أكثر من 500 مفقود في البحر.. أسئلة تطرحها الفاجعة الجديدة التي أصابت الروهينجا

17int rohingya boats hpml superJumbo

تتواصل المآسي الإنسانية التي يعيشها مسلمو الروهينجا، بعدما أعلنت الأمم المتحدة أن أكثر من 500 شخص يُخشى أن يكونوا قد لقوا مصرعهم إثر غرق قاربين كانا يقلان لاجئين فارين من ميانمار باتجاه ماليزيا، في واحدة من أكبر الكوارث البحرية التي تصيب هذه الأقلية المضطهدة خلال السنوات الأخيرة.

وتسلط الحادثة الضوء مجدداً على الظروف القاسية التي تدفع آلاف الروهينجا إلى ركوب قوارب متهالكة عبر خليج البنغال وبحر أندامان، هرباً من الاضطهاد والفقر وانعدام الجنسية، أملاً في الوصول إلى مستقبل أكثر أمناً.

رحلة انتهت بالمأساة

بحسب مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين (UNHCR) والمنظمة الدولية للهجرة (IOM)، غادر القاربان ولاية راخين غربي ميانمار أواخر يونيو/حزيران، وكان على متنهما مئات الركاب، معظمهم من الروهينغا، متجهين نحو ماليزيا.

وأوضحت الأمم المتحدة أن أحد القاربين انقطع الاتصال به بعد وقت قصير من انطلاقه، بينما انقلب القارب الثاني بعد نحو أسبوع من الإبحار، دون أن ترد أي تقارير عن وصول فرق إنقاذ أو نجاة أعداد كبيرة من الركاب.

وأعربت الأمم المتحدة عن خشيتها من أن يكون أكثر من 500 شخص قد فقدوا حياتهم في الحادثتين.

أم تنتظر زوجاً لن يعود

ومن بين القصص الإنسانية التي كشفتها المأساة، قصة نور كليمة، وهي لاجئة روهينجية تبلغ من العمر 24 عاماً وتقيم في مخيمات كوكس بازار في بنغلاديش.

تقول نور إنها ما زالت تخبر طفليها الصغيرين بأن والدهما سيعود قريباً، لكنها في قرارة نفسها تعتقد أنه توفي في البحر.

وكان زوجها عبد الرحمن قد غادر المخيم قبل نحو ستة أسابيع بحثاً عن فرصة عمل في الخارج، قبل أن تتلقى اتصالاً من شخص مجهول أخبرها بأن زوجها في طريقه إلى ماليزيا، مطالباً بدفع نحو 3000 دولار مقابل “ضمان سلامته”، في مؤشر على تورط شبكات تهريب البشر في الرحلة.

بعد ذلك انقطعت الاتصالات، ولم يبق سوى الأخبار القادمة من سواحل ميانمار عن جثث لفظها البحر، ما عزز قناعة الزوجة بأن زوجها كان من بين الضحايا.

وتقول نور، الحامل بطفلها الثالث: “من سيعتني بي الآن؟”

حياة بلا أمل داخل المخيمات

تعيش أسرة نور كليمة، مثل أكثر من مليون لاجئ روهينجي، في مخيمات كوكس بازار منذ فرارهم من ميانمار قبل نحو عقد، بعد حملة عسكرية واسعة أجبرت مئات الآلاف على النزوح.

ويعاني سكان المخيمات من أوضاع معيشية صعبة، مع محدودية فرص التعليم والعمل، في وقت تراجعت فيه المساعدات الإنسانية الدولية بشكل مستمر خلال السنوات الأخيرة، ما يدفع كثيرين إلى المخاطرة بحياتهم بحثاً عن مستقبل أفضل.

“أشخاص غير مرئيين”

وأثارت المأساة انتقادات واسعة لغياب الاستجابة الدولية.

وقال الباحث في منظمة Fortify Rights، لين هتيت، إن اختفاء مئات الأشخاص في البحر دون تحرك واسع للبحث عنهم يعكس حجم التهميش الذي يعانيه الروهينغا.

وأضاف:

“لو كان ركاب القارب من دول غربية، لتعاونت دول كثيرة في عمليات البحث والإنقاذ، لكن الروهينجا لا يملكون نفوذاً… إنهم أشخاص غير مرئيين.”

أحد أخطر طرق الهجرة في العالم

تشير بيانات الأمم المتحدة إلى أن نحو 5000 من الروهينجا لقوا حتفهم غرقاً خلال العقد الماضي أثناء محاولات الهجرة البحرية، فيما كان عام 2025 الأكثر دموية على الإطلاق بالنسبة لهم.

وأكدت منظمة أطباء بلا حدود أن الكارثة الأخيرة تعكس مجدداً “النتائج المميتة لاستمرار الاضطهاد والعنف وحرمان الروهينغا من حقوقهم الأساسية”.

إبادة وحرمان من الجنسية

يُعد الروهينجا من أكثر الأقليات تعرضاً للاضطهاد في العالم، إذ تحرمهم ميانمار من الجنسية منذ عقود، ولا تعترف بهم كمواطنين.

وفي عام 2017 شن الجيش الميانماري حملة عسكرية واسعة ضدهم، وصفتها الأمم المتحدة والولايات المتحدة بأنها ترقى إلى الإبادة الجماعية، بعدما أسفرت عن مقتل الآلاف وفرار أكثر من 700 ألف شخص إلى بنغلاديش.

ناجٍ يروي أهوال البحر

وتعيد الكارثة الحالية إلى الأذهان حادثة مشابهة وقعت في أبريل/نيسان الماضي، حين غرق قارب في بحر أندامان كان يقل نحو 250 مهاجراً من بنغلاديش، بينهم عدد كبير من الروهينغا.

وكان محمد رفيق، البالغ من العمر 26 عاماً، من بين الناجين القلائل، وروى أن بعض الركاب ماتوا اختناقاً داخل عنبر ضيق مخصص لحفظ الأسماك بسبب الاكتظاظ الشديد، حتى قبل انقلاب القارب.

وقال:

“مررت بأسوأ تجربة في حياتي، ولن أشجع أحداً على خوض هذه الرحلة.”

دعوات لتحرك دولي عاجل

ودعت المنظمات الأممية إلى تعزيز التعاون الإقليمي والدولي لحماية اللاجئين ومنع المزيد من الوفيات على أحد أخطر طرق الهجرة البحرية في العالم.

وأكدت المنظمتان أن معالجة الأزمة لا تقتصر على عمليات الإنقاذ، بل تتطلب أيضاً التصدي لشبكات تهريب البشر، وتحسين أوضاع اللاجئين، ومعالجة الأسباب الجذرية التي تدفع الروهينجا إلى الفرار، وفي مقدمتها الاضطهاد وانعدام الجنسية وغياب الأفق داخل المخيمات.

وتبقى مئات العائلات حتى اليوم معلقة بين الأمل واليأس، تنتظر خبراً عن أحبائها المفقودين، بينما يواصل البحر ابتلاع ضحايا جدد من أقلية ما زالت، بعد سنوات من التهجير، تبحث عن مكان آمن تعيش فيه بكرامة.

Comments

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *