الأمم المتحدة تتبنى خريطة جديدة للعالم.. أفريقيا بحجمها الحقيقي وأمريكا وأوروبا أصغر

dfcef965b27a5382609d3ca87000f779

تبنت الجمعية العامة للأمم المتحدة قرارًا يدعو إلى استخدام خريطة عالمية أكثر دقة في تمثيل المساحات الحقيقية للقارات، في خطوة ستجعل أفريقيا وأمريكا اللاتينية وجنوب آسيا تبدو أكبر مما اعتاده الناس في الخرائط التقليدية، بينما ستظهر أوروبا وأمريكا الشمالية ومناطق أخرى عند خطوط العرض العليا بأحجام أصغر نسبيًا.

وصوّتت 164 دولة لصالح القرار، مقابل اعتراض الولايات المتحدة وحدها وامتناع ست دول عن التصويت. ويشجع القرار على الانتقال في الاستخدامات التعليمية والعامة من إسقاط «ميركاتور» الشهير إلى إسقاط «Equal Earth» أو «الأرض المتساوية»، الذي يحافظ على النسب الحقيقية لمساحات اليابسة بدرجة أكبر. والقرار غير ملزم قانونيًا، كما أنه لا يدعو إلى إلغاء استخدام «ميركاتور» في الملاحة البحرية والجوية، حيث لا يزال مناسبًا لهذه الأغراض.

أفريقيا لم تكبر.. الخريطة هي التي كانت تصغرها

لا يتعلق الأمر بتغيير مساحة أي قارة أو حدودها، وإنما بطريقة تحويل الكرة الأرضية، وهي جسم ثلاثي الأبعاد، إلى خريطة مسطحة ثنائية الأبعاد.

فأي محاولة لفرد سطح الكرة على ورقة تؤدي بالضرورة إلى نوع من التشويه؛ إما في المساحات، أو الأشكال، أو المسافات، أو الاتجاهات. والمشكلة في إسقاط «ميركاتور»، المستخدم على نطاق واسع منذ قرون، أنه يحافظ بصورة جيدة على الزوايا والاتجاهات، وهو ما جعله مفيدًا للملاحة، لكنه يضخم بشدة مساحة المناطق الواقعة بعيدًا عن خط الاستواء.

ولهذا تبدو أوروبا وأمريكا الشمالية وروسيا وغرينلاند أكبر من حجمها الحقيقي مقارنة بالمناطق الأقرب إلى خط الاستواء، بينما تظهر أفريقيا وأمريكا الجنوبية أصغر مما هي عليه في الواقع.

ولعل المثال الأكثر شهرة هو غرينلاند وأفريقيا: ففي خرائط «ميركاتور» قد تبدوان متقاربتين نسبيًا في المساحة، بينما تبلغ مساحة أفريقيا في الحقيقة نحو 14 ضعف مساحة غرينلاند.

ما هي خريطة «Equal Earth»؟

ظهر إسقاط «Equal Earth» عام 2018، وطوره رسامو الخرائط بويان شافريتش وتوم باترسون وبرنهارد جيني، ليكون خريطة متساوية المساحة تجمع بين تمثيل المساحات بصورة صحيحة نسبيًا وشكل بصري أقرب إلى الهيئة المألوفة للقارات.

وعلى خلاف «ميركاتور»، يحافظ هذا الإسقاط على النسبة بين مساحات الدول والقارات؛ فإذا كانت قارة ما أكبر من أخرى عشر مرات في الواقع، فإنها تظهر على الخريطة بمساحة تعكس هذه النسبة تقريبًا، بدل التضخم الكبير الذي يحدث كلما اقتربنا من القطبين.

وهذا يعني أن أفريقيا وأمريكا اللاتينية وجنوب آسيا وأجزاء من أوقيانوسيا ستأخذ مساحة بصرية أكبر على الخريطة، في حين تنكمش المساحات الظاهرية لأوروبا وأمريكا الشمالية وروسيا مقارنة بما اعتادته أجيال على خرائط «ميركاتور».

«الخريطة ليست محايدة»

قاد توغو المبادرة داخل الأمم المتحدة بدعم من الدول الأفريقية، وقال وزير خارجيتها روبرت دوسي إن الخرائط لا تقتصر وظيفتها على تحديد الأماكن، بل تؤثر كذلك في التعليم والخيال والطريقة التي ترى بها الشعوب العالم.

ويرى مؤيدو المبادرة أن استمرار استخدام خريطة تمنح مناطق معينة حجمًا بصريًا أكبر بكثير من مساحتها الحقيقية يمكن أن يترك أثرًا طويل الأمد في التصورات الجماعية، خصوصًا حين تستخدم الخرائط نفسها في المدارس والإعلام والوثائق والمنصات الرقمية.

وقال دوسي قبل التصويت إن «العالم العادل يبدأ بخريطة عادلة»، فيما أعلنت توغو أنها تعتزم تعديل موادها الجغرافية المدرسية واعتماد خرائط جديدة قبل نهاية العام، كما تخطط للدفع نحو استخدام أوسع للإسقاط الجديد لدى الحكومات والمنظمات الدولية وشركات الخرائط والتقنيات المعتمدة على تحديد المواقع.

لماذا عارضت الولايات المتحدة؟

كانت الولايات المتحدة الدولة الوحيدة التي صوّتت ضد القرار.

واعتبرت واشنطن أن القضية جرى تحميلها أبعادًا أيديولوجية تتجاوز مسألة الدقة الجغرافية، وانتقد ممثلوها تخصيص الجمعية العامة وقتًا لنقاش خرائط تعود جذورها إلى القرن السادس عشر وربط القضية بمفاهيم مثل «العدالة المعرفية» والإرث الاستعماري، معتبرين أن الأمم المتحدة ينبغي أن تركز على قضايا أكثر إلحاحًا تتعلق بالسلام والأمن والازدهار الدولي.

في المقابل، يرى داعمو القرار أن القضية ليست مجرد جدل رمزي؛ فالخريطة التي يراها الطفل منذ المدرسة تصبح في كثير من الأحيان صورته الذهنية للعالم، ومن ثم فإن تمثيل القارات وفق نسب أقرب إلى واقعها الجغرافي مسألة تتعلق بالدقة العلمية قبل أي اعتبار سياسي.

وفرنسا تتخلى عن «ميركاتور»

بالتزامن مع التصويت الأممي، أعلنت فرنسا أن وزارة الخارجية ستتوقف عن استخدام إسقاط «ميركاتور» في استخداماتها الدبلوماسية، وتتجه إلى خرائط أكثر ملاءمة وأقرب إلى المساحات الحقيقية.

وقال وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو إن خريطة «ميركاتور» تمنح الولايات المتحدة وروسيا والصين حضورًا بصريًا أكبر بصورة غير متناسبة مقارنة بأفريقيا وأمريكا اللاتينية وجنوب شرق آسيا.

وأضاف أن «تغيير الخريطة لا يغير العالم»، لكن تصحيح صورة مشوهة عنه هو في حد ذاته خطوة نحو تمثيل أكثر صدقًا للواقع.

أكثر من أربعة قرون من خريطة «ميركاتور»

وضع عالم الخرائط الفلمنكي جيراردوس ميركاتور إسقاطه الشهير عام 1569، وكان هدفه الأساسي تسهيل الملاحة البحرية.

وكانت أهم مزاياه أن خطوط الاتجاه الثابت تظهر عليه مستقيمة، ما ساعد البحارة على رسم مساراتهم باستخدام البوصلة. لكن الميزة التي جعلته ممتازًا للملاحة كانت نفسها سببًا في التشويه الهائل للمساحات عند الاقتراب من القطبين.

ومع مرور الوقت، انتقلت الخريطة من عالم الملاحة إلى الفصول الدراسية والأطالس والملصقات والوسائل الإعلامية، حتى أصبحت بالنسبة إلى ملايين البشر الصورة «الطبيعية» لشكل العالم، رغم أن أحجام القارات فيها بعيدة في بعض الحالات عن نسبها الحقيقية.

هل ستختفي خريطة العالم القديمة؟

ليس قريبًا، وربما لن تختفي تمامًا.

قرار الجمعية العامة لا يحظر «ميركاتور»، كما أن لكل إسقاط خرائطي استخداماته ومزاياه وعيوبه. وسيبقى «ميركاتور» مفيدًا في الملاحة وبعض التطبيقات الرقمية، بينما يدفع القرار باتجاه استخدام الخرائط المتساوية المساحة حين يكون الهدف مقارنة أحجام الدول والقارات أو تقديم صورة عامة للعالم.

لكن الخطوة الأممية قد تعني أن الخريطة التي ستظهر مستقبلًا في بعض المدارس والمكاتب والمؤسسات والمنصات ستكون مختلفة بصورة واضحة عن تلك التي عرفها العالم طوال عقود.

وأبرز ما سيلاحظه المشاهد لن يكون ظهور قارة جديدة أو تغير الحدود، بل حقيقة جغرافية كانت الخريطة القديمة تخفيها بصريًا: أفريقيا هائلة الحجم، وأكبر بكثير مما توحي به الخرائط التقليدية.

dfcef965b27a5382609d3ca87000f779

Comments

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *