كتاب جون بيركنز الذي كشف كيف تُساق الدول نحو التبعية الاقتصادية
في 2004 صدر كتاب «اعترافات قاتل اقتصادي» للكاتب والاقتصادي الأمريكي جون بيركنز، وتُرجم إلى أكثر من 30 لغة، ليتحول خلال سنوات قليلة إلى واحد من أكثر الكتب إثارة للجدل في موضوع العلاقة بين الاقتصاد والسياسة والقوة الدولية. الكتاب ليس دراسة أكاديمية تقليدية في الاقتصاد السياسي، ولا وثيقة استخباراتية بالمعنى الصارم، وإنما هو مزيج من السيرة الذاتية والاعترافات السياسية والقراءة النقدية للنظام الاقتصادي الدولي، يروي فيه بيركنز ما يقول إنه تجربته الشخصية داخل منظومة عمل هدفت إلى توظيف القروض والمشروعات التنموية الكبرى في توسيع النفوذ الأمريكي والشركات متعددة الجنسيات في الدول النامية.
أبرز النقاط الجوهرية التي تناولها الكتاب
- “القتلة الاقتصاديون” والهيمنة بالدين: يروي بيركنز كيف تُغرق الدول النامية في ديون ضخمة عبر قروض لمشاريع بنية تحتية مبالغ فيها، مما يؤدي إلى تبعيتها الاقتصادية والسياسية للقوى المهيمنة.
- أدوات السيطرة الخفية: يعتمد هؤلاء “القتلة” على تزوير التقارير المالية والرشاوى والابتزاز، وفي الحالات القصوى، التهديدات والاغتيالات لإحكام قبضتهم.
- الهدف: نفوذ بلا عنف عسكري مباشر: تهدف هذه الاستراتيجية إلى تحقيق مصالح الشركات الكبرى والدول المهيمنة دون الحاجة إلى التدخل العسكري، مستغلة الديون كسلاح فعال.

ولد جون بيركنز في 28 يناير 1945 في هانوفر بولاية نيوهامبشير الأمريكية، والتحق بمدرسة تيلتون، ثم درس لفترة في كلية ميدلبري قبل أن يحصل عام 1968 على درجة البكالوريوس في إدارة الأعمال من جامعة بوسطن. وبعد تخرجه انضم إلى فيلق السلام الأمريكي، وعمل متطوعاً في الإكوادور بين عامي 1968 و1970، وهي تجربة وضعته للمرة الأولى في بيئة دولية خارج الولايات المتحدة.
وبعد ذلك بدأ خلال سبعينيات القرن العشرين عمله في شركة Chas. T. Main الاستشارية في بوسطن، حيث شغل لاحقاً موقع كبير الاقتصاديين. وتشير السيرة المهنية المتاحة عنه إلى أنه عمل في الشركة بين 1971 و1980، قبل أن ينتقل في الثمانينيات إلى مجال الطاقة المستقلة، ثم يتفرغ لاحقاً للتأليف والنشاط العام.
هذه الخلفية مهمة لفهم الكتاب؛ فبيركنز لا يقدم نفسه بوصفه مراقباً خارجياً للنظام الذي ينتقده، بل باعتباره شخصاً يقول إنه كان جزءاً منه، ثم خرج منه وقرر كشف آلياته.
لماذا كشف بيركنز هذه الحقائق؟
يشير بيركنز إلى أن دوافعه لكتابة هذا الكتاب كانت عميقة وشخصية، فقد شعر بضرورة كشف هذه الحقائق خاصة بعد أحداث 11 سبتمبر 2001، حيث رأى كيف استُغلت هذه الأحداث لتبرير حروب جديدة وهيمنة اقتصادية متزايدة. وقد واجه بيركنز تهديدات لحياته وحياة أسرته أثناء كتابة الكتاب، مما يؤكد على حساسية المعلومات التي كشفها وأهمية رسالته.
ما المقصود بـ«القاتل الاقتصادي»؟
المصطلح الذي أعطى الكتاب عنوانه هو Economic Hit Man، أو «القاتل الاقتصادي»، وبحسب رواية بيركنز، لا يتعلق الأمر بشخص يحمل سلاحاً أو ينفذ عمليات اغتيال، بل بخبير اقتصادي أو مستشار يستخدم أدوات أكثر نعومة: الأرقام، والتوقعات الاقتصادية، والقروض، والمشروعات العملاقة، وعلاقات الشركات بالحكومات.
الفكرة الأساسية التي يطرحها بيركنز هي أن السيطرة الحديثة لم تعد تحتاج دائماً إلى احتلال عسكري مباشر. فقد تستطيع دولة قوية أن تحقق قدراً كبيراً من أهدافها من خلال خلق الاعتماد الاقتصادي.
تذهب دولة نامية إلى مؤسسة مالية دولية أو تحصل على تمويل لمشروع ضخم، ويتم إقناعها بأن المشروع سيحقق معدلات نمو مرتفعة، ويخلق وظائف، ويضاعف الناتج المحلي، ويجعلها أكثر ازدهاراً. لكن إذا كان حجم الدين أكبر من قدرة الدولة على السداد، فإن المشروع يتحول من أداة للتنمية إلى التزام طويل الأجل.
وهنا، وفق بيركنز، تبدأ الحلقة الأخطر: القرض ثم المشروع ثم التعاقد مع شركات كبرى ثم تراكم الدين ثم العجز عن السداد ثم الحاجة إلى إعادة الجدولة ثم زيادة النفوذ الخارجي.
هذه هي البنية التي يريد الكتاب أن يلفت الأنظار إليها، ولا تكمن الفكرة في أن القروض الدولية سيئة في ذاتها؛ فالدول تحتاج إلى الاقتراض لتمويل البنية التحتية والاستثمار، وإنما السؤال الذي يطرحه بيركنز هو: من يحدد حجم القرض؟ ومن يختار المشروع؟ ومن يستفيد من الأموال؟ ومن يتحمل تكلفة الفشل؟
الأدوات والتكتيكات المتبعة
يوضح بيركنز أن عمل “القاتل الاقتصادي” يتجاوز مجرد تقديم القروض، فهو يشمل مجموعة واسعة من التكتيكات غير الأخلاقية، مثل:
- تزوير التقارير المالية: يتم تضخيم التوقعات الاقتصادية لمشاريع البنية التحتية لجعل القروض تبدو جذابة ومستدامة على الورق.
- الرشاوى والابتزاز: تُستخدم الرشاوى لإقناع القادة المحليين بقبول هذه الصفقات، وفي حال المقاومة، يتم اللجوء إلى الابتزاز أو التهديد.
- “الجاكالز” (الذئاب): في الحالات التي يرفض فيها القادة التعاون أو يحاولون التخلص من هذه التبعية، يدخل “الجاكالز” على الخط. هؤلاء هم عملاء متخصصون في الإطاحة بالحكومات أو اغتيال قادتها لتأمين استمرار المصالح المهيمنة.
ثانياً: حين يصبح الاقتصاد امتداداً للسياسة
أهم ما في الكتاب أنه يحاول نقل مفهوم الإمبراطورية من المجال العسكري إلى المجال الاقتصادي، فالإمبراطوريات التقليدية كانت تعتمد على الجيوش والقواعد العسكرية والاحتلال المباشر. أما الإمبراطورية الاقتصادية، في التصور الذي يقدمه بيركنز، فتستطيع العمل بأدوات أقل وضوحاً وأكثر تعقيداً.
الشركة تحصل على العقد، والبنك يمول المشروع، والمؤسسة الدولية توفر الغطاء المالي، والحكومة المحلية تحصل على القرض، والشعب يتحمل في نهاية المطاف تكلفة الدين.
وهكذا لا يبدو الأمر في صورته الأولى عملية سيطرة، وإنما يبدو مشروعاً تنموياً، وهذه النقطة هي الأكثر أهمية في الكتاب، لأن بيركنز لا يقول إن السيطرة تأتي دائماً عبر إجبار الدولة على فعل شيء لا تريده، بل عبر جعل الخيارات المتاحة أمامها محدودة.
الدولة التي أصبحت مدينة بمليارات الدولارات لا تتعامل مع العالم من موقع الدولة المستقلة بالكامل، بل يصبح عليها أن تأخذ في الاعتبار دائنيها ومؤسسات التمويل والأسواق والشركات التي ترتبط بالمشروع، وبذلك يتحول الدين من مجرد رقم في الموازنة إلى عامل سياسي.
ثالثاً: الدول النامية في قلب الرواية
يضع بيركنز عدداً من الدول في قلب قصته، ومن أبرزها إندونيسيا وبنما والإكوادور والمملكة العربية السعودية وإيران وكولومبيا، ويقدم كل حالة باعتبارها نموذجاً لطريقة مختلفة من طرق ممارسة النفوذ.
في إندونيسيا، يصف تجربته الأولى مع عالم «القاتل الاقتصادي»، حيث كان المطلوب ـ وفق روايته ـ بناء نماذج اقتصادية تبرر ضخ استثمارات وقروض ضخمة في مشروعات البنية التحتية.
أما في بنما، فيربط بيركنز بين الاقتصاد والسياسة والسيادة، ويتوقف عند شخصية الرئيس البنمي عمر توريخوس، الذي كان من أبرز الشخصيات السياسية التي ظهرت في الكتاب.
وفي الإكوادور، ينتقل الكتاب إلى ملف النفط، وعلاقة الموارد الطبيعية بمصالح الشركات الكبرى، ثم يتناول وفاة الرئيس الإكوادوري خايمي رولدوس في حادث تحطم طائرة عام 1981، وكذلك وفاة توريخوس في العام نفسه.
وهنا يدخل الكتاب إلى أكثر مناطقه حساسية، حين يوحي بأن بعض الوفيات السياسية لم تكن حوادث عادية، وإنما ارتبطت بالصراع على المصالح الاقتصادية والسياسية.
رابعاً: المملكة العربية السعودية و«صفقة البترودولار»
من أكثر فصول الكتاب إثارة للاهتمام ذلك المتعلق بالمملكة العربية السعودية، حيث يروي بيركنز ما يصفه بـ«صفقة» اقتصادية ـ سياسية هدفت إلى إعادة تدوير العائدات النفطية السعودية داخل النظام الاقتصادي الأمريكي، بحيث تستثمر الأموال في الولايات المتحدة وتعود بصورة استثمارات وعقود ومشروعات، مقابل ضمانات سياسية وأمنية.
بصرف النظر عن مدى دقة كل التفاصيل التي يسردها بيركنز، فإن الفصل يفتح باباً مهماً لفهم العلاقة بين النفط والدولار والأمن والسياسة الخارجية الأمريكية خلال العقود التي أعقبت صدمة النفط في السبعينيات.
فالنفط لم يكن مجرد سلعة، والدولار لم يكن مجرد عملة، والاستثمار لم يكن مجرد قرار اقتصادي. لقد تداخلت هذه العناصر جميعاً مع الأمن والطاقة والتجارة والسياسة الخارجية.
ومن هنا تبرز إحدى أهم أفكار الكتاب: أن فصل الاقتصاد عن السياسة في العلاقات الدولية قد يكون أحياناً عملية اصطناعية، لأن المال والطاقة والتجارة والديون تستطيع أن تؤدي وظائف سياسية بقدر ما تؤدي وظائف اقتصادية.
المؤسسات المالية الدولية كأدوات لإعادة تشكيل القرار
يمضي بيركنز في تفكيك العلاقة بين الاقتصاد والسياسة، ليضع المؤسسات المالية الدولية في قلب المنظومة التي يصفها. فالقرض، في تصوره، لا يمثل مجرد عملية مالية بين دائن ومدين، وإنما يمكن أن يتحول إلى وسيلة لإعادة صياغة أولويات الدولة المقترضة، خصوصاً عندما تكون الدولة بحاجة ماسة إلى التمويل الخارجي.
وبحسب الرواية التي يقدمها، تبدأ العملية بدراسة احتياجات الدولة، ثم تحديد المشروعات التي يمكن تمويلها، وإعداد تقديرات اقتصادية تبدو قادرة على تبرير حجم الاقتراض، وكلما ازداد حجم المشروع، ارتفعت قيمة العقود التي تحصل عليها الشركات الكبرى، بينما تظل الدولة صاحبة المشروع مسؤولة عن سداد القرض وفوائده لسنوات طويلة.
وهنا يصبح التمويل جزءاً من صناعة القرار السياسي، لأن الدولة التي تعتمد بصورة متزايدة على القروض الخارجية تجد نفسها مضطرة إلى مراعاة مصالح الجهات التي توفر لها التمويل، سواء تعلق الأمر بشروط اقتصادية أو بتوجهات سياسية أو بمواقف دولية.
المشروعات العملاقة وصناعة التبعية
يولي بيركنز اهتماماً كبيراً لفكرة المشروعات العملاقة، مثل محطات الطاقة والسدود والطرق والمطارات ومشروعات النفط والبنية التحتية.
هذه المشروعات، في ظاهرها، تمثل علامات على التقدم والتنمية، لكنها في رواية الكتاب يمكن أن تتحول إلى آلية لإنتاج التبعية عندما تكون تكلفتها أعلى من قدرة الاقتصاد المحلي على تحملها.
فالمشروع لا ينتهي بمجرد إنشائه، إذ تترتب عليه تكاليف التشغيل والصيانة وسداد القروض، فضلاً عن الالتزامات المرتبطة بالشركات المنفذة والموردين.
وبذلك تصبح الدولة أمام معادلة معقدة: كلما زاد حجم المشروع، زادت الحاجة إلى التمويل، وكلما زاد التمويل، ارتفع حجم الالتزامات، وكلما ارتفعت الالتزامات، أصبح القرار الاقتصادي أكثر ارتباطاً بالخارج.
ويكشف هذا التصور عن تحول مفهوم التنمية من مجرد زيادة الإنتاج إلى سؤال أوسع يتعلق بمن يملك أدوات تمويل التنمية ومن يحدد أولوياتها.
النفط.. الثروة التي تتحول إلى مصدر للصراع
يحتل النفط موقعاً مركزياً في الكتاب، ليس باعتباره مورداً اقتصادياً فحسب، وإنما باعتباره أحد أهم مصادر القوة الجيوسياسية في العالم، فالدول التي تمتلك احتياطيات نفطية ضخمة تمتلك مورداً يمكن أن يعيد تشكيل موازين القوى، ولذلك تصبح ثرواتها الطبيعية موضع اهتمام القوى الكبرى والشركات العالمية.
ومن خلال الحالات التي يستعرضها، يربط بيركنز بين النفط والاستثمارات الأجنبية والعقود الكبرى والسياسة الخارجية، موضحاً أن السيطرة على الموارد لا تعني بالضرورة امتلاكها بصورة مباشرة، وإنما قد تتحقق من خلال التأثير في طرق استخراجها وتسويقها وتمويل مشروعاتها وتوجيه عائداتها.
وهكذا يظهر النفط في الكتاب بوصفه حلقة وصل بين الاقتصاد والأمن والسياسة الدولية.
عندما تقف القيادة السياسية في وجه المنظومة
من الشخصيات التي يمنحها بيركنز مساحة واسعة الرئيس البنمي عمر توريخوس، الذي يقدم صورته باعتباره نموذجاً لقائد حاول الحفاظ على قدر من الاستقلال في مواجهة المصالح الخارجية.
ولا يتوقف الكتاب عند شخصية توريخوس باعتبارها حالة سياسية منفردة، وإنما يجعل منها جزءاً من سؤال أوسع: ماذا يحدث عندما ترفض قيادة سياسية قبول الشروط التي تفرضها موازين القوة الاقتصادية؟
وفي هذا السياق، يربط بيركنز بين الاستقلال السياسي والسيطرة على الموارد، وبين قدرة الدولة على اتخاذ قراراتها بعيداً عن الضغوط الاقتصادية الخارجية.
ويظهر من خلال السرد أن الصراع على قناة بنما لم يكن في نظره مجرد خلاف حول منشأة مائية استراتيجية، بل كان جزءاً من صراع أوسع حول السيادة والثروة والنفوذ وحق الدولة في التحكم في مواردها وممراتها الاستراتيجية.
من «القاتل الاقتصادي» إلى «الجاكال»
يقدم بيركنز في بنية كتابه تصوراً متدرجاً لأدوات السيطرة، في المرحلة الأولى يظهر «القاتل الاقتصادي»، الذي يعتمد على التقارير والتوقعات الاقتصادية والتمويل وإقناع الحكومات بقبول المشروعات والقروض.
أما إذا فشلت هذه الأدوات، ينتقل السرد إلى ما يسميهم بيركنز «الجاكالز»، وهم عناصر أكثر عنفاً، يتولى دورهم ـ وفق روايته ـ التعامل مع القادة الذين يرفضون الخضوع للمنظومة.
وإذا لم تنجح الوسائل الاقتصادية ولا الضغوط السرية، يبقى الخيار العسكري، لتصبح الأدوات الثلاث في تسلسل واحد: الاقتصاد أولاً، والعمليات السرية ثانياً، والقوة العسكرية أخيراً.
وبهذا يقدم الكتاب تصوراً لمنظومة لا تعتمد على وسيلة واحدة، وإنما تمتلك مستويات متعددة من الضغط، تبدأ بالأدوات الناعمة وتنتهي بالأدوات الصلبة.
الشركات الكبرى في قلب المعادلة
لا يفصل بيركنز بين مصالح الدول الكبرى ومصالح الشركات متعددة الجنسيات، بل يقدم العلاقة بينهما باعتبارها أحد المفاتيح الأساسية لفهم الاقتصاد السياسي العالمي.
فالشركات تحتاج إلى الأسواق والموارد والعقود، بينما تحتاج الدول إلى النفوذ الاقتصادي والاستراتيجي، ومن هنا تتقاطع المصالح.
فعندما تحصل شركة كبرى على عقد لتنفيذ مشروع في دولة نامية، فإنها لا تحقق أرباحاً تجارية فقط، وإنما تصبح جزءاً من شبكة اقتصادية تمتد إلى البنوك والمؤسسات التمويلية والحكومات.
وبذلك تتحول الشركة من كيان اقتصادي منفصل إلى طرف داخل منظومة أوسع من المصالح، ويركز بيركنز على أن الشركات الكبرى تستطيع، من خلال قوتها المالية وانتشارها الدولي، أن تصبح مؤثرة في القرارات المتعلقة بالطاقة والبنية التحتية والموارد الطبيعية والأسواق.
الاقتصاد بوصفه لغة جديدة للقوة
من خلال مجمل الحالات التي يرويها، يصل الكتاب إلى فكرة محورية مفادها أن القوة في العصر الحديث لم تعد تقاس فقط بعدد الجنود أو حجم الترسانة العسكرية.
فالدولة التي تمتلك قدرة مالية ضخمة، وشركات عالمية، ونظاماً مصرفياً قوياً، وعملة ذات نفوذ، وقدرة على تمويل المشروعات، تستطيع أن تمارس تأثيراً واسعاً على دول أخرى دون أن ترسل جندياً واحداً، وهنا تصبح الاقتصاديات الوطنية جزءاً من منظومة القوة الدولية.
فمن يمتلك التمويل يستطيع التأثير في المشروعات، ومن يمتلك الشركات يستطيع التأثير في الأسواق، ومن يمتلك التكنولوجيا يستطيع التأثير في مسارات التنمية، ومن يمتلك الموارد يستطيع التأثير في الأمن والطاقة.
وبذلك يوسع بيركنز مفهوم القوة من المجال العسكري إلى شبكة متداخلة من الأدوات الاقتصادية والسياسية والاستراتيجية.
الثمن الذي تدفعه الدول والشعوب
لا ينظر الكتاب إلى الديون باعتبارها أرقاماً مالية مجردة، بل يربطها بحياة المجتمعات، فخدمة الدين تعني اقتطاع جزء من موارد الدولة على مدى سنوات، وقد تؤثر في قدرتها على الإنفاق على التعليم والصحة والخدمات العامة.
وعندما تصبح الدولة مطالبة بسداد التزامات مالية ضخمة، فإن خياراتها الاقتصادية تضيق، وقد تضطر إلى إعادة ترتيب أولوياتها بما يتناسب مع قدرتها على الوفاء بالتزاماتها.
ومن هنا يطرح بيركنز مفهوم الدين باعتباره التزاماً سياسياً طويل الأمد، فالقرار الذي يتخذه مسؤول اليوم بشأن قرض ضخم قد تظل آثاره قائمة لعقود، وتتحمل الأجيال المقبلة نتائج ذلك القرار، سواء كان المشروع ناجحاً أم فاشلاً.
الإنسان خلف الأرقام
في نهاية المطاف، يعيد بيركنز القضية إلى بعدها الإنساني، فالاقتصاد، في تصوره، لا ينبغي أن يقاس فقط بمعدلات النمو وحجم الناتج والاستثمارات الأجنبية، وإنما بما ينعكس على حياة الناس.
فإذا ارتفع الناتج المحلي بينما بقي الفقر قائماً، وإذا بنيت مشروعات عملاقة بينما تراجعت الخدمات الأساسية، وإذا تضاعفت الاستثمارات بينما ازدادت الديون، فإن السؤال عن طبيعة التنمية يصبح أكثر أهمية من مجرد الاحتفال بحجم المشروعات.
وهنا تتبلور الرسالة الأساسية للكتاب: ليست كل عملية اقتصادية محايدة، وليست كل أرقام النمو دليلاً على التنمية الحقيقية.
نحو فهم جديد للعلاقات الدولية
يقدم «اعترافات قاتل اقتصادي» في نهايته تصوراً للعالم باعتباره شبكة من المصالح المتشابكة، حيث تتداخل الحكومات والشركات والبنوك والمؤسسات المالية والموارد الطبيعية والأسواق.
وفي هذه الشبكة لا يكون الصراع دائماً معلناً، ولا يظهر بالضرورة في صورة مواجهة مباشرة بين دولتين. قد يبدأ الصراع بعقد استثماري، أو مشروع بنية تحتية، أو اتفاقية نفطية، أو قرض طويل الأجل، ثم يتطور إلى علاقة اقتصادية تترك آثاراً على القرار السياسي والسيادة الوطنية.
وبذلك ينتقل الكتاب من سرد تجارب شخصية إلى طرح سؤال أوسع حول طبيعة النظام العالمي وآليات إنتاج النفوذ فيه.
عندما يصبح الاقتصاد أحد ميادين الصراع على السيادة
في جوهره، يضع «اعترافات قاتل اقتصادي» القارئ أمام عالم لا تنفصل فيه السياسة عن الاقتصاد، ولا الأمن عن الطاقة، ولا الديون عن السيادة.
ومن خلال تجربة جون بيركنز الشخصية، ينتقل الكتاب بين دول ومشروعات وشركات وحكومات ليقدم تصوراً متكاملاً عن الكيفية التي يمكن أن تتحول بها الأدوات الاقتصادية إلى أدوات نفوذ سياسي.
فالطريق لا يبدأ دائماً بالدبابات، بل قد يبدأ بدراسة اقتصادية، ثم قرض، ثم مشروع، ثم عقد، ثم التزام مالي طويل الأجل، وعندما تتراكم هذه الحلقات، تصبح العلاقة بين الدولة المقترضة والجهات الممولة أعمق من مجرد علاقة مالية، إنها علاقة تعيد تشكيل موازين القوة والقرار والسيادة.
وهنا تكمن الفكرة المركزية التي يتركها الكتاب في ذهن القارئ: أن فهم السياسة الدولية في العصر الحديث لا يمكن أن يكتمل من خلال دراسة الجيوش والحروب وحدها، بل يتطلب النظر أيضاً إلى حركة الأموال، وتدفق الاستثمارات، وشبكات الشركات، وأسواق الطاقة، والمؤسسات المالية، ومشروعات البنية التحتية.





اترك تعليقاً