنطق يضع أي مفاوضات مستقبلية أمام معادلة غير متوازنة: تل أبيب تحدد متى يبدأ الانسحاب ومتى ينتهي، بينما يبقى الطرف الآخر مطالبًا بتلبية شروط أمنية إسرائيلية قبل أن يحصل على استعادة أراضيه.

وبينما تستعد واشنطن لرعاية محادثات جديدة بين ما يسمى “إسرائيل” ولبنان في روما خلال سبتمبر/أيلول، فإن الرسالة التي أطلقها كاتس واضحة: الانسحاب ليس في أجندة الحكومة الإسرائيلية حاليًا، والمناطق التي دخلتها القوات تحت عنوان «الأمن» قد تتحول إلى مواقع احتلال طويلة الأمد.

وهكذا تتجه المنطقة إلى مرحلة جديدة، لا تقوم فقط على الحروب والعمليات العسكرية، بل على إعادة تشكيل خرائط السيطرة تحت غطاء الأمن؛ من جنوب لبنان، مرورًا بجنوب سوريا، وصولًا إلى قطاع غزة.

Comments

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *